مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

 صالح الحسيني* المُتسلّق الذي مات قبل بلوغ القمّة بقليل (جورج مالوري)؛ أحد أشهر …

شغف الاكتشاف

منذ 4 ساعات

11

0

 صالح الحسيني*

المُتسلّق الذي مات قبل بلوغ القمّة بقليل (جورج مالوري)؛ أحد أشهر متسلّقي الجبال في التاريخ، وارتبط اسمه بقصة غامضة مع قمة جبل إفرست.
شارك في بعثات استكشاف إفرست في عشرينيات القرن الماضي؛ حين حاول في عام 1924 الوصول إلى القمة برفقة زميله أندرو إرفين. اختفيا الاثنان أثناء الصعود، ولم يُعرف يقينًا – حتى اليوم – هل وصلا إلى القمة أم لا.

في عام 1999 عُثر على جثة مالوري على الجبل، لكن دون دليل قاطع يثبت أنه بلغ القمة. لذلك بقي السؤال مفتوحًا: هل كان مالوري أول من صعد إفرست قبل هيلاري وتنزينغ (1953)؟

أهمية القصة:
بعدها تحوّل مالوري إلى رمز للمغامرة الإنسانية والسعي نحو المستحيل. قصتهُ تحضرُ كثيرًا في الأدب والفلسفة بوصفها مثالًا على:
شغف الاكتشاف.. تحدّي الموت.. سؤال المعنى مقابل الثمن! وأشهر ما نُسب إليه حين سُئل: لماذا تريد صعود إفرست؟ فقال: «لأنه موجود».

“قرب القمة المتسلق يختنق ببطء، يهاجمهُ إحساسٌ بأن الهواء “لا يكفي”. الأكسجين يقل بسرعة، درجة الحرارة تنخفض إلى 40 وقد تصل إلى 60 أو 70 تحت الصفر.. هناك كل خطوة تصبح معركة، كل نظرة صوب الأفق غُربة، الوقوف يجعل الصاعد يلهث بقوة. بعض المتسلقين يصفون الأمر كأنك “تتنفس ولا ترتوي من النفس”. في القمة البرد ليس مجرد برد عادي، قد تتجمد في لحظة.. يتوقف الدم في العروق.. تنتهي بك الحياة.. يبقى فمك متيبساً، وأهدابك تغطيها ندف الثلج.. كل شيء جليد ساحق، يواجه الإنسان. الرياح.. كأن الجبل يحاول طردك، رياح عنيفة تأتي من كل اتجاه.. تقترب من الأعاصير، تضرب الوجه والنظارات والقناع والبدن، تشعر بأنك قد تُدفع من الحافة. الصوت نفسه مرعب.. صفير مستمر، ضغط عظيم على الجسد، كما يخيمان الصمت والعزلة -رغم وجود متسلقين أحياناً- شعور غريب بالابتعاد.. لا أشجار.. لا طيور.. لا صوت.. لا حياة. فقط ثلوج في كل مكان.. وعلى مد البصر.. صخور بيضاء ضخمة، سماء داكنة بشكل غير مألوف، وأنفاس متقطعة داخل قناع؛ في “منطقة الموت” فوق 8000 متر” واجه مالوري كل ذلك!

هذه قراءة أدبية فلسفية لقصة مالوري وقمة إفرست، تتجاوز السرد التاريخي إلى تفكيك المعنى الإنساني العميق الكامن فيها، بوصفها نصًا مفتوحًا لا واقعة مغلقة.
– القصة بوصفها سردية إنسانية مفتوحة، القصة ليست حكاية صعود جبل فحسب، بل سردية ناقصة عمداً؛ نقصها هو سرّ قوتها. لأن لا إجابة عن سؤالها المركزي!

في الأدب.. الأسطورة لا تقوم على اكتمال الحدث، بل على تعليقه.. فمالوري يختفي قبل الخاتمة، تاركًا القارئ في منطقة بين الحياة والموت، بين النجاح والفشل، بين البطولة والعبث. هذه المنطقة الرمادية هي أكثر المناطق ثراءً دلاليًا.
– الجبل رمزًا أدبيًا
الجبل = المطلق
في المخيال الإنساني، الجبل ليس تضاريس، بل رمز عمودي:
العلو مقابل السفل.. الصفاء مقابل الكثافة.. الاقتراب من السماء مقابل الارتهان للأرض.

إفرست هنا ليس جبلًا بعينه، بل صورة للمطلق: الغاية التي لا تُمسّ إلا بثمن الوجود ذاته.
الصعود = حركة ضد الطبيعة.
أدبيًا، الصعود فعل تمرّد: الجسد خُلق أفقيًا، ومالوري أراده عموديًا، النفسُ خُلقت للبقاء، وهو اختار المجازفة.
لهذا يصبح الصعود فعل كتابة بالجسد، كل خطوة فيه جملة وجودية تقول: أنا أختار حتى إن كان الاختيار موتاً.
– «لأنه موجود» — العبارة التي تختصر الفلسفة كلها؛ ربما تعتبر هذه العبارة القصيرة من أكثر الجمل كثافة في تاريخ المغامرة الإنسانية. من منظور وجودي لا يبحث مالوري عن معنىً جاهز. لا ينتظر وعدًا بالخلاص؛ هو يبتكر المعنى بالفعل ذاته، الصعود ليس وسيلة لغاية، بل غاية في ذاته.

الغياب بوصفه اكتمالًا سرديًا:
العثور على جثة مالوري عام 1999 لم يُنهِ القصة، بل عمّقها.

الجثة كعلامة:
في الأدب: الجثة ليست نهاية، بل بداية تأويل. الجسد المتجمّد على السفح الأعلى صار نصًا صامتًا. عدم العثور على الكاميرا، أو صورة القمة، أبقى القصة في حالة تعليق وجودي: النجاح غير مثبت، الفشل غير مؤكد، والموت هو اليقين الوحيد.
المفارقة الكبرى: لو ثبت أنه وصل القمة لتقرر أمران: لانتهت الأسطورة، وتحوّل إلى رقم في سجل الإنجازات؛ لكن غيابه جعله أكبر من الإنجاز نفسه. هنا نوازن البطولة الحديثة مقابل البطولة الكلاسيكية، البطل الكلاسيكي: يعود منتصرًا، يُكافأ، يُخلّد بالفعل المكتمل. مالوري: بطل العصر الحديث: لا يعود، لا نعرف إن انتصر، لكنهُ يُخلّد بالمحاولة.
سؤال الأخلاق: شجاعة أم تهوّر؟
فلسفيًا، تطرح القصة سؤالًا أخلاقيًا حادًا: هل كان مالوري شجاعًا أم أنانيًا؟
هل التضحية بالحياة لأجل «تحدٍ» مبرّرة؟
الإجابة الأدبية لا تُصدر حكمًا، بل تقول: الإنسان ليس كائن أمان، بل كائن معنى.. وبعض المعاني لا تُولد إلا على حافة الفناء.

– مالوري بوصفه استعارة كبرى
في القراءة النهائية، مالوري ليس شخصًا، بل استعارة:
لكل مشروع نعلم أنه قد لا يكتمل. لكل حلم نطارده رغم هشاشتنا.. لكلِ سؤالٍ لا نملك له جوابًا، لكننا نصرّ على طرحه.
إفرست ليس الجبل، والقمة ليست الهدف، والصعود ليس الرحلة. الإنسان هو النص الحقيقي.

خاتمة: لماذا بقيت القصة حيّة؟ لأنها تقول لنا بصوت خافت: ليس المهم أن تصل.. 
بل أن يكون لديك ما يستحق أن تصعد من أجله.
لهذا، بعد قرنٍ من الزمان، ما زال (مالوري) واقفًا هناك، ليس على القمة، بل في ضمير السؤال الإنساني.

* كاتب سعودي

الكلمات المفتاحية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود