243
0
21
0
0
0
4
0
0
0
0
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13575
0
13419
0
12253
0
12157
0
9602
0

الحسن الگامَح*
على سبيل البدء:
يقف المتلقي أمام أعمال الفنان التشكيلي المغربي أحمد الحياني، كأنه يقف أمام مرآة تعكس تحولات الحاضرة المعاصرة وهواجس الإنسان الساكن فيها. فاللوحة عنده ليست مجرد مساحة لتوثيق الأشكال أو محاكاة الواقع المعماري، بل هي مختبر بصري يعيد فيه تفكيك الهياكل الخرسانية الصامتة ليمنحها نبضاً وروحاً وشاعرية. وفي هذا العمل تحديداً، يفتتح الفنان الحياني حواراً مشوقاً بين صرامة الهندسة وسيولة اللون، ممهداً الطريق لقراءة عميقة تتجاوز حدود الجدران والخطوط الحادة، لتنفذ إلى جوهر العلاقة الوجودية بين المحيط العمراني والوجدان الإنساني.
القراءة الفنية:
تقدم هذه اللوحة تجربة بصرية استثنائية تنتمي إلى محترف الفنان المرتكز على ثنائية المعمار والروح، حيث يتناول موضوع المدينة لا بنقل واجهات إسمنتية صامتة، بل بالغوص في البعد الجمالي والإنساني للمحيط المديني وتحولاته المعاصرة. يبني الفنان الحياني لوحته عبر أسلوب هندسي يمزج بين التكعيبية والخطية المعاصرة، وتبدو المباني والكتل كأنها تشكيلات من المكعبات المتراكبة التي تفتقر إلى الجدران المصمتة؛ إنها جدران شفافة تسمح بعبور الضوء والرؤية من خلالها، كأنه يفكك المعمار ليتيح لنا رؤية ما وراء المظهر الخارجي للمدينة. ويهيمن على هذا التكوين العام اتجاه عمودي صاعد يوحي بالنمو العمراني المتسارع والارتفاع، حيث تخلق الخطوط الرأسية الحادة نوعاً من الاستقرار البصري، بينما تكسرها الخطوط المائلة والأفقية لتمنح المشهد حيوية حركية تمنعه من الرتابة.
وتتناثر في اللوحة مربعات ومستطيلات صغيرة داكنة تمثل النوافذ، وهي لا تلعب دوراً معمارياً وظيفياً فحسب، بل تحمل دلالة رمزية تعبر عن حيوات البشر المتكدسين داخل هذه العلب الإسمنتية، لتعكس التناقض المعاصر في المدينة بين العزلة الفردية والازدحام الخارجي. وعلى الصعيد اللوني، يتكئ الفنان على باليتة مدروسة بدقة؛ فالرماديات والأخضر الباستيلي والترابيات تشكل الخلفية والجسد الأساسي للمدينة محاكية الواقع العمراني والمواد الطبيعية، لكنه يطعّمها بجرأة بكتل من الأحمر القاني والأصفر الخردلي الحاد، وهي بقع ضوئية تكسر كآبة الإسمنت وتعيد الحيوية للمشهد. وفي أعلى اللوحة، يتخلى الفنان عن حدة الخطوط الهندسية لصالح غلالة ضبابية بنفسجية مدمجة بالبياض تحاكي السماء، ما يمنح العمل متنفساً بَصرياً يخفف من ثقل الكتل الداكنة المستقرة في الجانب الأيمن السفلي.
إن المدينة عند الفنان أحمد الحياني هي فضاء للبحث والتحول، يلتقي فيه الفرح بالحزن، والجمال بالكآبة المعمارية. ومن خلال هذه الهندسة الجافة التي تتحول إلى شعرية بصرية، تجعل اللوحة المدينة تبدو كأنها كائن حي يتنفس، متصل بالماضي عبر الألوان الترابية وملامح المدن القديمة، ومنفتح على المستقبل المعاصر عبر الأبراج والخطوط الحادة، ليعيد بذلك بناء فضاء روحي ونفسي يعكس علاقة الإنسان الحديث بمحيطه.
الرسالة الفنية:
وتتجلى في هذا العمل في محاولة أنسنة الفضاء العمراني وإعادة الروح إلى الجدران الصامتة، حيث يقدم الفنان المدينة ككائن يتداخل فيه البعد المكاني بالبعد الإنساني والنفسي. وتكمن الرسالة الأساسية في البحث عن التوازن والانسجام في قلب الصخب المعاصر؛ فمن خلال الشفافية وتداخل الخطوط، يذكرنا الفنان بأن المدن، رغم ضخامتها وعزلتها أحياناً، تظل فضاءات مشتركة ومترابطة تحتوي خلف نوافذها الصغيرة حكايات ومشاعر بشرية لا تنتهي. إنها دعوة بصرية للتأمل في محيطنا الحديث، ورؤية الجمال والشعرية المختبئة وراء صرامة الخرسانة.
الرسالة الإنسانية:
تمثل صرخة صامتة تدعو إلى الحفاظ على روح الإنسان ووجدان الحاضرة حياً ونابضاً داخل غابات الإسمنت، والتذكير بأن المدينة بغير عاطفة وبغير بشر يتواصلون خلف نوافذها، تصبح مجرد هياكل مهجورة لا حياة فيها. وتسلط اللوحة الضوء على جدلية العزلة والتواصل، لتعبر عن مقاومة النمطية الآلية؛ فالمدينة الحديثة غالباً ما تتسم بالبرود والقسوة، لكن الحياني، عبر دمج الألوان الدافئة والمشرقة كالبرتقالي والأحمر وسط الرماديات، يزرع الأمل والحيوية كدعوة للتمسك بالدفء الإنساني في مواجهة زحف المادة.
على سبيل الختم:
تظل هذه اللوحة للفنان أحمد الحياني وثيقة بصرية تختزل فلسفة العيش المعاصر، وشاهداً على قدرة الفن في تحويل الجفاف العمراني إلى قصيدة تشكيلية نابضة بالحياة. لقد نجح الحياني في جعل الهندسة وسيطاً تعبيرياً لا يكتفي برصد ملامح المدينة من الخارج، بل ينفذ إلى عمقها الروحي والإنساني، ليرسل من خلف الجدران الشفافة والنوافذ الصغيرة رسالة بليغة مفادها: أن المدينة لا تُبنى بالإسمنت والحديد فحسب، بل بالروح والروابط الإنسانية التي تمنحها المعنى والأمل. إنها خاتمة مفتوحة على التأمل، تترك المتلقي متسائلاً عن موقعه ومصيره داخل هذه الفضاءات الممتدة بين الظل والنور.

* كاتب وباحث في الجماليات من المغرب.