الأكثر مشاهدة

عفاف عداوي أحمد* حين ينطلق كاتب من واقعة تاريخية، فإنه غالبًا ما يجد نفسه أمام س …

فيلق الإبل: حركة الإنسان والزمن وتحريك المكان

منذ 10 ساعات

9

0

عفاف عداوي أحمد*

حين ينطلق كاتب من واقعة تاريخية، فإنه غالبًا ما يجد نفسه أمام سطوة الوثيقة؛ يخشى أن يحمّل الحدث الحقيقي أكثر مما يحتمل من الخيال، أو أن يبتعد عنه فيفقد صلته بالتاريخ. لكن أحمد السماري، في روايته «فيلق الإبل»، اختار طريقًا مختلفًا؛ اتخذ من رحلة العقيلات والإبل إلى أمريكا في القرن التاسع عشر نقطة ارتكاز، ثم أطلق منها فضاءً سرديًا واسعًا، حرّك فيه الإنسان والزمن والمكان معًا.

هذا ما رأيته وأنا أقرأ الرواية: حركة لا تكاد تهدأ. كلما تقدمت في صفحاتها شعرت بأنني أنتقل معها من مكان إلى آخر، ومن زمن إلى زمن، وأطارد شخصيات لا تكف عن الارتحال، حتى وجدتني أمام سؤال ظل يرافقني بعد إغلاق الكتاب: أيّ هذه العناصر كان المحرك الحقيقي للسرد؛ الإنسان، أم الزمن، أم المكان؟

انطلاقًا من هذا السؤال، يمكن الوقوف عند بعض مظاهر هذه الحركة التي شكّلت، في تقديري، ملمحًا لافتًا في بناء الرواية.

حركة الإنسان: من العار إلى الخلاص

لا تبدأ «فيلق الإبل» بالإبل، وإنما بالإنسان. تبدأ بمناور، البدوي الذي يعيش حياة هادئة في خيمته، قبل أن تنقلب حياته إثر حادثة لم يكن يتوقع عواقبها، وتنتهي بجريمة قتل تضعه أمام القصاص والدية والإجلاء.

من هنا تبدأ الحركة الأولى في الرواية: إنسان تطارده تبعات فعل لم يخطط له، ويحاصره العار والدَّين والخوف من الثأر، فيندفع بحثًا عن مخرج يعيد إليه حياته ومكانه بين أهله.

غير أن السماري لا يجعل من مناور بطلًا استثنائيًا منفصلًا عن بيئته، وإنما يقدمه نموذجًا للإنسان الصحراوي الذي ترتبط حياته بالإبل ارتباطًا يتجاوز امتلاكها والانتفاع بها. فالبدوي يطارد الإبل في الصحراء طلبًا للعيش، ومناور يطاردها طلبًا للخلاص من تبعات الدية.

ومن هذه المطاردة تتوالد حوله شخصيات أخرى؛ نمر، وصلبي، وسليمان، وعلي بن سالم، ولكل منها حاجته ومسعاه وغربته الخاصة. وهكذا تتحول الإبل من عنصر في البيئة إلى قوة تحرّك مصائر الرجال وتدفعهم إلى الطريق.

إنهم لا يملكون مصائرهم كاملة، لكنهم يتحركون، ومع الإبل تتحرك حكاياتهم.

حركة الزمن: من الغزو إلى الحرب الأهلية

الزمن في الرواية ليس وعاءً ساكنًا تجري داخله الأحداث، وإنما قوة تدفع الشخصيات من طور إلى آخر. ننتقل من زمن الغزو وقطع الطريق والصراع من أجل البقاء، إلى زمن التجارة والاستقرار النسبي في بريدة، ثم إلى فضاء تاريخي أوسع يقود الشخصيات إلى تجربة فيلق الإبل في الولايات المتحدة، وصولًا إلى زمن الحرب الأهلية الأمريكية.

هذا الانتقال بين الأزمنة يمنح الرواية أحد أبعادها المهمة؛ فنحن لا نتابع مصائر أفراد فحسب، وإنما نرى تحولات عالم كامل، ونشاهد شخصيات خرجت من صحراء نجد وهي تحمل منظومتها الثقافية وخبرتها بالحياة، ثم وجدت نفسها في مواجهة عالم مختلف في جغرافيته وقوانينه وصراعاته.

وقد أدهشني كيف استطاع السماري أن يحرّك الزمن ويطويه من دون أن يجعل القارئ يشعر بانقطاع الحكاية. تتبدل السنوات والأمكنة والوجوه، بينما يبقى الخيط السردي ممتدًا، كأن القارئ نفسه يطارد قصة يعرف شيئًا من نهايتها، لكنه يريد أن يعرف كيف وصلت إليها.

وعندما تنتهي الرواية، لا يبدو الزمن وكأنه توقف عند صفحتها الأخيرة؛ فالحكاية التاريخية التي استعادها السرد تعود إلى الحركة من جديد، بعد أن ظلت زمنًا طويلًا في بطون المصادر والذاكرة.

تحريك المكان: من الخيمة إلى القارة الأخرى

أقول هنا تحريك المكان، لا حركته؛ لأن المكان، وهو العنصر الأكثر ثباتًا في الظاهر، يصبح أحد أكثر عناصر الرواية حركة ودهشة.

تبدأ الحكاية من خيمة صغيرة في شمال نجد، ثم يتسع فضاؤها تدريجيًا: البئر، ومضارب القبيلة، وبريدة، ثم المدن والطرق والموانئ، وصولًا إلى أمريكا. وكلما تحركت الشخصيات اتسعت خريطة الرواية، حتى تتحول الحكاية المحلية إلى رحلة عابرة للقارات.

في رواية أخرى ربما كان هذا الاتساع المكاني عبئًا على القارئ، بسبب الحاجة إلى تخيل أمكنة متباعدة تنتمي إلى زمن مضى. لكن السماري جعل هذا التوسع جزءًا من جوهر الحكاية، لا زخرفًا سرديًا مضافًا إليها.

والإبل هنا تؤدي دورًا يتجاوز كونها وسيلة للنقل؛ فهي القادرة على اختراق المسافات وربط العوالم المتباعدة. الإبل التي تجر وراءها مصائر الرجال تكاد تجر وراءها الجغرافيا نفسها، حتى تصبح الخيمة البدوية في شمال نجد نقطة متصلة بخريطة عالمية بعيدة.

ومن هنا يكتسب عنوان «فيلق الإبل» دلالته الأوسع؛ فالفيلق ليس مجموعة من الإبل فحسب، وإنما حركة متصلة تنقل معها الإنسان وخبرته وثقافته وذاكرته من فضاء إلى آخر.

ما الذي حرّك السماري؟

أنهيت الرواية، لكن حركتها لم تنتهِ داخلي. ظل السؤال يرافقني: ما الذي حرّك أحمد السماري حتى حرّك في روايته كل هذه العناصر؟ وكيف استطاع الإمساك بخيوط الإنسان والزمن والمكان معًا، دون أن ينفلت منه أيّ خيط، ليقدم خيالًا يقترب أحيانًا من الحقيقة حتى يكاد يلتبس بها؟

في تقديري، لا تكمن الإجابة في تقنيات الكتابة وحدها، وإنما في انتماء الكاتب العميق إلى موطن الحكاية ومعرفته بالبيئة التي خرجت منها شخصياته.

ولأنني أعرف السماري عن قرب، توقفت عند هذه الصلة تحديدًا. فمن يكتب عن الإبل والصحراء والعقيلات بهذا الحضور والتفصيل، إنما يستعيد جزءًا من ذاكرة المكان الذي ينتمي إليه؛ هوية فكرية تبحث في جذور المجتمع الصحراوي، وهوية وطنية تستعيد صفحة تاريخية جديرة بأن تُروى، وهوية إنسانية تنحاز إلى الإنسان في صراعه الدائم مع المصير.

ولذلك أحببت أن أهدي هذه القراءة إلى أحمد السماري في اليوم الوطني؛ شكرًا له على رحلة حية من رحلات أبناء هذا الوطن، أعاد بالسرد نظم حركتها، وأخرجها من سكون الماضي لتواصل رحلتها بين أجيال جديدة من القراء.

«فيلق الإبل» حكاية قافلة عبرت المحيط، وهي عبارة عن عدسة تتحرك فيها ثلاثة أبعاد معًا: الإنسان والزمن والمكان. ومن تفاعلها يتشكل نص يمكن أن يُقرأ بوصفه حكاية تاريخية، وتأملًا في الوقت نفسه في معنى الانتماء والمصير، وفي تلك القوة الخفية التي تدفع الإنسان، منذ أول الطريق، إلى أن يغادر مكانه ليكتشف العالم، ثم يكتشف نفسه.

*كاتبة يمنية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود