1
0
2
0
1
0
1
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13533
0
13379
0
12214
0
12138
0
9570
0

عبدالعزيز بن بعجان*
لم تكن أسواق العرب مواضع للبيع والشراء وحدهما، بل كانت مجامع كبرى تلتقي فيها القبائل للتنافر والتفاخر، والتنافس في البيان والشعر، وإعلان ما يراد إشاعته بين الناس من هدر دم أو عقد حلف وغيره، فهي بهذا المعنى، منابر العرب الكبرى، ومجالس أخبارهم، ومواطن ظهورهم أمام بعضهم بعضًا، وأشهر هذه الأسواق ثلاثة: عكاظ، ومجنة، وذو المجاز.
فكانت العرب تأتي سوق عكاظ أولًا، فتقيم فيه عشرين يومًا من أول ذي القعدة، ثم تنتقل إلى سوق مجنة، فتقضي فيه العشر الأواخر من ذي القعدة، ثم تخرج إلى سوق ذي المجاز، فتشهد أوائل ذي الحجة فيه، ثم تمضي بعد ذلك إلى حجها.
فكأن هذه الأسواق كانت رحلةً جامعة، يسبق بها العرب حجهم، فيلتقون ويتفاخرون ويتبايعون ويتناشدون ثم يفدون إلى البيت، وقد سبق الحجَّ موسمٌ من الاجتماع والذكر والأدب.
وكان أول ما شدّني من أخبار هذه الأسواق خبر خطبة قس بن ساعدة؛ فإن من العجب أن يظهر رجل قبل البعثة الإسلامية بهذا الكلام، فقد روي أنه صعد فخطب وقال:
“أيها الناس، اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آتٍ آت، مطرونبات وأرزاق وأقوات، وآباء وأمهات، وأحياء وأموات، وجمع وأشتات، ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ومهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تمور، وبحار لا تغور، ونجوم تزهر، وبحار تزخر.
إن في السماء لخبرًا، وإن في الأرض لعبرًا.. ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون؟ أرضوا فأقاموا أم تُركوا فناموا؟ تبًّا لأرباب الغفلة من الأمم الخالية والقرون الماضية.
يا معشر إياد، يا معشر إياد، أين الآباء والأجداد؟ وأين الفراعنة الشداد؟ ألم يكونوا أكثر منكم مالًا وأطول آجالًا؟ طحنهم الدهر بكلكله، ومزقهم بتطاوله، يقسم قس بالله قسمًا لا إثم فيه: إن لله دينًا هو أرضى لكم وأفضل من دينكم الذي أنتم عليه، إنكم لتأتون من الأمر منكرًا“.
وكان لقس فضلٌ على العربية، إذ إنه أول من قال: أما بعد، وأول من كتب: من فلان إلى فلان، وأول من قال: البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر.
وكان شاعرًا أيضًا، غير أن الخطابة غلبت عليه، حتى ذُكر في طبقة من جمع بين الشعر والبيان والحكمة.
وقد ذكر الجاحظ أن من الخطباء من يكون شاعرًا، ويكون إذا تحدث، أو وصف، أو احتج، بليغًا مفوهًا بيّنًا، وربما كان الرجل خطيبًا فقط، بيّنَ اللسان لا يتعدى ذلك.
ثم ذكر من الخطباء الشعراء الأبيناء الحكماء قس بن ساعدة الإيادي، وقال: الخطباء كثير والشعراء أكثر منهم، ومن يجمع الشعر والخطابة قليل.
وهنا يرد سؤال جميل: أيهما أعلى مقامًا عند العرب: الخطيب أم الشاعر؟
وقد أجاب عن ذلك أبو عمرو بن العلاء جوابًا نفيسًا، إذ قال: كان الشاعر في الجاهلية يُقدَّم على الخطيب، لفرط حاجتهم إلى الشعر الذي كان يقيّد عليهم مآثرهم، ويفخم شأنهم، ويهوّل على عدوهم، ويهيب من فرسانهم، ويخوّف من كثرة عددهم، حتى يهابهم شاعر غيرهم فيراقب شاعرهم. فلما كثر الشعر والشعراء، واتخذوا الشعر مكسبة، ورحلوا به إلى السوقة، وتسرعوا إلى أعراض الناس، صار الخطيب عندهم فوق الشاعر، وقد وضع الشعر من قدر النابغة الذبياني، ولو كان في الدهر الأول ما زاده إلا رفعة.
وهذا لا ينزل من قدر الشعر، إنما يصف تحوّل منزلته حين كثر أهله، وتبذّل بعضهم، وصاروا يتخذونه مطية إلى ما لا يليق.
أما الخطيب فليس مجرد صاحب لسان، بل صاحب نصيحة أو رسالة ورأي يجمع عليه الناس، لذلك كان أخلق بالخطيب أن يترفّع عن سفاسف الأمور، وأن يكون أبعد عن مشاهد الخصومة والابتذال، وأقرب إلى مقام التمام والوقار، وإن لم يبلغ الكمال.
وكان محفل الشعر في عكاظ من أرقى ما عرفه العرب في الاجتماع الأدبي؛ حيث كان فيه حكم وشعراء، وجمهور، ومفاضلة، ونتيجة، وكان الذي يترأس ذلك النابغة الذبياني، فتُضرب له قبة حمراء في سوق عكاظ، ويأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارهم ويحكم بينهم.
ومن أشهر ما يروى في ذلك خبر تفضيله الخنساء على حسان، وما دار من نقد النابغة لأبيات حسان التي قال فيها:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى
وأسيافنا يقطرن من نجدةٍ دما
ولدنا بني العنقاء وابني محرق
فأكرم بنا خالًا وأكرم بنا ابنما
فقال له النابغة: أنت شاعر، لكنك أقللت جفانك وأسيافك، وفخرت بمن ولدت، ولمتفخر بمن ولدك.
يريد بذلك:
أنك قلت الجفنات، ولو قلت جفان لكان أكثر وأدل على السعة من الجفنات.
وقلت أسيافنا، وسيوف أبلغ في الكثرة، وقول يقطرن دمًا أقل دون يجرين دمًا أقل المبالغة.
وفخرت بمن وُلِد لك ولم تفخر بمن ولدك
قال الصولي: فانظر إلى هذا النقد الجليل الذي يدل عليه نقاء كلام النابغة، وديباجة شعره.
ولعل أعظم ما تكشفه لنا هذه الأسواق أنها كانت بمثابة صورة لثقافة العرب وحضارتهم آنذاك ولم تكن مواضع تجارة فحسب.
* كاتب سعودي