د. عصام عسيري
في مسار الفن الحديث والمعاصر، لم يعد السؤال: “ماذا نرسم؟” بل أصبح: “كيف نفهم العالم بصريًا؟”.
من هنا، برزت تيارات التجريد بوصفها تحولات جذرية في الوعي الفني، لا تكتفي بتحرير الشكل من الواقع، بل تسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والوجود. وفي قلب هذه التحولات، يقف اتجاهان بارزان: التجريد الهندسي والحقول اللونية، بوصفهما مسارين متوازيين نحو الجوهر، وإن اختلفت أدواتهما.
التجريد الهندسي: الفن بوصفه نظامًا كونيًا
ينطلق التجريد الهندسي من رؤية فلسفية ترى أن العالم، في عمقه، ليس فوضى بصرية، بل بنية منظمة تحكمها قوانين دقيقة، وهنا، يصبح الفنان أقرب إلى منظّر بصري يعيد بناء هذا النظام عبر: الخطوط المستقيمة، العلاقات النسبية، الأشكال الأولية.
لا حضور للطبيعة بوصفها مرئية، بل حضورها كفكرة مجردة وجمال يمكن تكثيفه.
لقد جسّد بيت موندريان هذا التصور حين اختزل العالم إلى شبكة من خطوط مستقيمة، مع ألوان أساسية، بحثًا عن توازن كوني يتجاوز الفوضى الظاهرة. بينما دفع كازيمير ماليفيتش التجريد إلى أقصاه، حين أعلن أن الشكل البسيط كالمربع يمكن أن يكون كيانًا مستقلًا بذاته، لا يحتاج إلى مرجع خارجي.
في هذا السياق، تتحول اللوحة إلى: بنية عقلية صامتة… تبحث عن الكمال عبر الاختزال.
الحقول اللونية: الفن بوصفه تجربة وجودية
على النقيض الظاهري، تأتي الحقول اللونية لتطرح سؤالًا مختلفًا: ليس كيف نبني العالم، بل كيف نشعر به؟
في هذا الاتجاه: يتراجع الشكل، يتسع اللون، وتصبح اللوحة فضاءً مفتوحًا للتأمل.
الفنان هنا لا ينظم، بل يهيئ تجربة.
لقد سعى مارك روثكو إلى خلق مساحات لونية عميقة، تضع المشاهد أمام ذاته، حيث القلق، السكون، والرهبة، أما بارنيت نيومان فقد تعامل مع اللون كحضور وجودي، تقطعه خطوط رأسية رفيعة، أشبه بإشارات بين العدم والكينونة.
في هذا المنظور، لا تُقرأ اللوحة بل: تُعاش كحالة نفسية ممتدة داخل المتلقي.
بين النظام والتجربة: تقاطع الرؤيتين:
رغم التباين، لا يمكن النظر إلى هذين الاتجاهين كضدين، بل كمسارين متكاملين: التجريد الهندسي يمنح العمل هيكلًا عقليًا، الحقول اللونية تمنحه عمقًا شعوريًا.. الأول يشتغل على البنية، والثاني على الأثر.
ومن هذا التقاطع، تتولد إمكانيات معاصرة ثرية، حيث يمكن للفنان أن: يبني نظامًا هندسيًا خفيًا ويغمره بطبقات لونية حية، فتصبح اللوحة: توازنًا دقيقًا بين الصرامة والحرية، بين التفكير والإحساس.
في التجربة الفنية المعاصرة:
في سياق التجارب الفنية المستلهمة من البيئات المحلية خصوصًا البيئات المشمسة ذات الامتدادات اللونية الواسعة تبرز الحقول اللونية كخيار تعبيري قادر على نقل حرارة الضوء واتساع الأفق، بينما يمنحها التجريد الهندسي نوعًا من الضبط البنائي الذي يمنعها من الانزلاق نحو العشوائية.
هنا، لا يكون العمل مجرد سطح لوني، بل: ذاكرة ضوئية، وتجربة حسية، وبنية فكرية في آنٍ معًا.
ختاماً: إن التجريد، في جوهره، ليس هروبًا من الواقع، بل غوصًا أعمق فيه.
فالتجريد الهندسي يسعى إلى فهم العالم عبر منطقه الخفي، بينما تحاول الحقول اللونية أن تضعنا في قلب تجربته الشعورية.
وبين هذا وذاك، يولد فن معاصر قادر على أن يقول الكثير دون أن يرسم شيئًا محددًا. إنه فن يختصر العالم إلى خط أو يفتحه على اتساع لون.
الصور من طبيعتي السعودية وأعمالي الأخيرة.
رأيكم يهمني ويثريني