الأكثر مشاهدة

بقلم: د.عائشة العتيق ما الذي يمنح العمل الأدبي ماهيته وهويته؟ هل هو مدى امتثاله …

“القادمون: توثيق فكري في عباءة روائية”

منذ 7 ساعات

10

0

بقلم: د.عائشة العتيق

ما الذي يمنح العمل الأدبي ماهيته وهويته؟ هل هو مدى امتثاله لأنظمة الجنس الأدبي، أم ينبثق ذلك من خلال ما يخطّه المؤلف على غلاف عمله الأدبي؟

كانت تلك أبرز التساؤلات النقدية التي تشكلت لدى قراءة رواية “القادمون” للكاتب المصري أحمد خالد مصطفى.

إن ما نجده في “القادمون” هو المانيفستو الفكري المغلَّف بحبكة تشويقية من الرواية الكلاسيكية، فالحبكة في الرواية التقليدية تنمو من خلال الصراع الداخلي أو الخارجي ويتصاعد حتى يصل إلى الذروة ثم الحل، بينما في “القادمون” أصبحت الحبكة رفًّا يوضع عليه الكم الهائل من المعلومات التاريخية والسياسية والميتافيزيقية، فالحدث لا يتطور من حركة الشخصيات، بل يتطور من خلال الانتقال من ملف تاريخي إلى ملف آخر، ومن قضية وحدث سياسي إلى قضية وحدث آخر، فالحبكة في “القادمون” حبكة تجميعية وليست حبكة درامية.

أما الشخصيات فتعدّ شخصيات وظيفية لا يملكون حريتهم الخاصة، بل ينطقون بلسان الكاتب، فالشخصيات مجرد صوت ناقل للمعلومات.

بينما يتسم الإطار الزماني والمكاني للعمل بالإطلاق وعدم التقييد؛ إذ يعتمد النص على التنقل الحرّ والقفز عبر العصور والمساحات، وذلك عبر بوابات زمنية تُحرره من منطق الواقع التقليدي.

وعادةً ما يكشف الحوار عن الصراع بين أطراف الشخصيات، كاشفًا عن الفروق الفكرية والطبقية بين الشخصيات، أما الحوار في “القادمون” فيأخذ صيغة السؤال والجواب، مما يفقد النصّ حيوية التدفق الروائي.

ونجد الصراع قد تحول من صراع بين أفراد المجتمع، إلى صراع ميتافيزيقي أيديولوجي، صراع الخير ضد الشر، مُحوّلًا العمل إلى ملحمة فكرية أكثر من كونه رواية تبحث في تناقضات النفس البشرية المعقدة.

فالكاتب أحمد مصطفى لا يقدم الرواية بمفهومها المتعارف عليه، بل يستخدم غلاف الرواية “كحصان طروادة”؛ ليمرر عبره جرعة مكثفة من التاريخ الموازي إلى القارئ الشاب؛ الذي قد يزهد في قراءة المجلدات الفكرية الجافة، إنه يستعير صيغة الرواية ويهجر جوهرها البنيوي؛ ليخلق هجينًا أدبيًا خاصاً به، ينجح جماهيريًا وتشويقيًا، لكنه يظل محل جدل نقدي حادّ حول هويته الفنية”

إن رواية «القادمون» تقع في منطقة برزخية حرجة، فهي ترتدي جلباب التسلية والإثارة والتشويق الدرامي، لكنها تبطن في طياتها النزوع الفلسفي والتاريخي الذي يطرح مأزق الحقيقة والوعي الفردي في مواجهة السرديات الكبرى.

  • وفيما يلي إضاءة نقدية خاطفة حول الرواية:

أولا: تبدأ الرواية بعنوان (القادمون)، وهذا العنوان ليس مجرد فاعل لغوي، بل هو إعلان عن كينونة مستمرة في صيغة الجمع المجهول، ففلسفيًا يحيلنا العنوان إلى مفهوم «الآخر المنتظر»، فمن هم القادمون؟ هل هم الغزاة من وراء البحار؟ أم الأفكار العابرة للقرون؟ أم القوى الميتافيزيقية والتاريخية التي تعيد تشكيل العالم؟

ثانيا: في مقدمة الرواية يقابلنا ميثاق قرائي غليظ، فريد من نوعه، يأخذ طابعًا فلسفيًا فاوستيا “المعرفة مقابل الروح”، يقول مخاطباً القارئ: “أنت جئت إلينا بكامل رغبتك… لكن لكل شيء ثمنًا”. فتتحول القراءة من متعة ومعرفة إلى عقد وجودي، الطرف الأول القارئ، والطرف الثاني (النص / القادمون)، والثمن المطلوب الروح.

فالفلسفة التي يرتكز عليها الكاتب، وتظهر لنا في المقدمة هي أن “الوعي بالحقيقة هو لعنة، وستدفع ثمن الوعي من طمأنينتك الروحية”

ثالثاً: صدمة الحقيقة وتفكيك الخيال، يرتكز المحور الفلسفي للرواية على أن جميع المعلومات الواردة فيها صحيحة بالكامل دون استثناء، وهنا يبرز التساؤل: كيف يمكن للرواية — وهي بطبيعتها جنسٌ أدبي قائمٌ على التخييل والافتراض — أن تكون وعاءً للحقيقة المطلقة والصافية؟”

وختامًا، نقول: إن رواية “القادمون” ليست مجرد نص يُقرأ لتزجية الوقت، بل هي هجينة أدبية مثيرة للجدل؛ تُثبت أن الفكر يستطيع أن يرتدي زي التشويق ليصل إلى العوام، لكنه في المقام الأول وثيقة تجبرنا على إعادة النظر في هوية السرد المعاصر ووظيفته الفنية.

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود