مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

عبدالعزيز قاسم* دعانا أحدُ أصدقاءِ الجامعة قبل أيّامٍ إلى مأدبةٍ بمناسبةِ فوزِ ف …

أربعون عامًا.. ولم نتخرّج بعد

منذ 4 ساعات

7

0

عبدالعزيز قاسم*

دعانا أحدُ أصدقاءِ الجامعة قبل أيّامٍ إلى مأدبةٍ بمناسبةِ فوزِ فريقه الأهلي ببطولةِ آسيا، فذهبتُ إليها وأنا أحسبُني ذاهبًا إلى عشاءٍ عابر، فإذا بي أدخلُ أربعين عامًا دفعةً واحدة.

كانت الطاولةُ عامرةً بما لذَّ وطاب، واللونُ الأخضرُ يُلوِّحُ من كلّ زاوية، كأنّ الملعبَ قد تسلَّل إلى المجلس وجلس معنا. بيد أنّ السحرَ الحقيقيَّ لم يكن في الأطباق، ولا في الشعار، ولا في أناقةِ الترتيب؛ بل في تلك الوجوهِ التي عرفناها قبل أن تُجرِّبَ الحياةُ أن تنحتَ فيها ما شاءت من خطوطٍ وتجاعيد.

ما إن تلاقينا حتى انخلعت عنّا الألقابُ كما تُخلَعُ المعاطفُ عند بابِ البيت، وعادت الوجوهُ إلى ما كانت عليه في عماراتِ السكن الجامعي؛ شبابٌ يضحكُ بلا حساب، ويُهرّجُ بلا وقار، ويُعاتبُ بلا ضغينة، ويختلفُ بلا قطيعة.
لم يَعُد بيننا مديرٌ ولا طبيبٌ ولا مشرفٌ تربويٌّ ولا تاجرٌ ولا أستاذُ جامعة؛ عاد الجميعُ طلابًا، يتهامسون قبل المحاضرة، ويتقاسمون الشايَ المدنيَّ، ويحتسون القهوةَ السعوديّةَ المُميَّزة، ويؤجّلون المذاكرةَ بضميرٍ مُطمئنّ، ثم يفاجَؤون آخرَ الليل بأنّ الامتحانَ لا يؤمنُ بالفلسفة، ولا يعرفُ من النيّاتِ الحَسَنةِ شيئًا.

يا أحبّة: الصديقُ القديمُ لا يحتاجُ منك إلى تعريفٍ بنفسك؛ فهو يحفظُ نُسختكَ الأولى قبل أن تخدشَها المناصب.
أعترفُ – وقد طوينا من العمر ما طوينا – أنّ المرحلةَ الجامعيّةَ ظلَّت ساكنةً في صدري كما تسكنُ المدنُ الأولى صدورَ الذين هاجروا منها ولم ينسوها. لم تكن فصلًا دراسيًّا يُطوى في سجلِّ الحياة ثمّ يُغلَق؛ بل وطنًا صغيرًا سكنّاه قبل أن يسكنَنا، فلمّا غادرناه بأقدامنا، أبَتْ قلوبُنا أن تغادرَ معه.
ولو طُلب منّي -اليوم- أن أعودَ إلى مرحلةٍ واحدةٍ من عمري، لاخترتُ المرحلة الجامعةَ بلا تردّد، ولاخترتُها مرّتين لو أُذِنَ لي؛ لا الطفولةَ التي لا تعرفُ من المسؤوليّةِ شيئًا، ولا زمنَ العمل الذي عرفها حتى صارت أثقلَ من الأكتاف.
الجامعةُ وحدَها جمعتْ في وعاءٍ واحدٍ ما ظنَنتُ – حينها – أنّه طبيعةُ العمر، فإذا هو في الحقيقةِ نِعمةٌ لا تتكرّر: خِفّةُ الشباب، وبدايةُ الوعي، وفورةُ الأحلام، وأوّلُ مذاقٍ للاستقلال، واعتناقُ المبادئِ الكبرى التي ظننتُ أنّي سأُغيّرُ بها وجهَ الأرض، وامتثالُ القيم التي رُمتُ بها حياةً مثاليّةً قبل أن أكتشفَ أنّ المثاليّاتِ صعبةُ المراس.
ولا أنسى ذلك الفقرَ الجميلَ الذي كان يجعلُ كوبَ الشاي مشروعًا عاطفيًّا تنعقدُ حولَه الشِّلَّة، ومُذكِّرةَ الزميل المنضبطِ مِنحةَ إنقاذٍ ثمينةٍ، نتداولُها بيننا قُبيلَ ساعةِ الاختبار كأنّها وصيّةٌ موروثةٌ لا تُردّ.

في تلك الأيام، لم تكن الصداقةُ تحتاجُ إلى سيرةٍ ذاتيّة، ولا إلى اختبار مصالح، ولا إلى لجانِ قبول. كان يكفي سؤالٌ بسيطٌ تطرحُه في صالة الجوّالة، أو ممرّ السكن، أو قاعةِ المحاضرات: «من أيِّ كلّيّةٍ أنت؟» ليبدأ منه عمرٌ كامل.

هناك تعلّمنا أنّ الصديق ليس نسخةً منك؛ فقد يكون أحدُهم هادئًا كصخرة، وآخرُ عاصفًا كطالبٍ خرج لتوِّه من محاضرةِ رياضيّات، بيد أنّ كليهما يُكمِلُ نقصَك، ويشدُّك إلى الأرض كلّما أوهمَك الشبابُ أنّك قادرٌ على الطيرانِ بلا أجنحة.

ولأنّ الذاكرةَ لا تعيشُ على الوقارِ وحده، فقد انبجست في تلك الليلةِ الخضراءِ طرائفُ كنّا نظنُّ الزمنَ قد دفنها.
تذكَّرنا مباراةً قديمةً في أيّامِ الجوّالة، يومَ مرّرتُ لصديقٍ نبيلٍ الكرةَ وجعلتُه مواجِهًا للمرمى المفتوح، فإذا بالبطل -كان أمهرنا- يسقطُ على وجهه سقوطًا يليقُ بمأساةٍ يونانيّةٍ، لا بمباراةٍ على مستوى جوّالاتِ المملكة.
لم تَخُنه المهارة – حاشا وكلّا – بل خانه خوفُه من صقيع صحراء نجد في عزّ الشتاء؛ فقد كان يرتدي ثلاثةَ بنطالاتٍ وخمسَ فنايل، حتى صار خزانةَ ملابسَ تمشي على قدمين! ضاعت البطولة، وربّما غضبنا يومها، غير أنّنا اليوم ضحكنا حتى كِدْنا نغفرُ للكرةِ والملعبِ والبردِ معًا.

باختصار: بعض الهزائم تُولد عثرةً في الشباب، ثم تتحول في أعمارنا هاته إلى ضحكةٍ أخوية صاخبة.
ثمّ، في هزيعِ المجلس، وبعد أن هدأت المُهاذرات قليلًا، أُلقي في بِركةِ الحوار سؤالٌ بدا بسيطًا، لكنّه كان في باطنه مُحاكمةً للعمر: ماذا خطّط كلٌّ منّا للسنواتِ العشر المُقبِلات؟
وهنا تغيّر صوتُ المجلس. لم يَعُد الكلامُ عن المُباريات القديمة ولا عن طرائف السكن؛ صار عن الصحّةِ التي لا تُعوَّض، وعن السكينة التي لا تُشترى، وعن القُربِ من الله، وبرِّ من بقي من الوالدين، وصلةِ الرحم، وأن يظلَّ المرءُ حاضرًا في حياةِ أحبّته، لا رقمًا صامتًا في مجموعةِ واتساب يُصفِّقُ بإصبعٍ بارد.
وجدتُني أُصغي إلى الرفاق كأنّ كلَّ واحدٍ منهم يقتطعُ قطعةً من تجربته ويضعُها أمامنا. لم نَعُد نطلبُ من الحياة أن تمنحَنا كلَّ شيء؛ صرنا نطلبُ منها أن تُبقيَ لنا ما يستحقُّ ألّا نفقدَه.

هنا فقط فهمتُ لماذا صارت هذه اللقاءاتُ ضرورةً لا ترفًا. فالإنسان حين يبلغُ هذا المُنعطفَ من العمر، لا يحتاجُ إلى حشودٍ من المعارف؛ بل إلى وجوهٍ قليلةٍ يعرفُ معها كيف يضحكُ بلا تفسير، وكيف يصمتُ بلا حرج، وكيف يعودُ إلى أوّلِ الطريق دون أن يعتذرَ عن تجاعيدِ النهاية.
وأنا أتأمّلُ صورتنا الجماعيّةَ الآن، سألتُ نفسي: ما الذي يجعلُ صداقةً تنجو من قسوةِ أربعين عامًا، ومن غدرِ المسافات، ومن إغراءِ البدائل، ومن ضوضاءِ الحياة؟
لم أجد جوابًا أصدقَ من جوابٍ واحدٍ: أنّها أُخوّةٌ عُقدت يومَ كنّا لا نملكُ شيئًا نُجاملُ به أحدًا؛ لا منصبًا يُغري، ولا مالًا يُشترى به الودّ، ولا واسطةً تُقدَّمُ على حسابِ الكرامة. كنّا نمتلكُ أرواحَنا فقط، فبذلناها لبعضنا بلا حساب، فبقيت بيننا بلا حساب.
خذوها منّي: الصداقاتُ التي تُولدُ في الجامعة لا تشيخ؛ لأنّها وُلدت في عمرٍ لم يكن قد تعلَّم بعدُ كيفَ يكذب.

في النهاية، لم نكن حول مائدةِ عشاءٍ، بل حول شاهدٍ نادرٍ على أنّنا عشنا أجملَ نُسَخِنا حين كنّا معًا. والأخ العتيق في هذا العمر ليس شخصًا من الماضي؛ إنّه الدليلُ الحيُّ على أنّ أجملَ ما فينا لم يمُتْ، بل ينتظرُ دعوةً صادقةً، وكرسيًّا فارغًا، وضحكةً تعرفُ طريقَها إلى البيت.

* إعلامي وكاتب صحفي

الكلمات المفتاحية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود