12
0
8
0
7
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13576
0
13421
0
12254
0
12157
0
9604
0

حسين الحربي*
في عالم الأدب والثقافة، لا تُقاس قيمة الكاتب بكم الضجيج الذي يحدثه، بل بعمق أثره وصدق حضوره. هناك من يملأ الساحة بالأسماء والصخب، وحين يغيبون لا يتغير المشهد كثيرًا، وهناك من يختفون بصمت، لكن غيابهم يترك فراغًا لا يملؤه سوى صدى نصوصهم وروحهم. ياسين رفاعية كان من الفئة الثانية، كاتبًا هادئًا، لكنه حاضر بقوة في كل كلمة كتبها، وفي كل نص تركه، حتى بعد رحيله.
رحل ياسين رفاعية في بيروت عام 2016، كما عاش: بلا ضجيج، بلا صخب، بلا أي محاولة للظهور أو تسليط الأضواء على نفسه. لكن صمته لم يكن ضعفًا، بل موقفًا أخلاقيًا وجماليًا. لقد كان يكتب لأن الكتابة كانت عنده ضرورة داخلية، فعل وعي ومسؤولية، وسعيًا لفهم الإنسان والحياة، لا رغبة في الشهرة أو السبق. لذلك جاءت نصوصه هادئة في إيقاعها، صادقة في نبرتها، عميقة في مضمونها، عصيّة على النسيان أو التزييف.
كتبه ومؤلفاته لم تكن مجرد أعمال أدبية؛ بل كانت مرايا تعكس ثقافة النبل والاحترام التي عاشها رفاعية. من الروايات التي خلدت اسمه، «الممر»، و«رأس بيروت»، و«وردة الأفق»، و«امرأة غامضة»، وصولًا إلى «سوريو – جسر الكولا»، برزت بيروت فيها ليس مجرد مكان جغرافي، بل كائن حي يتنفس، يئنّ، ويتذكّر، ويحتوي مزيج النبل والوضاعة، الأمل والانكسار، ويطلّ من نوافذه على أسئلة الإنسان الكبرى. قصصه القصيرة كانت تتنقل بين تفاصيل الحياة اليومية واللحظات الصغيرة، وتمنحها عمقًا إنسانيًا بعيدًا عن الزخرفة أو الإفراط في التعبير، لتصبح لحظات حقيقية من وعينا بالوجود.
وقد عبّر رفاعية عن فلسفته في الكتابة بقوله: الكتابات مثل الدوالي، وهي منتشرة في كل البيوت، لكن لكل دالية خصوصية تخص بيتها بعناقيدها الخاصة. هذا عرف اجتماعي، وهو عرف الطبيعة أيضًا. وعن روايته «سوريو – جسر الكولا»، قال: سوريو ليس مجرد جسر بين ضفتين، بل جسر بين الحلم والواقع، بين الماضي والحاضر. أردت أن يرى القارئ في هذا الجسر انعكاس حياته الصغيرة والكبيرة، تلك التفاصيل التي تشكل العالم كله.
وعن رواية «الممر»، أضاف: الممر هو كل لحظة نمر بها في حياتنا ونكاد لا نلاحظها، لكنه يحمل تغيرًا داخليًا، ويفتح أبوابًا لفهمنا لأنفسنا وللآخرين. الكتابة عن الممرات الصامتة تجعل القارئ يتوقف قليلاً، وينصت لما لم يقل من قبل.
وعن «رأس بيروت» قال: رأس بيروت بالنسبة لي ليس مجرد حي أو مكان، بل حالة ووعي. كنت أكتب عن الناس والأماكن والذكريات، وكل زاوية فيها تحمل قصة عن المدينة وعن الناس الذين عاشوا فيها. وعن «وردة الأفق» صرّح: هذه الرواية هي تأمل في جمال الأشياء الصغيرة، في الأشياء العابرة التي قد نغفل عنها. أردت للقارئ أن يرى الأفق كما أراه، بعيون تتأمل ولا تتسرع. وعن «امرأة غامضة» قال: كتابي هذا هو محاولة للتقرب من الغموض الذي نحمله داخلنا جميعًا، عن المرأة كرمز للغموض والحياة، والبحث الدائم عن الفهم والتواصل مع الذات والآخر.
وعن قصصه القصيرة، قال:
القصص القصيرة تشبه لمحة من الضوء في غرفة مظلمة، لحظة قصيرة، لكنها تكفي لتغيير كل اتجاه تفكيرك، لتذكيرك بما يعنيه أن تكون حيًا وتشعر، كما عبّر عن فلسفته العامة في الكتابة: أنا لا أكتب لأكون مشهورًا، ولا لأفرض رأيي، أنا أكتب لأن الكتابة تعني لي الحياة، والنصوص هي الطريقة التي أرى بها العالم وأتعامل معه. لكن ما ميزه أكثر من مجرد الرواية والقصة هو روحه النقدية. لم يكتب يومًا عن كتاب لم يحبه بشكل سطحي أو سلبي، ولم ينقد إلا ما استحق النقد، مؤمنًا بأن النقد الأدبي فعل احترام، لا هدم. مقالاته النقدية كانت أشبه بأناشيد هادئة، تضيء النصوص بدلاً من أن تقتلها، وتكشف جمالها دون أن تتجاهل أخطاءها. كان يوازن بين الصراحة والود، بين التحليل والإنصاف، بين المعرفة والعاطفة، ليجعل القارئ يشعر بالصدق قبل أي حكم، ويستمتع بالنقد كفن لا كأداة إدانة في حياته العملية، حين شغل مواقع مسؤولية ثقافية كالرئاسة أو الأمانة التحريرية في صحف ومجلات عربية، ظل ملتزمًا بالمبادئ نفسها: نشر النصوص التي تفوح منها رائحة الأدب، التي تشجع على الحوار، وتخلق فضاءً للثقافة بعيدًا عن الصراع الشخصي أو السياسي، بعيدًا عن الصخب الفارغ أو التلاعب بالحقائق لم يسمح لأي نص غاضب بلا حق، أو أي شاتم بلا سبب، أو أي متعالٍ بالظهور على حساب الأدب والنبل. كان دائمًا يرفض أن تكون الثقافة ساحة صراع، ويجعلها مكانًا للمحبة، للتأمل، وللتأثير الصادق.
كتب ياسين رفاعية أيضًا عن الحب والجمال، عن الروح والعاطفة، وعن التراث والفروسية والشرف الاجتماعي، وعن الحارة والعائلة والمجتمع، كل ذلك بطريقة لم يكن فيها أي نص مجرد مديح أو استعراض، بل كانت كلمات تحمل موقفًا أخلاقيًا. أشار بوضوح إلى الانحدار حين تتجه القيم الإنسانية إلى الفوضى أو الشهوانية، إلى انحراف الأخلاق أو استبدال الشرف بالفضيلة المزيّفة، كل ذلك دون إطلاق أحكام جاهزة، بل بالكشف عن الحقيقة كما هي، بمنتهى النبل.
من هنا، تبدو كتبه مرآة لحياته وسلوكه. كل نصوصه، سواء كانت قصصًا، روايات، شعرًا، أو مقالات نقدية، تحمل عبق روحه، نبله، وحبه للحياة. حياته كانت
امتدادًا طبيعيًا لنصوصه، ونصوصه امتدادًا لحياته؛ شيء نادر جدًا في عالم الأدب، حيث غالبًا ما ينفصل النص عن صاحبه، وتخون السلوكيات ما تدّعيه الكلمات.
غياب ياسين رفاعية لم يكن مجرد خسارة اسم، بل خسارة حضور أخلاقي وفكري في المشهد الثقافي العربي. فقد كان مثالًا على أن الأدب موقف، والفكر مسؤولية، والجمال ضرورة، وأن الصمت النبيل أحيانًا أبلغ من الضجيج. رحل عن عالمنا، لكنه بقي في نصوصه، في تأثيره على القراء، وفي مرآة المجتمع الذي يعكس صدى حضوره، ويشهد على أصالته ووفائه للكتابة.
لقد علمنا ياسين رفاعية درسًا مهمًا: أن الكتابة لا تُقاس بعدد الكلمات أو بحجم الحشود، بالصدق الذي تحمله، بالمسؤولية التي تتحلى بها، وبالقدرة على جعل الأدب وسيلة للحياة لا هروبًا منها. رحل في صمت، لكنه ترك أثرًا باقيًا، ولن يُمحى أبدًا من ذاكرة الأدب والثقافة العربية.
خاتمة شخصية:
لا أزعم أني صديق للكاتب الكبير ياسين رفاعية، ولم ألتقه بحياتي، لكني تشرفت بأن كتب مقالًا عن روايتي قبل رحيله. كتب ذلك المقال في مجلة اليمامة السعودية، العدد الصادر في 7 أبريل 2016. هذه التجربة الصغيرة وحدها تعكس قدرة رفاعية على التقدير الصادق للكتّاب الآخرين، وعلى التعامل مع النصوص بعين ثاقبة وقلب مفتوح.
* كاتب سعودي