339
0
1009
0
572
0
1027
0
469
0
9
0
13
0
30
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13532
0
13378
0
12213
0
12137
0
9570
0

جواد عامر*
اللغط يتعالى في الأرجاء، والحركة تدب بين هارع وحاث خطاه، عويل ونحيب لا أكاد أميز صويحباته، كنت قافلًا حينها من الكُتَّاب القرآنيّ أحمل لوحي وقطعة صغيرة من طبشور كان الفقيه قد أعطاني إياه لإتقاني الحفظ البارحة، دنوت من البيت وأنا أتحامل على ساقي الصغيرتين ، لابد أن الوساوس التي راودتني عند مدخل الزقاق بدأت تتحقق، هل هي الومضة الأخيرة من ومضات الحياة؟ هل ماتت جدتي وماتت معها حكاياها الأسطورية الليلية؟ أتراها رحلت فلن أتخذ صدرها وسادة أتكئ عليها وأناملها النشيطة تخللها بين خصلات شعري حتى أغط في نوم عميق على وقع الحكايا المثيرة؟، مضيت في خطو متحامل ولم أدر أين أسقطت طبشوري ولوحتي، نساء ميزت بعضهم لأني كنت أعرف الجارات الواتي كنت أقضي عندهن بعض الوقت لاهيا مع أترابي وبعضهن ربما كن قادمات من دواوير أخرى، تفرست قليلًا في الملامح الملأى بالحزن والخدود المبللة بالدمع، صوت لم ينقطع عن النحيب أستطيع أن أميزه من بين ملايين الأصوات، أسرعت نحوه فإذا هو صوت أمي، كانت مكومة في زاوية ضيقة من الغرفة كأنها تعصر ما تبقى من حزن في داخلها، ارتميت في حضنها وأنا أذرف دمعاتي، كل قطرة منها تكتب حرفًا من حروف الأساطير وتنطق صوتًا من أصوات جدتي وهي تناديني لأتناول وجبة الكسكس مخلوطًا باللبن، كثيرًا ما كانت تصنعه لأنها تعلم مدى حبي لهذه الوجبة أو تناديني لأطل عليها من الزقاق متى رأتني أحفر في التراب بين العصر والمغرب خوفًا عليَّ من الجن؛ لأنهم يتحركون في هذا الوقت فكانت تنهرني عن فعل ذلك، لكن روح الطفولة وعشق مداعبة الأتربة كانا يتحركان في داخلي كأي طفل، قالت أمي بصوت متهدج لا يكاد يبين التقطت منه حروفًا وأكملت الباقي كما كان يفعل بنا الشيخ حين يطلب منا ملأ الفراغات بالحروف المناسبة، ما ت..ت جد .ت..! قالتها وهي تصعد آهةً حرَّى أعادتها مثلما أعادت ذاكرتي الصغيرة إلى أيام خلت ملأى بالدعابة والفكاهة مع روح هذه الجدة التي كانت تميل إلى المزاح أحيانًا، مثلما كانت تهوى سماع الآيات تتلى في البيت في غالب الأوقات وتحافظ على صلواتها تتوضأ رغم المشقة ولسان حالها لا يفتر عن تسبيح واستغفار وتهليل وتكبير، تمسك سبحتها وهي تردد ما كان والدي الذي كنت أعلم أنه تلقى الخبر الصاعق قد علمها وحفظها، ولابد أنه سيحل قريبًا قادمًا من رباطه العسكري فهو محتاج إلى ساعات طوال ربما سيختصرها عبر السفر بالمروحية من الجنوب نحو عاصمة سوس ليستقل بعدها الناقلة، نساء تحلقن حول أمي يهدئن روعها ويكفكفن دمعها مطالبين إياها بالصبر والجَلَد على المصيبة، فهذا قضاء وقدر ولابد أن كل نفس ستلقى نفس المصير سمعت امرأة تقول: قال تعالى: {كل من عليها فان ولا يبقى إلا وجه ربك ذي الجلال والإكرام} “الرحمن آ، رنت أصواتها في مسمعي فتراءت لي صورة الفقيه وهو يُحَفِّظنا هذه الآية وغيرها من سورة الرحمن وبصاقه يتطاير في الأنحاء يصيب سحناتنا البريئة المتأملة لوجهه المليء بالأنوار الإلهية، لكأن ظلالا من الرحمة الإلهية بدأت تغشاني وتسكن الأحزان في دواخل أمي التي بدأ يفتر نحيبها ناظرة إلى عينيَّ وهي تكفكف ما تبقى من دموع على خداي…
طلبت من أمي أن أنظر إلى جدتي لأني كنت أعلم أنها آخر النظرات، فأومأت برأسها إلى إحدى الجارات لتأخذني سريعًا إلى فناء الدار، فهي لا تريدني أن أنظر إلى الجسد المُسجَّى ملفوفًا في دثاره، لما كانت تعلم من أثر المشهد على قلبي الصغير المملوء حبًا لهذه الجدة الرائعة، لم أشأ لحظتها تعكير صفو رأيته بدأ يلوح بين ضباب الأحزان وغيمات الدموع، فرحت مع الجارة “للاَّ فاطمة” التي كنت أناديها بخالتي من باب الأدب والاحترام الذي تربيت عليه كبقية أولاد الجيران فكل النساء الجارات هن خالات وكل الرجال هم أعمام، هكذا كان لسان الحال يجري عند المخاطبة، تركتني في فناء الدار الذي كان يعج بالحركة بين زائر مُعَزٍّ ينبس بالحوقلة والدعاء وآخر آمرٍ للصبية بالابتعاد عن المدخل تهيئة للطريق أمام حفظة القرآن، كانوا يرتدون جلابيب ويضعون طاقيات على رؤوسهم والهيبة تعلو وجوههم والوقار مكتوب على لحاهم التي وخطها المشيب، انهال سيل من الكلمات ذات اللحن السماوي من تعاز ومواساة لأفراد عائلتي وللجيران، أخذ قارئو القرآن أمكنتهم في البهو لكني تسللت كلص صغير مستغلا انشغال الكبار لأدخل غرفة النوم حيث كانت جدتي هناك، اختلست النظر يمنة ويسرة علَّ أحدهم يرمقني فيفسد لحظة تأمل الموت وفعله، اطمأنت جوارحي وأيقنت أنهم منشغلون الآن مع أهل القرآن…
إنها الجدة مدثرة في غطاء صوفي، وقفت أمام الجسد المسجى أتأمل بقية من جسد ملفوف لا حراك فيه، كل شيء بدا ساكنا متجمدا، لا نبض يخفق ولا صوت يهمس، لأول مرة أقرأ كتاب الموت ظلالًا ممدودة في سكون رهيب، أشباحًا من حروف لا أثر لها ولا نغم، لم أهب الموقف… اقتربت أكثر من الجسد فنزعت الغطاء بهدوء واتزان، إنه وجه جدتي مشرق كعادته رغم تيبسه، ناضر كغصن مندى في أيك بليل، والثغر نائم في حكاياه متوسدا أبطالها لكأنه يود أن ينبس بما اعتاده في حضرتي، أيقظتني يد من خلفي من وسط دوامتي الحالمة هاته، آمرة إياي بالخروج من الغرفة، رفعت بصري فإذا هي أمي تومئ لي برأسها لأخرج سريعًا فهم سيشرعون في لف الجسد بالكفن بعد تغسيله، قبلت جبهة الجدة وأنا أستشعر مذاق الموت يسري في داخلي، إحساس رهيب حقًا اقشعر له بدني وأنا أودع جدتي وأودع معها حكاياتها التي لا تزال تتردد في مسمعي…
سور من القرآن تتلى على المسامع والعيون مطرقة في خشوع والأجساد لا تكاد تتململ، آه لسحر القرآن وما يصنع في القلوب! كيف أنها تتدبر في سكينة هذا الكلام الذي يطرق مسمعي كل يوم في الكتاب القرآني، فكنت أجد له نغمًا جميلًا وجرسًا عجيبًا كلحن سماوي يحرك كل الخلايا في جسدي الصغير دون أن أفقه كنه المعاني، لكأن لحنه كان كافيًا لأن يشعرك بذلك الشعور الندي كأنما الملائكة قد نزلت من عليائها لتمسح على قلبك بأنوار الله فتسكن نفسك وترتاح جوانحك، حولت بصري إلى زاوية قريبة كان العم “المختار” مشرفا على إعداد الشاي بعد أن نصب “البابور الفضي” ووضع الكؤوس متراصة مع “البراد” في صينية فضية تلتمع، إني أذكرها جيدًا فهي نفس الآواني التي استعملتها أمي يوم عقيقتي حينما تركت وحيدًا بين براثن “الحاج مبارك” ومقصه الحاد لأجد نفسي في لحظات قليلة مضرجًا بالدماء...، يفرغ العم “المختار” الماء المغلى المعد مسبقا من قبل النسوة في المطبخ، بعناية وحذر في “البراد” ويضعه على نار هادئة حتى يستوي فيملأ الكؤوس ويشرع أحد المتطوعين في توزيعها على المقرئين والحاضرين بعد الكف عن القراءة لالتقاط الأنفاس وتبادل أطراف الحديث التي كانت كلها عن الموت والحياة ومتاعها، وما ضارع هذه الكلمات التي تتواءم مع المقام المشحون بهول الفاجعة…
لقد وصل ابنها، لقد وصل ابنها...! كلمات تناهت إلى سمعي فصبت نحو القادم كل العيون، رجل ببذلة عسكرية لم أر وسط الزحام غير حذائه الجلدي وجزء من الزي، لكني كنت أعرف الصوت رغم تهدجه وهو يرد على المعزين بكلمات التعظيم والثناء على المصبرين والداعين بالرحمة والغفران للفقيدة، هرعت كالمجنون نحو أبي أضمه ضمًا، نظرت إلى عينين مغرورقتين بالدمع، لأول مرة أرى الدمع في عينيه، قبلني قبلات متوالية أفرغ فيهما شيئًا من عطفه وهو يقرأ ما بداخلي من أحاسيس الحزن المختلطة بفرح رؤيته بعد أشهر،كأنه كان يلفي شيئًا من الحرج أمامي وهو يبكي -الرجال لا يبكون- وضعني على الأرض وانطلق نحو الغرفة، رأته أمي فتدفق سيل الدموع من عينيها من جديد، لكأنما انهار ذلك السد الذي بنته مواساة النساء فتعالى نحيبها في حضن أبي الذي ظل يهدئ روعها وهو يخفي لواعجه عن الأنظار ويظهر رباطة جأش في موقف لم يستطع فيه أن يتمالك نفسه، حينما اقترب من الجسد المسجى لينظر إلى انطفاءة شعلة الأمومة، آه! لكم هي الجراحات غائرة في القلب كدامية السحاب وقت الغروب، لابد أن أبي في كل قطرة يذرفها يذكر الحضن الدافئ يحمله والذراعان اتخذهما أرجوحة والصدر صيره مرقدًا تصنع فيه أحلام طفولته، يذكر في كل لمسة ملامسة يديها لخديه كما تلامس الأنداء أعطاف وردة في حقلها وفي كل قبلة يرسل فيها حبه لأمه تنكتب رسائل عشق يودع فيها الأمومة الغالية كما تقبل النحلات رحيق الزَّهر في رياضها، يسدل أبي الدثار على الوجه البشوش ليقرأ آخر حكاية من حكايات الأمومة.
كفكف أبي دموعه واستجمع شيئا من قوى كنت أراها خائرة، فالجدة ستؤخذ لتغسل وتكفن بعد لحظات، سمعت بعضهم يتكلمون أن المغسلات جهزن المكان والماء، لم تبق غير لحظات من أجل الوداع الأخير هكذا أقنعت نفسي… هاهي الجدة تحمل على نعش خشبية يتقدمهم أبي وبعض أعمامي وبعض الجيران يساعدون في إقامة النعش متوازنا على الأكتاف، كلمات التوحيد والتهليل والتكبير تصدح بها الحناجر وتمضي الجنازة ... أمي تعول من وراء الباب، هي تعلم كما أعلم أنه الوداع الأخير فلن تجد مؤانسا لها في وحدتها، لن تجد من يراقب حركاتي وسكناتي، من يحكي لي حكاية ليلية… تمضي الأجساد والأفواه لا تتوقف عن التهليل والدعاء لجدتي بالرحمة، كان المؤذن قد أذن لصلاة العصر فأدخل النعش إلى مكان مخصص للإمام ريثما تصلى الفريضة، فيصلي المصلون حشودًا على جدتي، كنت أقف في صف خلفي في المسجد القريب من حيّنا، فقد كنت مصرًّا على مرافقة جدتي إلى المقبرة لأشهد مراسيم دفنها وأشيعها هناك… الصلاة على الجنازة! وهي جنازة امرأة! تعالى صوت الإمام فوقف الناس قياما، لم يسبق لي أن صليت هذه الصلاة كانت كلها وقوفًا، فلا ركوع ولا سجود، حتى إنني بعد التكبيرة الثانية انحنيت للركوع ففطنت إلى الخطأ، فتداركت الأمر سريعًا وقررت ألا أسرع في الاستجابة حتى أحاكي المصلين، إحساس رائع وأنت تحشر نفسك بينهم صفًا صفًا كالبنيان المرصوص، تناسق بديع للحركة وتناغم جميل لصوت الإمام والمردد من بعده، سلم الإمام وانتهت الصلاة… بعد وقت وجيز حمل النعش نحو المقبرة المسورة القابعة خارج الحي، كانت القبور محفورة تتهيأ لاستقبال كل وافد جديد، فثمة عالم آخر لابد أنه مختلف عن دنيانا، هناك عالم غيبي، من الصعب فهم تفاصيله إلا ما أخبرنا عنه في القرآن والسنة، كان حفارو القبور يجِدُّون في تهيئة اللحود لاستقبال ضيوف البرزخ لتبتدئ رحلة سماوية غيبية عجيبة، وضعت الجدة في اللحد وقد تكفل أبي وبعض أعمامي بذلك ليفكوا عقدة الكفن، كنت أنصت لما يجري بكل اهتمام، فالشغف الطفولي بمعرفة ما يحدث كان يدب في عروقي لحظتها وإن كنت أسمع بعض أصوات الرجال الآمرة بالتنحي عن المكان، غير أن البعض كان يخبرهم أني الحفيد فيصرفون نظرهم عني ظانين أن فضول طفولتي هو ما كان يدفعني لأتطلع لما يجري بالجسد الهالك، وهم لا يفطنون إلى أني كنت راغبًا في ملازمة جدتي في كل اللحظات، أصوات مقرئين تتعالى قارئة {يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم} يس الآيات 1/2/3/4، والدعوات تصدح بها الحناجر من كل صوب وحدب، تنهال علي القبلات من كل حاضر عرف أني الحفيد، فكانوا ينظرون إلي على أنني رجل بالغ يفهم الحياة، لابد أنها فراسة سبقت وقتها؛ إذ كانت إجاباتي لكل معز لا تختلف عما دأب عليه الكبار وأنا طفل يقارب السادسة من العمر، فكنت أرد بكل جرأة: عظم الله أجركم، عزاؤنا وعزاؤكم واحد، أسكنها الله فسيح الجنات، شيء من هذه التعابير كنت ألتقطها لحظة العزاء فحفظت منها الكثير، كل واحدة توافق مقامًا من مقامات الخطاب، فكان الناظر إلي ينظر الرجل الذي يختبئ في داخلي ولا ينظر الطفل الصغير الواقف أمامه، لعلها فراسة أكسبني إياها الفقيه المحفظ وزكتها حكايات الجدة وتلك القصص التي كنت ألتهمها التهامًا كلما وقعت بين يديَّ، دفنت الجدة وأسدل التراب عليها، المعزون يواسون أبي وأعمامي وكلمات: البقاء لله، كلنا لها، “الله يبدل المحبة بالصبر“، رزقكم الله الصبر والسلوان… تتناهى إلى مسمعي، لكنني لم أكن أوثر العودة مع العائدين؛ لأني كنت أود البقاء قريبًا من القبر حيث ترقد جدتي، لعلي أسمع همسًا من همسها أو رنينًا يرسخ في أذني رسوخًا، فأذهب به إلى البيت أعيد لوكه في الليلة التي ستكون أول ليلة لن أستمع فيها لصوت الجدة، أمسك أبي كفي الصغيرة ونظر إلي وهو يلاعبني بين الفينة والأخرى كأن شيئًا لم يكن، لعله كان يخفي حرقه ولواعجه وكنت أفطن إلى هذا منه، فكنت أبادله نفس المداعبة، مضينا مثلما مضى الجميع نحو البيت ولا تزال كلمات التعزية تتساقط وابلًا على الأسماع...
كان فسطاط كبير قد ضرب وسط الزُّقاق، تكفل شباب الحي بنصبه وتأثيته بالكراسي والحصر استعدادًا لاستقبال وفود المعزين من كل ناحية، فالليلة سنكون على موعد مع مأتم كبير، القناديل معلقة في الزوايا وقنينات الغاز مستعدة لإنارة المكان عبر الفتائل، فيومها لا كهرباء في مثل أحيائنا الواقعة في الهوامش، الطباخات في الداخل يعددن الكسكس بمهارة عالية وينظفن الدجاج مزيلين عنه ما علق من ريش لم ينتبه إليه البائع وأعوانه، يضعنه في قدور كبيرة ويخلطنه بالتوابل، ويملأن أخرى بقطع من اللحم المتبل، فقد شارك كل الجيران في توفير ما يلزم لإعداد العشاء، الحركة تدب في كل الأرجاء والأصوات تتعالى من هنا وهناك، شباب يعبرون لأبي عن رغبتهم في مد يد العون وكلمات الشكر تنهال من فيه، وعلامات الرضى والاستحسان بادية عليه رغم الحزن المتخفي وراء قسمات وجهه المشرق، كصفحة سماء تلوح شمسها من بين كدر الغيوم، فلا تلبث هذه أن تتلاشى ليلوح الإشراق في أديمها.
أذن المؤذن لصلاة المغرب فخرج كل متعلق قلبه بالمسجد لأداء الفريضة وارتضى بعضهم لإقامة الصلاة جماعة في الفسطاط، بينما كانت الطباخات والنساء منهمكات في الإعداد حتى استوت الوضيمة، وكانت وفود وقوافل بشرية تحط رحالها، منهم من يقدم التعزية مرفوقة ب “السكر ذي الهندسة المقاربة للشكل الهرمي” أو مساهمات مالية، فهي عادة من عادات العزاء، أشعلت الذبالات والقناديل فتوهج المكان وارتج الضوء في كل زاوية وظهرت الملامح بين مبد حزنه وغير مكترث منشغل بالكلام مع مجالسه، حتى ينقطع بقراءة المقرئين ليعم الصمت المكان والعم “المختار” يملأ كؤوس الشاي وما أصابه نصب ولا فتور، حتى قدمت الصحون الكبيرة مملوءةً بالكسكس لينتظم الكل في حلقات موزعة بأعداد متقاربة قصد تناول الوضيمة… أخذ أحد الفقهاء المقرئين يتلو آيات أواخر سورة البقرة، وشرع بعدها في دعاء طويل والناس يُؤمِّنون لعلَّ الساعة تكون ساعة إجابة فتظفر الجدة بالنعيم والمغفرة الإلهية الواسعة، كنت لحظتها أتحامل على قدمي الصغيرتين وكان النوم يغالبني وأغالبه، فقد كان التعب آخذًا مني كل مأخذ، غير أنني آثرت المقاومة، حتى استيقظت على صوت أمي وهي تناديني أن أستيقظ للذهاب إلى الكتاب القرآني.
*كاتب من المغرب