6
0
21
0
7
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13772
0
13608
0
12428
0
12230
0
9751
0

إيناس محمد عتمان*
استناداً إلى النشر الرقمي الموثق عبر الحساب الرسمي لنادي القصة السعودي على منصة “فيسبوك”، بتاريخ الحادي والعشرين من شهر يوليو لعام ألفين وستة وعشرين للميلاد، يتبدى نص “برعم” للقاص السعودي حسن علي البطران كبنية ميكروسردية مكثفة؛ تختزل صراعات الوجود البشري وتجلياته المعاصرة في ومضة خاطفة لا تتجاوز بضعة أسطر، لكنها تفتح آفاقًا تأويلية لا متناهية تعيد قراءة علاقة الإنسان بالأرض والنسل والمصير المشترك.
وتتأسس القصة على بنية دائرية مفارقة؛ تبدأ بفعل تدميري وتنتهي بولادة مشوهة مرعبة، لتعكس بوضوح أزمة الوجود المعاصر ومآلات الفعل الإنساني العبثي في بيئته ومجتمعه.
يفتتح البطران نصه بجملة صادمة وحاسمة: “حرق الأرض”؛ ليمثل هذا الفعل ذروة التعدي البشري على مصدر الحياة والخصوبة. فالإحراق هنا ليس مجرد تدمير مادي للتربة، بل هو رمز لسياسات الإبادة البيئية والحروب والصراعات التي يشنها الإنسان المعاصر مدفوعاً برغبات التملك والهيمنة، فتتحول الأرض من مستودع للخير والأمومة إلى مسرح للرماد والموت. وفي هذا الإسقاط المباشر على واقعنا العالمي، نجد تجسيداً صارخاً لجرائم الرأسمالية المتوحشة والصراعات الجيوسياسية التي تحرق الأخضر واليابس، وتترك الكوكب يئن تحت وطأة التلوث والدمار، مستبدلةً التنمية المستدامة بركام متفحم من الطمع البشري.
وتظهر المفارقة المذهلة في الشق الثاني من العبارة: “ونبت برعم حولها”؛ وهنا يبرز الوعي السيميائي الحاذق لدى الكاتب، حيث يرفض الاستسلام الكلي لجمالية الموت. فالطبيعة تملك آلية دفاعية كامنة وقدرة ذاتية على الانبعاث من وسط الرماد، والبرعم هو رمز المقاومة الكونية والبعث والحياة التي تنبثق رغماً عن إرادة المحرق. لكن هذا البعث يظل مطوقاً ومحاصراً بالمحيط المتفحم؛ فالبرعم نبت “حولها” وليس في “قلبها”، مما يشير إلى أن الحياة الجديدة تنمو على حواف الكارثة، محاولةً التشبث بالوجود في بيئة معادية تماماً، وهو ما يشبه حركات المقاومة الإنسانية والوعي البيئي والشبابي المعاصر الذي يحاول ترميم ما أفسدته الأجيال السابقة.
تنقل القصة سريعاً نحو البعد الإنساني الفردي والجمعي عبر جملة: “وأكل هو من ثمرة الحنظل”؛ ليعود الضمير المنفصل (هو) ليركز الضوء السردي على الفاعل الحقيقي والجاني الأصلي. فالإنسان الذي أحرق أرضه بيده يجد نفسه مضطراً ليتغذى على نتاج فعله المدمر، والحنظل -بنباته المر وشديد السواد- يمثل الثمرة الطبيعية لغرس العنف والخراب. ويشير هذا المفصل السردي إلى حتمية العقاب الوجودي؛ فكل قرار جائر يتخذه الإنسان في واقعه المعاصر -سواء كان قراراً سياسياً أم بيئياً أم اقتصادياً- سيعود إليه بالمرارة والألم. فالأزمات الاقتصادية الخانقة والأوبئة والتغيرات المناخية الشديدة التي نشهدها اليوم ليست سوى ثمار حنظل يتجرعها الإنسان الحديث نتيجةً لإحراقه المستمر لتوازن الطبيعة والقيم الإنسانية.
تصل الومضة القصصية إلى ذروتها الصادمة والملفتة في نهايتها: “وأنجبت زوجته عدداً من الصبيان”؛ لتكتمل هنا دائرة العقاب والتناسل الوجودي. فالصبيان في الموروث العربي التقليدي يمثلون العزوة والقوة والسند، لكن سياق النص المحاط بالحرق والحنظل يقلب هذه الدلالة الإيجابية رأساً على عقب، ليتحول النسل إلى عبء مخيف وإعادة إنتاج للأزمة؛ فمن يتغذى على الحنظل لا يمكن أن ينجب جيلاً سوياً، بل سينجب امتداداً لمرارته وخرابه.
يحمل هذا الختام إسقاطاً دقيقاً على الواقع السكاني والاجتماعي المعاصر، حيث تتحول الكثافة السكانية غير الواعية والنمو الديموغرافي المتزايد في بيئات محترقة اقتصادياً وفكرياً إلى وقود جديد للأزمات؛ فالصبيان هنا يمثلون الأجيال القادمة التي تولد في بيئة مشوهة وتنشأ على قيم العنف والندرة، وتضطر لإعادة إنتاج حرق الأرض ذاته في حلقة مفرغة من المعاناة الإنسانية.
تمتاز هذه القصة بجمالية البناء الميكروسردي الذي يتجنب الحشو الإنشائي، ويعتمد على تكثيف الدلالة وحركية الأفعال المتعاقبة: (حرق – نبت – أكل – أنجبت)؛ حيث يصنع الكاتب من هذه الأفعال المتعاقبة دراما كونية متكاملة الأركان تلخص تاريخ البشرية وصراعاتها مع الطبيعة ومع الذات. وينجح البطران -من خلال هذا النص المنشور في نادي القصة السعودي- في تقديم مرآة كاشفة لعيوب العصر ومخاوف المستقبل، مبيناً أن النجاة لا تكمن في مواصلة التدمير والتناسل العشوائي، بل في التصالح مع الأرض وحمايتها قبل أن يتحول الوجود كله إلى حنظل لا يمكن استساغته.
*كاتبة من مصر