عبدالعظيم محمد الضامن
يبدو أن الدائرة مثيرة للجدل والحوار والدهشة، فهي تشير إلى الأبدية والاستمرارية، وفي كل الثقافات فإنها تشير إلى الشمس والقمر والكون والكواكب، فالشكل الدائري يشكل الكمال والاستمرارية.
الطواف لغةً هو: دوران الشيء على الشيء، واصطلاحًا هو: التعبد لله عز وجل، بالدوران حول الكعبة على صفة مخصوصة، وهو عبادة لله؛ تُظهر الافتقار والتوجه بالقلب والجوارح إليه سبحانه، وهو الركن الثاني من أركان العمرة، ويقوم فيه المسلم بالطواف حول بيته الكريم -الكعبة- تعبدًا لرب البيت وتقربًا إليه بما شَرع.
هنا نجد الجاذبية أثناء الدوران للدخول بالقرب من الكعبة المشرفة، وتشكل الحركة الدائرية سلسلة من البشر مترابطة تقترب من الوسط أحيانًا وتبتعد أحيانًا حسب الجاذبية. وهنا أشير إلى العمل الفني الرائع للفنان أحمد ماطر حينما وضع مكعب مغناطيس ووضع في محيطه برادة الحديد، كيف كانت تتحرك البرادة بشكل دائري منسجم، ويعد هذا العمل من أهم الأعمال الفنية المعاصرة في التشكيل السعودي.
وما أن قرأت رواية شيفرة دافنشي للروائي دان براون وأنا أتخيل تلك الرموز التي ألهمته بالكتابة بعمق في لوحة الرجل الفيتوري للفنان ليوناردو دافنشي، وكيف بنى عليها المخرج رون هاوارد الحبكة الروائية وتجسيدها، انطلاق الجذب للفيلم من خلال حارس متحف اللوفر الذي هاجمه اللصوص وحين سقوطه على الأرض في بهو المتحف رسم بدمه دائرة وهو يغرق في وسطها، وكتب بعض الرموز السرية داخل الدائرة ليترك للمحقق البحث عن أسرار تلك الرموز واستقطاب خبير الرموز من الولايات المتحدة لفك تلك الرموز.
أما الدائرة ورمزيتها في الفن فهي دلالة اللا نهاية، وفي مدارس الفن الحديث استخدمت بشكل كبير كعنصر أساسي في العمل الفني، فنجد أن الكثير من الفنانين يستخدم الدائرة للدلالة على مصدر النور، وتسكن الدائرة السماء من خلال قرص الشمس، أو القمر عندما يكون بدرًا، وكان الفنان الهولندي فينست فان جوخ أكثر الفنانين استخدامًا للدائرة في تكويناته وفي لمسة الفرشاة وحركتها الدالة على ديمومة الأداء.
واستخدمت الدائرة في الفنون الإسلامية بشكل كبير وهي مرتبطة برسم الإنسان، حيث يشكل في حركته نجمة خماسية تكون الدائرة، واستخدم الفنانون الدائرة منذ قرون، لما تتمتع به من بساطة، ودفع ذلك بعضهم لرسم دوائر عددية، مستفيدين من عدم وجود بداية أو نهاية لها، وقد يكون فناني عصر النهضة هم الأكثر رسمًا للدائرة للدلالة الرمزية للكون، بينما استفاد البعض الآخر من كثرة خطوط التناظر فيها لينتج بصريات مرئية، كما اكتشفت بعض التقنيات المستخدمة خلال العصور الماضية لإنتاج الفن الدائري، عندما استخدم الفنانون الدائرة كأفضل طريقة للوصول إلى أهدافهم في التزيين.
على سبيل المثال لا الحصر، يرى الفنان الهولندي فان جوخ الذي لا تخلو لوحاته من الدوائر، أنه أحيانًا تكون الشمس هي ركيزة الدائرة وتنطلق منها للسماء والأرض، وأحيانًا تكون الدائرة هي الضوء بأي شكل من الأشكال الدائرية، وتكون السماء والحقول تميل في أعماله الفنية لحركة الدوران.
هنا سوف أتوقف قليلًا عند تجربتي الفنية، حيث تتكرر الدائرة في كثير من أعمالي الفنية منذ أكثر من أربعة عقود، فحينما يكون الموضوع مرتبطًا برمزية السلام، كأن دلالتها ترتبط بالحياة والحب الذي لا حدود له، فالحب هو السلام، والسلام هم التسامح، وهكذا تكون حركة الدائرة تستوعب الكون كله، على عكس الأشكال الأخرى المحددة بزوايا مغلقة لا تسمح بالخروج من إطارها.
الدائرة في أعمال الفنان التشكيلي عبدالعظيم الضامن قد ترمز إلى:
الدائرة تعبر عن الوحدة والاكتمال، وتشير إلى الاكتفاء الذاتي والتوازن.
وهي ترمز إلى الاستمرارية والتجدد، حيث إنها لا بداية لها ولا نهاية.
وقد تعبر عن السلام والانسجام، حيث إنها تشير إلى التوازن والتناغم.
وترمز إلى الروحانية والعمق، حيث إنها تشير إلى الجانب الداخلي والروحي للإنسان.
السلام هو حالة من الهدوء والاستقرار، ويمكن أن يكون السلام في شكل سلام داخلي يعني التوازن النفسي والروحي، والشعور بالرضا والسكينة.
وسلام خارجي يعني غياب الصراعات والنزاعات، والتعايش السلمي بين الأفراد والمجتمعات.
وسلام اجتماعي يعني التعايش السلمي بين الأفراد والمجتمعات، والتعاون والتعاضد.
وسلام روحي يعني الشعور بالاتصال بالله أو بالكون، والشعور بالسكينة والطمأنينة.
السلام هو أساس بناء مجتمعات سعيدة ومزدهرة.
في أعمال عبدالعظيم الضامن، قد تكون الدائرة عنصرًا رمزيًا يعبر عن أفكاره ومفاهيمه الفنية، وقد تختلف دلالتها حسب السياق والعمل الفني.
ومن خلال تأمل بسيط لبعض الأعمال الفنية التي أنتجتها خلال فترات من الزمن، وجدت أن الدائرة مرتبطة بجسد المرأة في تشكيلها الأنثوي.
كذلك هي مرتبطة بدائرة الحياة، نحن نمر في حياتنا بمحطات، وتلك المحطات متحركة تنمو مع حركتنا الدائمة، وحينما ترتبط الدائرة بالعمل الفني بشكل تلقائي فهي رمزية ترتبط برسالة الفنان تجاه فلسفة العمل الفني.
أما الدائرة في الفنون الشعبية، فهي مرتبطة بشكل كبير في التلاقي بحب، ودلالة للترابط والقوة، فنجد في رقصة الليوة في الخليج العربي وهي مرتبطة بالبحر، هي تعبير عن الفرح، يقوم المشاركين بالأداء في حركة دائرية تتماوج بين الحين والآخر لترسم لوحة شعبية في غاية الجمال.
كذلك في كثير من الفنون الشعبية التي تؤدى بحركة دائرية تبعث الفرح والسرور بانسيابية حركية موسيقية.
أما الدائرة والدوران في الصوفية، فلها دلالات روحانية مختلفة، وكل حركة دائرية مرتبطة بإيحاء وجداني مختلف، كأن الدائرة جمعت الكثير من الثقافات في رمزيتها.
التعليقات