الأكثر مشاهدة

د.حسان فائز السراج* الألوان في العلاج بالفن ليست “زينة”، بل لغة عصبي …

الألوان.. ودورها في العلاج بالفن

منذ 45 دقيقة

6

0

د.حسان فائز السراج*

الألوان في العلاج بالفن ليست “زينة”، بل لغة عصبية وحسية يفهمها الدماغ قبل الكلام. 

نحن نرى اللون، ثم نشعر به جسديًا (كتسارع قلب، هدوء تنفس)، ثم نعطيه معنى المعالج.

إذ لا يفسر اللون نيابة عنك، بل يستخدمه كجسر آمن لتخرج ما يصعب قوله.

أولًا: لماذا يعمل اللون علاجيًا؟

العلاج باللون (chromotherapy) قديم، لكن علم النفس الحديث يؤكد أن الألوان تثير استجابات فسيولوجية ونفسية حقيقية… مثلًا الأحمر قد يزيد الاستثارة واليقظة، بينما الأزرق يبطئ نبض القلب ويشجع التأمل.. هذه الارتباطات ليست شخصية فقط، بل تتشكل من عوامل تطورية وثقافية وسياقية.

ففي جلسة العلاج يعمل اللون على ثلاثة مستويات:

1.  جسدي: ينشط الجهاز العصبي الودي (أحمر، برتقالي) أو يهدئه (أزرق، أخضر).

2.  رمزي: فنقول “أحمر من الغضب” و”أزرق حزين” و”أخضر من الحسد”— فاللغة نفسها تستخدم اللون…

3.  علائقي: الاختيار للون أمام المعالج رسالة غير لفظية…

ثانيًا: المعاني الشائعة:

هذه ليست قواميس ثابتة… اللون ذاتي وثقافي في الغرب.. بينما الأبيض يعني النقاء، وفي بعض الثقافات الآسيوية يعني الحداد.. لذلك المعالج يسأل دائمًا: “ماذا يعني اللون للمتدرب؟”

مع ذلك، الأبحاث السريرية تلاحظ تكرارات مفيدة:

•  الأحمر: طاقة، بقاء، غضب، شغف، وينشط الجهاز العصبي، وقد يرفع نبض القلب، فيكون محفزًا لكنه قد يكون مُربكًا لأصحاب الصدمات، ففي العلاج قد يرمز للحياة أو الغضب المكبوت.

•  الأزرق: هدوء، تأمل، تواصل، حيث يبطئ القلب ويساعد القلق وفرط التحفيز في الأنظمة الشمولية.

•  الأصفر: تفاؤل، وضوح ذهني.. حيث يرفع المزاج، لكنه بكثرة قد يزيد القلق، ويُستخدم لاستكشاف تقدير الذات والناقد الداخلي.

•  الأخضر: توازن، أمان، طبيعة، لون ترميمي يعطي احتواء، ويُستخدم كثيرًا في تخيل “المكان الآمن” ويرتبط بالنمو.

•  البنفسجي: حدس، خيال، بحث عن المعنى، ويساعد في العمل التأملي والتكامل.

•  البرتقالي: حيوية، إبداع، دفء.. ويحفز التحرر العاطفي ومفيد عند انسداد التعبير أو قضايا الحميمية، وغالبًا يوقظ ذكريات الطفولة.

•  الأبيض: بداية، صفاء. فقد يشعر بالأمان أو بالعكس بالبرود إذا كان المكان سريريًا جدًا.

•  الأسود: عمق، مجهول، حماية. فهو ليس “اكتئابًا” بالضرورة، بل قد يعني عمل الظل أو الانسحاب للحماية، ويحتاج سياقًا حذرًا.

ثالثًا: كيف يستخدم المعالج اللون عمليًا؟

1.  في تجهيز الغرفة: ألوان ترابية ناعمة أو أزرق باهت تخلق أمانًا، بينما الأحمر الصارخ أو الأبيض الشديد قد يسبب توترًا لبعض العملاء… فالاختيار مقصود وليس ديكورًا.

2.  ويستخدم اللون كأداة تعبير مباشر:

​○  “إعطاء الطفل ثلاثة ألوان تمثل أسبوعه”.

​○  رسم المشاعر بألوان فقط بلا أشكال.

​○  حجارة ملونة يختارها الطفل للتعبير عن مزاجه.

​○  تخيل موجه: “تخيل ضوء أخضر يملأ صدره”.

3.  لتنظيم الجهاز العصبي: دراسة على مواد فنية وجدت أن الباستيل الزيتي (ملون وملمسي) يسبب تنشيطًا وجدانيًا أكبر من القلم الرصاص، مع تغيرات في تقلب نبض القلب مرتبطة بالانفعال.. هذا يفسر لماذا نعطي شخصًا حاملًا ألوانًا دافئة ملمسية، وشخصًا مفرط الاستثارة ألوانًا باردة مائية…

رابعًا: الألوان حسب الحالات الخاصة

•  التوحد: كثيرون لديهم حساسية حسية. نبدأ بألوان غير لامعة وهادئة (أزرق مخضر، بيج)، ونتجنب الفلورسنت لاحقًا لنُدخل لونًا واحدًا قويًا كتحدٍ تدريجي.

•  ADHD: الأصفر والبرتقالي بجرعات صغيرة تزيد التركيز، لكن الخلفية يفضل أن تكون خضراء مريحة لتقليل التشتت.

•  الصدمة والقلق: نبدأ بالأخضر والأزرق لبناء الأمان، ونؤجل الأحمر حتى يصبح الجهاز العصبي مستعدًا.

•  الاكتئاب: إدخال تدريجي للأصفر والبرتقالي لتنشيط المزاج، مع احترام حاجة العميل للأسود أو الرمادي كتعبير مشروع عن الحزن.

•  ضعاف البصر/المكفوفين: نربط اللون بالحرارة والصوت (أحمر=دافئ، أزرق=بارد) كما في أبحاث العلاج متعدد الحواس.

•  عمى الألوان: نعمل بالقيمة (فاتح/غامق) والملمس بدل الاعتماد على التسمية.

خامسًا: أخطاء شائعة يجب تجنبها كمعالجين

1.  لا تفترض المعنى: أحمر لا يعني دائمًا غضبًا. 

2.  لا تفرض ثقافتك: الأبيض في السعودية يعني فرح، لكنه حداد في الصين.

3.  لا تستخدم لونًا محفزًا مع شخص في أزمة حادة (مثل أحمر قوي مع نوبة هلع).

4.  لا تحول الجلسة لدرس نظرية ألوان… الهدف هو التجربة، ليس المعلومة…

إذًا اللون في العلاج بالفن ليس وصفة، بل بوصلة، فالمعالج الجيد لا يقول “الأزرق يهدئك”، بل يقول “ماذا يفعل الأزرق بك اليوم؟” — ومن هنا يبدأ الشفاء…

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود