الأكثر مشاهدة

فاطمة الشريف* بمناسبة اليوم العالمي للاجئين 20 يونيو في شهر الله المحرم للعام ال …

حكايات وتواريخ.. في الذاكرة العربية

منذ 4 ساعات

8

0

فاطمة الشريف*

بمناسبة اليوم العالمي للاجئين 20 يونيو في شهر الله المحرم للعام الهجري 1448هـ

مع إطلالة عام هجريٍ جديد، تتجدد الذكريات، ويُستعاد التاريخ، ففي قصص الهجرة الكثير من الدروس والعِبر، وبين مفردات التهجير والشتات شعوبٌ وأحداثٌ، ومعاركُ ومؤامرات.

تمر لحظات الانتظار بتصفح الهاتف المحمول، أو استكمال قراءة كتاب، أو استرجاع الذكريات التي غالبًا ما تأتي في صورٍ وأصواتٍ تستدعيها الذاكرة، مع تأمل وملاحظة ما حولك، يتداخل ذلك مع تفاصيل المكان وخطوط الزمان محدث لحظة وعي عميقة، كل ما علينا أن نستجمع تلك اللحظة، ونطلق فيها عنان الفضول واستكمال المعرفة، على كرسي الانتظار هكذا بدت لحظاته تنقضي؛ لبدء الجولة الإرشادية لمعرضٍ عن القضية الفلسطينية في متحف الشعب الفلسطيني.

بدأت أتأمل المكان الذي يتكون من صالةٍ واحدةٍ مقسمةٍ إلى قسمين فقط؛ صغيرٌ في حجمه، كبيرٌ في معناه. ويمكن تصنيفه بأنه أحد المتاحف الخاصة متناهية الصغر في أحد أحياء مدينة واشنطن العاصمة الأمريكية. ويعتمد في استمراريته على الدعم والتمويل التطوعي، إذ بدأ بفكرةً المعارض المتنقلة قبل أن يستقر في شارع 18. ويكتنز المبنى في طوابقه السفلية مكتبةً متخصصة بتاريخ وثقافة دول العالم وشعوبها، إلى جانب متجرٍ للحلويات والشوكولاتة.

ويهدف المتحف إلى التعريف بالتراث الفلسطيني وحفظ الذاكرة الثقافية والتاريخية للقضية الفلسطينية لدى شعوب المنطقة، وتُعـد واشنطن من أكثر مدن العالم تنوعًا عرقيًا وثقافيًا، إذ تحتضن جماعاتٍ تنتمي إلى خلـفياتٍ ثـقـافيةٍ متعددة، مما يجعلها بالفعل بوتقةً للثقافات والأعراق المختلفة، ويجعل من هذه المتاحف والمعارض جسورًا ثقافيةً للتثاقف والاندماج.

في تلك اللحظات تذكرت وصفًا دقيقًا سمعته من سيدة أمريكية عاشت فترةً في القدس، حين وصفت الـمدينة بأنها ساحرة؛ ويافعةٌ يتهافت الكثيرون على الاقتران بها، تعتلي هضبةً من جبال الضفة الغربية، وتمتد شرقًا نحو الـغور والأوديـة بينما يكتسي غربها بالخضرة ويمتد البصر نحو زرقة البحر. وفي تلك المساحة من المكان والزمان، تقاطع التاريخ والذاكرة والهوية، موقظًا القيم الإنسانية التي غابت في دياجير الظلم والظلام.

وما هي إلا عشر دقائق حتى ظهر أمامي فارس، شابٌ فلسطيني الأصل، من مواليد الشتات في واشنطن، ليسرد لنا بصوتٍ فلسطيني رخيم قصة فلسطين بلهجةٍ أمريكية تمتزج ببلاغة التعبير العربي وعمقه. ورغم تواضع المعروضات فإن سردياتها اختزلت تاريخ الهجرة والتهجير برمزيةٍ عالية وتعبيرٍ جاد، جعلني أقف أمام صراعٍ إنساني طال أمده وقضيةٍ شعبية تشابكت سياقاتها.

ما لفت انتباهي في المعرض لم يكن التاريخ وحده هو المتحدث، ولم تكن درامية الأحداث هي المسيطرة، بل طريقة السرد و انتقاء المعروضات التي بهما تجلت الذاكرة الثقافية بحضور الإنسان الفلسطيني؛ فالصورة، والتطريز والكتاب والوثيقة، والخارطة، وبعض الأدوات مثل: المفاتيح والعملات المعدنية والكوفية والطربوش وجواز السفر ليست مجرد عناصر تراثية، بل أدوات لحفظ قصة شعب وعلاقته بالمكان والزمان.

كان المعرض مقسمًا إلى جداريات. عكس الجدار الأول الاعتزاز بالتراث الفلسطيني من خلال شخصياتٍ فلسطينية كان لها بصمةٌ وحضورٌ دولي في الأدب والثقافة، أمثال محمود درويش وإدوارد سعيد، ثم بالمرأة الفلسطينية وقدرتها على الاحتفاظ بالتراث واهتمامها بالزي الفلسطيني المعروف بتنوع تطريزه وألوانه وتصاميمه، في ثلاثة عشر زيًّا نسائيًّا حُفظت في وثيقةٍ جغرافيةٍ من مركز التراث الفلسطيني في بيت لحم. وجاءت معروضات هذا القسم دعوةً محفزةً إلى أهمية القوة الناعمة في الحفاظ على الهوية والتاريخ.

 تلا ذلك جدار خاص بتاريخ فلسطين وتحولاتها، حيث أشار إلى أن اسم “فلسطين” أو “فيلستين” ورد في عدد من المصادر التاريخية القديمة، ووُثّقت منذ أواخر العصر البرونزي قبل نحو 3200 عام (حوالي 1300 قبل الميلاد) للإشارة إلى المنطقة الجغرافية الواقعة بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن، ويعرض هذا القسم فكرة أن فلسطين أرضٌ وشعوب عاشت بسلام وحرية إباء، وذاكرة تاريخية ممتدة عبر قرون، ويستند إلى مراجع أجنبية في توثيق هذا التاريخ. وقد كان السرد التاريخي في هذا القسم الأكثر إثارةً للألم والتساؤل، أعقبه بحثٌ دقيقٌ في محاولةٍ لتطييب الخاطر وتضميد الجراح. وعلى ذلك الجدار برزت بعض ملامح جذور القضية الفلسطينية، بما تحمله من سياقاتٍ استعمارية واستشراقية وصراعاتٍ على الهيمنة والسيطرة عبر التاريخ.

توقفت أمام خريطةٍ تاريخية بعنوان (The Land of the Bible)، ترسم جغرافية المشرق كما ظهرت في المخيال الغربي الديني والتاريخي، حيث تتداخل أسماء المدن والطرق القديمة تحت اسم (Levant States)، وهو الاسم المتداول للتعريف بأرض الشام لدى الغربيين، لتدرك حقيقة أن كل حرب يعقبها سلبٌ ونهب. ويختصر هذا الركن بخرائطه ومطبوعاته المتنوعة بعض خيوط المؤامرة على فلسطين وتفتيت شعبها عبر مراحل عدة بدأت منذ عام 1885، عندما استثمر البارون اليهودي الثري إدموند روتشيلد في ثلاثين مستعمرة يهودية، أعقبتها موجات الهجرة والاستيطان اليهودي عبر عمليات استئجار الأراضي وشرائها، وفق مبدئين: تهويد الأرض، أي إخلاؤها من الفلسطينيين، وتمكين العمل اليهودي، مع التوسع في تأسيس المستوطنات وتوفير الحراسات الخاصة لها في مناطق من السهل الساحلي بالقرب مما يُعرف اليوم بتل أبيب.

تلا تلك الموجات نشاطٌ مكثف في التأليف والنشر لدعم التأسيس الرسمي للحركة الصهيونية العالمية، وإثارة القومية العرقية والسعي إلى تحفيز يهود العالم على تكثيف الهجرة إلى فلسطين على يد تيودور هرتزل عام 1897. ومنذ ذلك الوقت، عاشت القضية الفلسطينية محطاتٍ مفصليةً في سجل التاريخ الحديث لا ينبغي نسيانها، ويمكن إيجازها في الآتي:

  • الانتداب البريطاني ووعد بلفور عام 1917 الداعي إلى إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.
  • تحولات سياسية وديموغرافية كبرى خلال الفترة (1917–1948).
  • قرار الأمم المتحدة بشأن تقسيم فلسطين عام 1947، ثم حرب النكبة عام 1948 وما نتج عنها من تهجير ونزوح واسع للفلسطينيين.
  • حرب النكسة عام 1967 واحتلال إسرائيل للضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة.
  • الانتفاضات الفلسطينية والحروب المتتالية والمقاومة المستمرة حتى عام 2023، في ظل استمرار الاحتلال والنزاع، والمساعي الدولية للاعتراف بالقدس الشرقية عاصمةً لفلسطين.
  • استمرار سياسات التهجير والنزوح والصراع إلى يومنا هذا.

تواريخ ومحطات مهمة في التاريخ الفلسطيني ارتبطت بذاكرة المعرض ورموزه، التي جاءت رسائلَ ثقافيةً تتناقلها الأجيال المتعاقبة وشعوبٌ أخرى، شاهدةً على حق الشعب الفلسطيني في العيش بكرامة على أرضه. ومن أبرز تلك الرموز الطربوش (جيجيب)، وهو قبعةٌ بلا حافة، بلونٍ بورغندي، مصنوعةٌ من اللباد، كان يرتديها الرجال مع ملابس تتكون من سروالٍ طويل وسترة. ويوثق هذا الزي أن فلسطين كانت جزءًا من الفضاء العثماني العربي الإسلامي، وقد تلاشى تدريجيًا مع انهيار الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى (1922)، بينما استمر ارتداء الثوب والعمامة والكوفية (الغترة). ومع تطورات الصراع الفلسطيني، أصبحت الكوفية الفلسطينية، وهي وشاحٌ أبيض وأسود، رمزًا للمقاومة والتضامن مع القضية الفلسطينية، وتجاوز حضورها حدود المكان لتغدو إحدى أبرز العلامات البصرية الدالة على الهوية الفلسطينية في العالم.

ومن أكثر المعروضات تأثيرًا قطعةٌ صخرية تحمل بقايا دم، جسدت كيف يمكن للأشياء الصغيرة أن تحمل سردياتٍ إنسانيةً كبرى تتجاوز حدود المكان والزمان. وقد ارتبطت هذه القطعة بحادثة مقتل الطفل محمد الدرة عام 2000 فعُرضت شاهدًا على واحدة من أكثر القصص رسوخًا في الذاكرة الإعلامية المعاصرة. وقد التقط مشاهد الحادثة المصور التلفزيوني الفلسطيني طلال أبو رحمة، فيما بُث التقرير التلفزيوني عبر قناة France 2 الفرنسية على يد مراسلها شارل أندرلان، فشكّلت تلك الحادثة رمزًا بصريًا ارتبط بذاكرة الانتفاضة الفلسطينية الثانية في الوعي العالمي.

وفي جدار خاص بالفن التشكيلي والتصوير الفوتوغرافي العديد من الأعمال المميزة التي تحمل رسائل ومعاني قيمة أكثر من كونها أعمالًا تستعرض المهارة الفنية أو الموهبة التشكيلية، فمن الأعمال الفنية اللافتة عملٌ بعنوان (Endless Circles) للفنان يزن أبو سلامة، نُفذ بتقنية الحبر مع الخدش والتظليل الخطي، واستُلهم من واقع الحياة في بيت لحم تحت تأثير جدار الفصل العنصري الإسرائيلي، وحواجز الطرق الخرسانية، وأبراج المراقبة، ونقاط التفتيش. فجاء العمل راصدًا للتحولات العمرانية وانحسار الصلة بالطبيعة والمساحات المفتوحة وسوداوية واقع الحصار. ويظهر في اللوحة طفلٌ يقف أمام نافذةٍ تطل على مشهدٍ مغاير، بينما تحيط به عناصر بصرية تجسد القيود والحواجز التي تكبل الحياة الفلسطينية. وقد شكّل التباين بين الألوان المحدودة داخل النافذة والدرجات الرمادية الطاغية على بقية اللوحة رمزًا للأمل والتطلع إلى الحرية في مقابل واقع الحصار والقيود، فجاء حضور الطفل تجسيدًا لحلم التحرير وعودة فلسطين.

ومن الأعمال التي استوقفتني لوحةٌ (حنظلة) التي ابتكرها رسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي، وجعل منها رمزًا لمعاناة اللاجئين الفلسطينيين وتمسكهم بحق العودة والحرية وتقرير المصير. وقد ظهر حنظلة لأول مرة عام 1969، ثم أدار ظهره للمشاهد وعقد يديه خلف ظهره منذ عام 1973، ليصبح شاهدًا صامتًا على ما يمر به الشعب الفلسطيني من أحداث وتحولات. ويجسد حنظلة طفلًا في العاشرة من عمره، سيبقى كذلك حتى يعود إلى فلسطين، وعندها فقط يبدأ في النمو. وفي اللوحة يظهر ثلاثة أطفال يقفون على هيئة حنظلة، بأيديهم المعقودة خلف ظهورهم، في مشهد يجمع بين دلالات التحدي والاحتجاج من جهة، والاستحضار الرمزي لمعاناة الأطفال الفلسطينيين من جهة أخرى. وقد نجح الفنان في توظيف هذه الشخصية الأيقونية لتأكيد حضور القضية الفلسطينية في الذاكرة الجمعية، حيث تجاوز حنظلة حدود الرسم الكاريكاتيري ليصبح رمزًا بصريًا حاضرًا في الجداريات وفنون الشارع والمخيمات الفلسطينية، وشاهدًا على استمرار النضال من أجل الحرية والعدالة.

ومن الأعمال الفنية التي لفتت انتباهي لوحة (يوم عادي) للفنان أحمد حميدات (2018)، والتي تصور رجلًا فلسطينيًا مسترخيًا يدخن الشيشة في مشهدٍ يبدو عاديًا للوهلة الأولى. غير أن الفنان يوظف روح الدعابة والخيال لرسم تصورٍ للمستقبل، حيث تظهر في الخلفية بقايا نقطة تفتيش إسرائيلية تتآكل تدريجيًا وتتحول إلى أثرٍ من الماضي. ومن خلال هذا المشهد، يشارك حميدات رؤيةً لفلسطين يصبح فيها الاحتلال الإسرائيلي ذكرى بعيدة، وتغدو آثاره مجرد معالم تروي قصة الاحتلال وما ارتبط به من معاناة.

كما ضم المعرض الكثير من اللوحات والصور والمجسمات تتعكس تجارب الفن التشكيلي الفلسطيني، الذي صوّر الفلسطيني لاجئًا ومناضلًا ومظلومًا ومتألمًا ومقهورًا وساخرًا يعيش تحت أنقاض الاحتلال وقيود الحركة، إذ يرى في الفن وسيلةً لتبسيط تعقيدات الواقع الفلسطيني وتقديمها في صورةٍ بصرية يمكن للجميع فهمها والتفاعل معها. وهكذا تجمع الأعمال بين النقد السياسي والأمل في المستقبل كل حسب تجربته الشخصية.  

ختامًا: على الرغم من بساطة المعرض وتواضع المتحف، لكنه نجح في تسليط الضوء على القضية الفلسطينية عبر سرديات التاريخ والأدب وألوان الفن التشكيلي وتمثيلات السينما والموسيقى باعتبار كل ذلك فضاء مركزي للتعبير عن الهوية والذاكرة، كما نجح في إعادة بناء السردية الفلسطينية داخل السياق الشعبي والعالمي، بل كان لتفاعل الزوار وحواراتهم مع تساؤلاتهم وسيطًا معرفيًا؛ لنقل التجربة المحلية إلى الذاكرة الجمعية والوعي الدولي، مذكّرًا أجيال الأمة الإسلامية والعربية بأهمية الدعاء لهم، وتقدير جهود ولاة أمر المسلمين والقادة العرب في الدفاع عن القضية الفلسطينية ودعمها المستمر. 

 صور من المعروضات بعدستي 

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود