1
0
2
0
1
0
1
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13533
0
13379
0
12214
0
12138
0
9570
0

هاني الغيتاوي*
لقد عانى كثير من الأدباء والفلاسفة من قسوة السلطة الأبوية، إلاّ أن تجربة الأديب النمساوي “فرانز كافكا” تُعد من أكثر التجارب حدة وعمقًا في هذا السياق، إذ انعكست هذه السلطة بشكل واضح في حياته وكتاباته، حتى غدت جُزءًا من عالمه النفسي والفني. فقد عاش كافكا تحت وطأة أب صارم ومتسلط، الأمر الذي ولّد إليه اضطرابات نفسية ووجدانية تمثلت في الخوف والقلق والشعور بالدونية والعجز.
وفي السياق نفسه قدّم “سيجموند فرويد” من خلال نظريته الشهيرة “عقدة أوديب” تفسيرًا للصراع النفسي الناشئ عن العلاقة المضطربة بين الابن والأب، وهي نظرية يجد لها تطبيقًا عمليًا واضحًا في حالة كافكا، حيث كانت علاقته بأبيه علاقة متوترة ومعقدة، اتسمت بالقسوة والتسلط والتقليل المستمر من شأنه.
وقد انعكس ذلك في شخصية الأب الذي كان ذا مزاج متقلب وسلوك قاس، لا يتردد في التهكم أو الانتقاص من ابنه أو من إنجازاته.
وقد أشار الفيلسوف الفرنسي “روجيه جارودي” في كتابه “واقعية بلا ضفاف” إلى أن المحللين النفسيين وجدوا في شخصية كافكا نموذجًا دالًا على عقدة أوديب، خاصة بعد الاطلاع على رسالته الشهيرة إلى أبيه، التي كشفت عمق الأزمة النفسية بينهما.
وتكتسب هذه الرسالة أهميتها من كونها لم تصل إلى الأب، بعد أن منعت والدته ذلك، لكنها بقيت وثيقة كاشفة عن طبيعة العلاقة المتأزمة بينهما، وما تركته من آثار نفسية عميقة في نفس كافكا.. يقول فيها:
“كانت كتاباتي كلها عنك، كانت محاولة فاشلة؛ لأنها غير متسقة للوصول إلى الوضوح والنقاء بشأنك”.
كتب كافكا رسالة إلى والده يقول فيها: “كانت كتاباتي كلها عنك، كانت محاولة فاشلة؛ لأنها غير متسقة للوصول إلى الوضوح والنقاء بشأنك”.
يتجلى في هذه الرسالة شعور كافكا بعدم الأمان والخوف من أبيه، إذ كان يرى في الأب شخصية غليظة متسلطة، مقابل شعوره بالهشاشة والضعف، وقد دفعه هذا الخوف إلى الكتابة بدل المواجهة المباشرة، ما عمّق الفجوة النفسية بينهما.
ويضيف في موضع آخر:
“سألتني مرة لماذا أدعي أنني أخاف منك ولم أعرف كالعادة أن أجيبك بسبب هذا الخوف نفسه…”.
رسالة كافكا لأبيه، هي ترجمة حقيقية وصادقة لمعاناته من سطوة السلطة الأبوية، فابن ضعيف هزيل مرهف الحس في مواجهة أب قوي ضخم، فظ غليظ متسلط يعاير أبناءه بما ينفقه عليهم، وكيف أنه كافح ليهيء لهم الحياة الكريمة، ولا يفتأ يلقي على مسامعهم هذه التضحيات، كان ذلك يؤثر على كافكا، ما جعله يتمرد في رسالته على ما يقوله أبيه: “لكن على الأرجح أن وضعنا هو بالأحرى معادل لوضعك، غير أن حظنا العاثر يكمن في أننا لا نستطيع أن نتباهى بعوزنا، ولا أن نذل أحدًا به، كما فعلت أنت بعوزك معنا، كما أنني لا أنكر أنه كان من الممكن أن يكون من شأني التمتع بشكل صحيح حقًا بثمار عملك العظيم الناجح، لكن غربتنا عن بعضنا اعترضت سبيل ذلك، لقد استطعت أن أتمتع بما تعطيه، لكنني لم أفعل ذلك إلاّ وأنا أشعر بالخجل والتعب والضعف والذنب، لذا لم أستطع أن أكون شاكرًا لك على كل شيء إلا مثلما يكون المتسول شاكرًا!”.
لقد تمرد كافكا على موقف أبيه منه ومن إخوته وأنه يعيرهم بإنفاقه عليهم مع أنه أمر واجب عليه، فهو يعلن عدم شكره على ما قام به لأنه يشعره بأنه متسول.
وما زال كافكا يواصل البوح عن معاناته مع أبيه فيصور مشهدًا حدث بينه وبين أبيه، وكيف أثر في نفسه، في ذات ليلة راح يبكي بصوت مزعج مدعيًا بأنه عطش، والحقيقة أنه اختلق ذلك ليستثير أبيه ويستميله ناحيته، وعندما سمع أبوه صراخه استشاط غضبًا وقام بحمله والإلقاء به داخل شرفة الغرفة وأغلق باب الغرفة.
وظل كافكا هناك وحده فترة زمنية وهو في ملابسه الداخلية، كانت لهذه الحادثة التأثير البالغ على كافكا، وكيف أنه أصبح مطيعًا، لكنها طاعة نابعة من الخوف.
“لقد أصبحت آنذاك مطيعًا، لكنني أصبت بخلل داخلي”.
لقد صور كافكا في رسالته لأبيه مدى المعاناة التي عانى منها في علاقته مع هذا الأب المتسلط المستبد الذي لا يعترف إلا بطاعة أولاده له والتزامهم بهذه الطاعة، متنصلًا من أي حقوق لهم عليه، فكان عليهم أن يستمعوا له وينفذوا أوامره دون نقاش أو جدال أو اعتراض، وقد ترك ذلك عميق الأثر في حياة كافكا، فشعر بالقلق والاضطراب والخوف وعدم الإحساس بالأمان.
ومن ظواهر قسوة الأب على ابنه أيضًا أنه كان متواترًا على السخرية منه والتقليل من شأنه والتهكم عليه وعلى من تربطه بهم علاقات صداقة، فكان يتجاوز في حقهم ويتناولهم بالسخرية والازدراء، ويسومهم سوء الشتائم والافتراءات والإهانات.
“عندما كنت أسعد بأمر ما يملك علي نفسي، فأعود إلى البيت وأتحدث عنه، فلا يكون الجواب إلاّ بتنهيدة ساخرة”.
لقد عانى كافكا من الخوف والقلق والتردد وعدم الإحساس بالأمان وشكلت سلطة الأب بما تنطوي عليه من قسوة عالم كافكا الداخلي وجعلته يعاني الاغتراب النفسي، يقول كافكا عن سبب الكتابة لأبيه: “أكتب لأن هذا الأمر وضخامة حجمه يفوق ذاكرتي وقدرتي على التفكير”، هذا الاغتراب جعل كتاباته الأدبية يغلب عليها الرمزية والغموض مكسوة بالبؤس والشقاء “حياتي هي أنا” “حياتي هي محاولة للكتابة”.
بذلك يمكن القول إن السلطة الأبوية الغاشمة لم تكن مجرد تجربة شخصية عابرة في حياة كافكا، بل كانت عنصرًا تأسيسيًا في تكوينه النفسي والفني، وأسهمت في بلورة عالمه الأدبي المليء بالقلق والاغتراب.
*كاتب مصري