الأكثر مشاهدة

د. عصام عسيري* يُعتبر الفيلسوف الفرنسي قاستون باشلار من أبرز المفكرين المعاصرين …

ظاهراتية عناصر الحياة.. في التشكيل السعودي

منذ 3 أسابيع

16

0

د. عصام عسيري*

يُعتبر الفيلسوف الفرنسي قاستون باشلار من أبرز المفكرين المعاصرين الذين درسوا علاقة الإنسان بالعناصر الطبيعية الكبرى (الماء، الهواء، التراب والنار)، ليس بوصفها مواد فيزيائية فحسب، بل بوصفها مصادر للخيال والصور والأحلام في الأدب الأوروبي. وقد التقت أفكاره مع المنهج الظاهراتي “الفينومينولوجي” الذي يهتم بدراسة الظواهر كما تُعاش وتُدرك في الوعي الإنساني قبل تفسيرها علمياً أو تاريخياً.
ومن هذا المنظور لا ينظر الفنان إلى عناصر الحياة الأربعة باعتبارها موضوعات للرسم فقط، بل باعتبارها ظواهر بصرية وحسية تحمل خبرات شعورية ووجودية. فالظاهراتية تسأل: كيف يظهر العنصر في تجربة الفنان والمتلقي؟ وكيف يتحول إلى شعور بالصمت أو الحركة أو الامتداد أو الدفء؟ وهنا تصبح اللوحة الفنية مجالاً لتجربة معيشة أكثر من كونها تمثيلاً للطبيعة.
في الحركة التشكيلية السعودية يتصدر تراب الأرض المشهد بوصفهما ظاهرة بصرية مرتبطة بالهوية والمكان. فالصحراء والجبال والعمارة الطينية لا تظهر كمناظر طبيعية فقط، بل كتجربة شعورية تستحضر الذاكرة والانتماء والاستقرار. وفي أعمال الرواد مثل: عبدالحليم رضوي، محمد السليم، عبدالجبار اليحيا ومن تلاهم تتحول الأرض إلى حضور بصري كثيف يعكس علاقة الإنسان السعودي بمحيطه الجغرافي والثقافي، كما رسم محمد الشهري الأرض بلون ذهبي.
أما الهواء فيتجلى ظاهراتياً من خلال الإحساس بالفراغ والامتداد والأفق المفتوح. فالفضاءات الواسعة التي تميز البيئة الصحراوية السعودية منحت كثيراً من الفنانين حساً بصرياً قائماً على الانطلاق والحرية. ويظهر ذلك بوضوح في التجارب التجريدية والحروفية التي تتعامل مع الفراغ والاتساع والأفق باعتباره عنصراً فاعلاً لا مجرد مساحة خالية كما في أعمال خالد الفيصل ومحمد السليم.
ويحضر عنصر النار من خلال الضوء والحرارة والطاقة اللونية. فالشمس القوية وألوان الرمال المتوهجة والغروب الصحراوي تمنح الفنان تجربة بصرية خاصة، تتحول داخل اللوحة إلى توترات لونية وإيقاعات تعبيرية تعكس الحركة والتحول والقوة الداخلية. هنا لا تُرى النار مباشرة، بل تُستشعر عبر أثرها البصري والنفسي، كما برع في جمالياتها أعمال سمير الدهام.
أما الماء فيظهر بوصفه ظاهرة للتأمل والانعكاس والذاكرة. ففي الأعمال المستلهمة من البحر الأحمر كلوحات طه صبان أو سواحل الخليج يصبح الماء فضاءً بصرياً يحمل معاني العمق والحنين والتجدد. وهو ما يتوافق مع رؤية باشلار للماء باعتباره مادة الأحلام والذكريات.
ومن خلال الجمع بين فلسفة باشلار والمنهج الظاهراتي يمكن قراءة وتحليل ونقد الفن السعودي بوصفه تجربة إدراكية للعناصر الطبيعية قبل أن يكون تصويراً لها. فالفنان السعودي لا يرسم الصحراء أو البحر أو السماء والشمس كما يراها فقط، بل كما يعيشها ويختبرها وجدانياً. هكذا تتحول العناصر الأربعة إلى ظواهر بصرية تشكل لغة الفن السعودي عبر أجياله المختلفة، وتكشف العلاقة العميقة بين الإنسان والمكان والخيال.
جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود