الأكثر مشاهدة

عبدالعظيم محمد الضامن* لم أكن أظن أن هناك فنانين من مختلف دول العالم يعيشون نفس …

الفن الفطري.. توافق فطري بين شعوب العالم

منذ 31 دقيقة

2

0

عبدالعظيم محمد الضامن*

لم أكن أظن أن هناك فنانين من مختلف دول العالم يعيشون نفس التفكير دونما يعرفون بعضهم البعض، إلا حينما تعمقت في البحث عن الفن الفطري، كانت تروداني الفكرة بالكتابة عن هذا الفن وارتباطه بالفنان الفطري السعودي إبراهيم الميلاد من محافظة القطيف، لمعرفتي به وعشقي لفنه الجميل، وإذا بي أرى مجموعة من الفنانين في مختلف دول العالم يرسمون نفس الحس وبنفس الطريقة، مع اختلاف طريقة التفكير.
الفن الفطري..
هو ذلك التعبير العفوي الصادق الذي ينبع من داخل الإنسان دون دراسة أكاديمية، حيث يعبّر الفنان عن مشاعره ورؤيته للعالم ببساطة وحرية. يظهر هذا الفن في أعمال مثل لوحات Henri Rousseau، الذي رسم الطبيعة والغابات بأسلوب خيالي بسيط كما في عمله The Sleeping Gypsy، حيث تبدو الأشكال واضحة والألوان هادئة دون التزام بقواعد المنظور.
ويتجلى أيضًا في أعمال Grandma Moses، التي صوّرت الحياة الريفية اليومية بمشاهد مليئة بالبساطة والدفء، مع تفاصيل تلقائية تعبّر عن البيئة والمجتمع. كذلك يظهر في لوحات Niko Pirosmani، الذي قدّم الإنسان والحيوان بأسلوب رمزي بسيط وخلفيات غير معقدة.
كذلك الفنان السعودي إبراهيم الميلاد الذي قدم في أعماله الفنية حكايات شعبية مليئة بالتفاصيل وحكايات خرافية تبدو بغموضها وبساطتها، وجميع تلك الحكايات الممزوجة بالغموض هي حكايات من العقل الباطن للفنان، يرسمها بشعور الرغبة لتفريغ تلك الصور المرئية في عقله الباطن دونما يذكرها بشيء محدد.
ومن خلال هذه الأمثلة، نلاحظ أن الفن الفطري يتميز بالعفوية، والألوان الصريحة، وتبسيط الأشكال، والابتعاد عن القواعد الأكاديمية، مع ارتباطه القوي بالحياة اليومية والخيال الشعبي.
  • الفن الفطري بين التعبير الفردي والنظام الثقافي الجمعي:
دراسة مقارنة بين تجربة الفنان السعودي إبراهيم الميلاد والفن النسائي للسكان الأصليين في أستراليا.
  • يهدف هذا البحث إلى تقديم قراءة نقدية مقارنة بين نموذجين مختلفين من التعبير الفني غير الأكاديمي:
الفن الفطري كما يتمثل في تجربة الفنان السعودي إبراهيم الميلاد، والفن الجماعي للنساء من السكان الأصليين في أستراليا كما تجلّى في معرض “Ngura Pulka – Epic Country”.
يسعى البحث إلى تفكيك المفاهيم المرتبطة بالفن الفطري، وإعادة النظر في تصنيف بعض التجارب الفنية غير الغربية ضمن هذا الإطار، من خلال تحليل البنية الجمالية، والوظيفة الثقافية وطبيعة المعرفة البصرية في كلا النموذجين.

شهدت الدراسات الفنية المعاصرة اهتمامًا متزايدًا بإعادة تقييم الفنون التي تقع خارج الإطار الأكاديمي الغربي، بما في ذلك الفن الفطري (Naïve Art) وفنون الشعوب الأصلية (Indigenous Art). وغالبًا ما يتم تصنيف هذه الفنون ضمن مفاهيم مثل “البساطة” و“العفوية”، وهي تصنيفات قد تكون مضللة في بعض السياقات.
  • تنطلق هذه الدراسة من إشكالية مفادها:
هل يمكن وضع جميع أشكال الفن غير الأكاديمي ضمن إطار الفن الفطري، أم أن هناك فروقًا بنيوية ومعرفية تستدعي إعادة التصنيف؟

تكمن الإشكالية في التداخل المفاهيمي بين الفن الفطري بوصفه تعبيرًا فرديًا عفويًا، وبين الفنون التقليدية للشعوب الأصلية التي تعتمد على أنظمة رمزية وثقافية معقدة. وعليه، يطرح البحث السؤال التالي:
ما أوجه التشابه والاختلاف بين تجربة إبراهيم الميلاد كنموذج للفن الفطري، والفن الجماعي للسكان الأصليين في أستراليا، من حيث البنية الجمالية والوظيفة الثقافية؟
  • تجربة إبراهيم الميلاد:
تمثل تجربة إبراهيم الميلاد نموذجًا واضحًا للفن الفطري في السياق السعودي، حيث تعتمد أعماله على:
* تصوير الحياة اليومية.
* استحضار الذاكرة الشعبية، منها الخرافية، ومنها الحكايات الشعبية.
* تبسيط الأشكال وتسطيح الفضاء.
  • تتميّز أعماله بـ:
* غياب المنظور التقليدي.
* المبالغة في توزيع العناصر، حيث كثرة الخطوط والمساحات اللونية.
* استخدام ألوان مباشرة دونما تحديد للفكرة.
من الناحية النفسية، تعكس أعماله تعبيرًا حسيًا عن الذات، وهي مبنية وليدة اللحظة، تأتي كيفما تأتي، وتجاوزها أخرى بنفس النسيج، كأنها حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة، بينما من الناحية الثقافية، تمثل توثيقًا بصريًا للمجتمع المحلي في محافظة القطيف.
  • الفن الجماعي للسكان الأصليين في أستراليا/
على خلاف الفن الفطري، يقوم الفن الأسترالي الأصلي على نظام بصري معقّد، يتضمن:
* رموزًا تمثل الأرض والهوية.

* سرديات “الحلم” (Dreaming).

* قواعد ثقافية تحدد الإنتاج الفني.
  • الأعمال الجماعية، خصوصًا النسائية منها، تعكس:
* البعد التشاركي للفن.
* دور المرأة في نقل المعرفة.
* الترابط بين الفن والهوية الثقافية.
بالتالي، فإن هذا الفن لا يمكن اعتباره “فطريًا” بالمعنى التقليدي، بل هو نظام معرفي بصري متكامل.
تكشف المقارنة أن تصنيف جميع الفنون غير الأكاديمية ضمن “الفن الفطري” هو تبسيط مخل.
فبينما ينتمي إبراهيم الميلاد إلى هذا التصنيف بوضوح، فإن الفن الأسترالي الأصلي يتجاوز هذا الإطار، ليشكل نظامًا معرفيًا قائمًا بذاته.
  • كما تبرز الدراسة أهمية التمييز بين:
* العفوية بوصفها غيابًا للمعرفة.
* والعفوية بوصفها شكلًا مختلفًا من المعرفة.
يخلص البحث إلى أن الفن الفطري ليس مفهومًا شاملًا لكل أشكال التعبير غير الأكاديمي، بل هو فئة محددة ضمن طيف أوسع من الممارسات الفنية.
وتؤكد الدراسة أن فهم الفن يتطلب مراعاة السياق الثقافي والمعرفي، ليس فقط الخصائص الشكلية.
وعليه، فإن تجربة الفنان الفطري السعودي إبراهيم الميلاد تمثل تعبيرًا فرديًا صادقًا عن البيئة المحلية، وتمثل روح الفطرة في إنسانية الميلاد، وتتشكل شخصيته بفنونه المرتبطة ببساطة روحه، وهي منعكسة على الأشكال التي يتناولها في رسوماته، بينما يجسد الفن الأسترالي الأصلي نظامًا ثقافيًا معقدًا يتجاوز حدود الفن إلى مجالات الهوية والمعرفة.
جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود