مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

  عبد العزيز قاسم * لا تثقوا كثيرًا بالسيارات الطويلة؛ فبعضها لا ينقلك من حيٍّ إ …

غورباتشوف في أبحر الجنوبية

منذ 24 دقيقة

3

0

  عبد العزيز قاسم *

لا تثقوا كثيرًا بالسيارات الطويلة؛ فبعضها لا ينقلك من حيٍّ إلى حيّ، بل من زمنٍ إلى زمن، وربّما من دولةٍ عظمى إلى تفكّكها الأخير.
في معرض الصديق والجار الأنيق طلال بن منسي للسيارات الكلاسيكيّة، في حينا بأبحر الجنوبيّة لم أقف أمام سيارةٍ عتيقةٍ كما يقف الناس أمام الحديد المصقول، بل أمام قطعةٍ من الحرب الباردة واقفةً على أربع عجلات، تلمع بهدوءٍ كأنها تخفي في بطنها اجتماعًا للحزب الشيوعي لم ينتهِ بعد.
قال لي جاري العزيز طلال، وهو يبتسم ابتسامة العارف بأنه ألقى في حجري حكايةً لا سيارة: هذه سيارة غورباتشوف.
وهنا، أيّها السادة، لم أعد زائرًا لمعرض، بل شاهدًا على فصلٍ صغيرٍ من تاريخٍ كبير.

اقتربتُ منها، فإذا بها ليست سيارة فحسب، بل اتحادٌ سوفييتيٌّ مصغّر؛ خشبٌ لامع، جلدٌ أسود مقدّمةٌ عريضةٌ عابسة، وطولٌ يكاد يقول لك: لسنا مركبةً، نحن بيانٌ سياسيٌّ متحرّك.
دخلتُها بشيءٍ من الوقار، لا يخلو -أعترف- من التمثيل.

جلستُ في المقعد الخلفي، حيث جلس الرجل صاحب أشهر لطخةٍ في السياسة المعاصرة، فوضعتُ يدي على جبيني مقلّدًا تلك العلامة الشهيرة، ثم التفتُّ إلى طلال، وقلتُ بروسيةٍ لا تُسقط دولةً ولا تقيمها:
كاك ديلا؟ كاك… زوت؟
فضحك جاري الخلوق ضحكةً كانت تكفي وحدها لإسقاط ما تبقّى من الستار الحديدي.
السيارة من الداخل لا تشبه ترف الغرب المدلّل؛ لا تقول لك: استرخِ، بل تقول لك: انتبه، فالدولة جالسةٌ معك، أزرارها تبدو كأنها خرجت من وزارة، لا من مصنع.

وساعتها الصغيرة في الأعلى لا تقيس الوقت، بل تؤدّبه، والجلد الأسود لا يرحّب بك، بل يراقبك مراقبةً حزبيّةً محترمة.
قلتُ في نفسي: يا أبا أسامة، انزل سريعًا قبل أن تتذكّر السيارة تاريخها، فينفصل الباب الأيسر إعلانًا للاستقلال، وتطالب المرآة الجانبيّة بحقّ تقرير المصير، وتخرج من الشنطة الخلفيّة خمس عشرة جمهوريّةً وهي تصرخ: كفى!

بيد أنّ الطرفة لا ينبغي أن تحجب الفكرة، غورباتشوف لم يكن رجلًا عاديًّا في التاريخ؛ كان إذا مشى، مشى الضجيج معه، أحبّه الغرب؛ لا حبًّا في سواد عينيه، بل لأنه رخّى القبضة الحديديّة وفتح النوافذ في بيتٍ سوفييتيّ ظلّ مغلقًا حتى اختنق أهله. وأحبّه بعض الروس يومها لأنهم رأوا فيه مخرجًا من طوابير الخبز، ورتابة الحزب، ووعودٍ أيديولوجيّةٍ صارت تشبه النكات الثقيلة.

أمّا الشيوعيون، والقوميون الروس، وفئامٌ من اليساريين العرب، فما زالوا يرونه الرجل الذي فتح النافذة، فخرج منها البيت كلّه.

غير أنّ الإنصاف يقول: إن الاتحاد السوفييتي لم يسقط لأن غورباتشوف عطس في موسكو، بل لأنه كان مريضًا منذ زمن، وما فعله الرجل، عبر البيريسترويكا والجلاسنوست، أنه رفع الغطاء عن جسدٍ مترهّل، فاكتشف العالم أنّ الإمبراطوريّة التي كانت تزمجر في الخارج، كانت تسعل في الداخل.
وأنا لا أقول هذا من مقاعد التنظير الوثيرة، بل من عينٍ رأت. عام 1991م، جئتُ إلى جمهوريات آسيا الوسطى، فرأيتُ التعب في الوجوه، وفي الأرصفة، وفي الأبنية الرماديّة، وفي الروح العامّة التي تشبه موظفًا قديمًا انتهى دوامه منذ سنوات، لكنه لا يزال جالسًا ينتظر تعميمًا لن يصل.
لهذا لم أرَ في سيارة غورباتشوف مجرّد ليموزين فارهة، بل رأيتُ استعارةً كاملةً لعالمٍ مضى: هيبةٌ طويلةٌ من الخارج، وشيخوخةٌ مكتومةٌ في الداخل؛ طلاءٌ أسود يلمع، والزمن تحته يئنّ؛ وفخامةٌ توحي بالقوّة، فيما المفاصل كلّها تستعدّ للشكوى.
خرجتُ منها ضاحكًا، وقلتُ لطلال: ما أظرف التاريخ! سيارةٌ كانت يومًا تمرّ فيرتبك الناس صارت اليوم واقفةً تحت إضاءةٍ وادعة، يتأمّلها كاتب السطور، ويتوجّس منها قليلًا؛ لا خوفًا من سطوتها، بل خشيةً من أن يعيد الحديد تمثيل التاريخ بحماسةٍ زائدة.
بعض السيارات لا تحمل الركّاب؛ تحمل الإمبراطوريات إلى المتحف.
وبعض الإمبراطوريات لا تموت في ساحات القتال؛ تموت جالسةً في المقعد الخلفي، بكامل أناقتها، ووجهها لا يزال عابسًا، كأنها لم تصدّق بعد أنّ العرض انتهى.

*إعلامي وكاتب صحفي 

الكلمات المفتاحية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود