الأكثر مشاهدة

عبدالعظيم محمد الضامن* ‏حظيت المدينة المنورة بنصيب وافر من اهتمام الرحالة المسلم …

ذاكرة المكان في وجدان الفنان

منذ 7 أشهر

248

0

عبدالعظيم محمد الضامن*

‏حظيت المدينة المنورة بنصيب وافر من اهتمام الرحالة المسلمين الذين كتبوا عنها وعن مناطقها، فقد جاءوا للحج والعمرة وسجلوا مشاهداتهم عن طرق الحج والمحطات والمنازل الواقعة عليها، وسجلوا أيضًا جوانب الحياة الاجتماعية والثقافية والأوضاع السياسية والاقتصادية، إضافة إلى وصفهم للمدينة المنورة ومعالمها العمرانية و آثارها التاريخية.
‏وقد ألّف الرحالة محمد بن عبدالله الطنجي المشهور بابن بطوطة 1378 م، ألّف كتابه: (رحلة ابن بطوطة المسماة: تحفة النُظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار)، وأفرد فيه فصلًا مطولًا عن رحلته للحجاز قادمًا من دمشق إلى المدينة المنورة، ومنها إلى مكة المكرمة، ووصف في طريقه الحِجر والعلا، وسجل ابن بطوطة تاريخ عمارة المسجد النبوي الشريف وأحياء المدينة وأحواشها وضواحيها وبعض مشاهداته عن حياة الناس.
‏وقد خص الرحالة المصري لبيب البتنوني 1938م المدينة المنورة بمعلومات وافرة، حيث ذكر الطرق المؤدية إليها وكانت سكة حديد المدينة في اوج استخدامها، ووصف البتنوني الحرم المدني وعناصره المعمارية، ووصف كذلك الموقع الجغرافي للمدينة وحاراتها ومبانيها، ويقدر عدد المساكن في المدينة في تلك الفترة بحوالي 12,000 بيت، ويشير إلى التشابه الكبير بين الأبنية في المدينة المنورة وما رآه من أبنية في جدة ومكة المكرمة، إلا أن أبنية المدينة المنورة أصغر، وشوارعها ضيقة، خصوصًا ما كان منها حول الحرم النبوي الشريف.
طيبة في عيون فنان… 
الفنان فؤاد مغربل
‏يقول بيكاسو بما معناه (أنا لا أبحث عن شيء بعينه على أنه مخبوء، بل أجد ما أحتفظ به بعد أن أتوصل إليه أثناء العمل نفسه). 
الفن إذًا قيد الإتيان، الفن قائم فيما يجري في الحياة، فيما يلامس وجدان الفنان ويترك أثره في مخيلته، فيما يتحصل منه بالخروج على عاداته المتبعة، الفن هو الإبحار في بيئة الفنان كما يحلو للبعض، الفن أحيانًا عكس التيار والمشي في الاتجاه المعاكس، وهو القراءة بالمقلوب أو بالطول وغيرها من الصياغة التي تتطلب الفن في سلوكيات ومعالجات تخالف الجاري من الاعتيادات والإجراءات الفنية.
لم تكن تلك الحارات والأزقة المليئة بالعمارة المدنية، إن جاز التعبير عمارة الحجاز، الغنية بمفرداتها الفنية، من رواشين صنعها الإنسان ابن بيئة المكان لتكون مفردة معمارية تميز المكان، كل هذا لم يكن بعيدًا عن مخيلة وذاكرة الفنان التشكيلي في المملكة العربية السعودية، بالأخص في المدينة المنورة، فقد كان لتلك الأزقة والحارات أهمية كبيرة في حياة الفنان منذ صباه حتى نشأته وكانت هذه الحارات هي ذاكرته والمخزون البصري الذي أصبح هويته.
ذاكرة المكان في أعمال الفنان فؤاد مغربل: 
إن أحد الدوافع الأساسية في الفنون جميعًا هو التعبير عن النفس، فالفنان كما نعرف من التاريخ، قد يعمل برعاية الدولة أو برعاية سيد أو حاكم أو برعاية مؤسسة ثقافية أو غيرها، وقد يعمل مستقلًا بذاته عن كل أنواع الرعاية، وقد يكون صيادًا بدائيًّا يشخبط على الصخور في داخل كهفه صور الحيوانات التي أحبها أو التي يتمنى صيدها، أو زاهدًا حديثًا من زهاد العصر يعطي شكلًا مرئيًا لهلوساته التشبيهية أو التجريبية، غير أنه في الحالات كلها إنما يستقي صورة أساسية من ابتكاره الذاتي وتجربته الداخلية، أنه مدفوع دائمًا لا يملك ردًا له لكي ما يطلق تعبيرًا عن رؤية من نوع آخر، تلح عليه في الأغلب إلحاح الهوس، وتعاوده مرة بعد أخرى، وفي أشكال لا تسلم تسلم نفسها له بسهولة، انه على صلة بشيء داخلي لا يرى ولا يلمس لكنه شعور داخلي جامع يطالبه بالإبداع.
لا شك أن الفنان فؤاد مغربل عاش تلك الحارات في المدينة المنورة التي شكلت له هاجسًا مهمًا في هويته الثقافية، يحدثني أثناء زيارتي له في يوم السبت ٢٨ سبتمبر، أنه كان يعيش في تلك الحارات القديمة للمدينة المنورة، وعاش طفولته فيها، حتى أصبح يعرف كل تفاصيلها، كان مهووسًا برسم تلك الأزقة بمبانيها ورواشبنها بحس رومانسي، وكأنه يعزف أوتارًا صامتة، يسمعها المتلقي بعينه، واستمر منذ ذلك الحين؛ أي قرابة خمسة عقود من الزمن حتى اليوم وهو يوظف تلك الأيقونات التراثية الرمزية في أعماله الفنية، التي طافت بقاع الأرض مُعلنًا حبه لتراث المدينة المنورة وموروثها وألعابها الشعبية، والضوء كان مصدرًا مهمًّا في جميع أعماله الفنية، كأنه يريد القول إنها مدينة النور، مدينة الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلم.
المراجع:
– الأعمال الخشبية في العمارة التقليدية، بمنطقة المدينة المنورة. 
د. صالح محمد خطاب
– العين واللوحة، شربل داغر

ص:٢٣١. 

– الفن والفنان، جبرا إبراهيم جبرا

ص : ١٣٩. 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود