429
0
249
0
642
0
733
0
1185
0
4
0
12
0
14
0
74
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13510
0
13355
0
12192
0
12131
0
9554
0

شمعة جعفري*
في صباح يوم مُمطِر كانت المرأةُ العجوزُ تراوغُ نومَها، ممسكةً برسالة قديمة مهترئة، عين في رسالتها وعين للأمطار الغزيرة، فَتَحَتْ شبَّاكَ غرفتها تتأمل دموع فرحة السماء باستقبال أول غيمةٍ رقيقة، أغمضَتْ عينيها مبتسمةً، فاتحة ذراعيها تشمّ رائحة المياه المختلطة بتراب الأرض… تحرِّك الرسالة في وجه الأمطار كأنها طفلة تريد أن تريَها مداعبات الريح… يقفز خيالها إلى ماضٍ رأته سحيقًا.
إلى بعيدٍ ذهبَتْ، يغمرها الحلم الجميل فتتثاءب، أملًا في رؤية رفيقها وابن عمها… محمد!
كانت تبلغ من الشهور سبعةً، وهو أسنُّ منها بعامٍ، لم يكن يفصل بينهما سوى جدار فيه باب صغير أسود اللون، باهت متقشِّر.
وكان صباح… وأعدَّت أمُّها وجبةَ الفطور لها ولأم محمد، تحبو البنت الصغيرة ومحمد في يد أمه ينظر إليها من بعيد، ثم يقترب، يبتسم ويرجع لحضن أمه هاربًا… ثم يتفرس في وجهها… قالت لها أمها فيما بعد: كان ذلك الطفل يأكلك!
كبر الطفلان، برباط اللعب اتصلا، في العصر يتمرغان في التراب، ثم يتقاذفانه، يضحكان ويذهب كلاهما إلى أمِّ توبِّخ في غير شدة وتتصنع الضيق وهي تضحك، ثم تبدل الملابس المتسخة…
يتوادع الطفلان في الليل ليلتقيا في صباح باكر.
ها هي كبرت أعوامًا، في الصف السادس صارت، من بقالة العم «أحمد» راغت لتشتري أغراضًا لها، ومحمد يتطلع إليها، ناداها من بعيد، وأعطاها كيس هدايا يحوي فستانًا أنيقًا وعروسًا طويلة لا تلبس إلا البياض، شعرها كان يشبه شَعْرَ ابنةِ عمِّه من حجاب كان يستر أكثرَه… أصفر منسدلًا، وللعروس مثلها رموش طويلة وعينان زرقاوان.
أكان يقول إنه كذلك يراها؟! هي كالعروس؟! لماذا تتذكرها هذه الحادثة؟!
كانت آخر هدية، فُرض عليها حجاب الفتاة وحجاب البيت وحجاب الممنوع، لكن الفتى العابس لم يكن يدخر وسعًا في المراقبة والتنصت، وكلما رآها تُهذِّب شعر عروسها، كان يطير بغير جناحين، حتى يبلغ سقف الغرفة، ليشاهد أكثر!
يكرّ الشريط مثل خيط بكرة مشدود، كبرت البنت ولان عودها، وغضّ جلدها، وأخذها قطار الآنسات في رحلة إلى غير مكان التواصل معها من شاب في عمره مستحيل، لكن الفتى الطائر لم يضمَّ جناحيه، كتب رسالة وأراد أن يوصلها لها؛ حاول مرة ومرتين لكن دون جدوى، انتظرها هذه المرة عند باب المدرسة، انتظرها إلى أن طلَّت شمسها، فألقى لها تلك الرسالة، وذهب، كأنما هي تعويذة ساحر.
تشممتها ولم تفتحها، طوتها في جيبها، وصلت إلى المنزل، سلَّمَت على أمِّها وقبَّلَتْ يديها على عَجَل، حتى وصلت إلى غرفتها، أغلقت الباب وفضَّت المظروف:
«فاطمة (وإني وإنْ كنتُ أدرك الطريق؛ فقد تُهتُ في الوصولِ إليك.. لقلبي فيك ذنب.. لا غفر الله هذا الذنب؛ فإن غضضتِ عينيك عني، فإني جعلتك نصب عيني).
متيم».
كم ألف مرةٍ قرَأَتْها، وكم أْلف مرةٍ خبَّأَتْها، وكم ألف مرةٍ ألقَتْها بصوتٍ هامسٍ على أذنيها هي، فتغنيها عن مُجالسَة العائلة، أو دفء وجبة، أو فيلم تأخَّر!
عرفت الفتاة الصغيرة أن هناك مَن يجدّ لها، وأصبحت تتصنع الانشغال بطريقها، وعيناها تبحثان عن ملاكها الحارس الذي يزور القرية فيقف الرجال محيين بطلًا يحمي أرضهم… وهي مِلك هذا الفتى الذي أكلها بعينيه صغيرًا، وأهداها عروسًا، وأرسل لها أشواقه مخبأة في رسالة، ودخل الجندية وأقسم بشرفه ألا يطأ أرض الحرمين غازٍ!
تنام على حلم الغد، لكنها تصحو مكسوَّة العرق، خافقة القلب، هل ينساني… هل ينساني متيَّم؟ فتجري إلى جوابه الأوحد، تنظر إليه تملأ قلبها من ماء شوقه، تنام قليلًا بعد أن تقرّ عينًا!
اجتهد الفتى، فختم الثانوية والجامعة… وأرسل لها نَبْتة أخرى في مزهريتها الوحيدة… كانت الهواتف قد انتشرت في كل مكان، فكان الخطاب هذه المرة على شاشة الجوال الصغيرة المسطحة… رسالة نصِّيَّة بخمس عشرة كلمة: (في عينيك أقمت حُلمي… أوشَكَ قاطعُ الصحراء أن يصل عما قريب… حول نبع شوقي إليك نلتقي.
متيم).
كانت نصف نائمة، حين دخلت عليها أمها:
صوت لم تميِّزْه… هل سعادة أم رعب…؟!
فاطمة، قومي… فاطمة!
ما بك يا أمي؟
فاطمة… اتصل عمك على أبيك، جاء ابنه محمد من الحدِّ الجنوبي وهما آتيان الليلة لخطبتك! مبارك يا ضي عيني، ويا فرحتي الأولى!
ثم أصغت لصوت الريح.
قالت أمها: «انزلي نظفي المجلس وجهزيه» لكنها لم تسمع، قالت لها: «اضبطي هندامك واستعدِّي»، لكنها لم تشعر… لو شُكَّت بإبرة، ما تألمت.
أخذوها إلى خطيبها، وحُدِّد موعد الزواج، وهي ذاهلة، تخشى من سكوتها ألا تصل إليه رسائل قلبها الراقص.
وإذا بالعقد يُعلن، وبالزواج يتم، الحلم يتلوَّن، والدعوات تنهمر… بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.
وهي تحرك شفتيها وتقول كلامًا آخر.. تذكُرُ أن آخر ما كان هو فَتْحُ أمّها عليها باب الغرفة، وإخبارها بمجيء ابن عمها لخطبتها! تفتح عينيها فتجد أمامها حلمًا يتجسد، وكابوسًا يبتعد، وراحة قلب سعت إليها طويلًا في سجدتها الخاشعة!
وزوجها يجلس قبالتها يهتزّ معها على حركة السيارة في طرق وعرة وأراض منبسطة يقطعان الجبل ويذرعان البلاد… تقول لنفسها: «للتوّ يا فاطمة تزوَّجتِ مِن بطلك وبطل البلاد».
لم تطأ قدماه العتبة، حتى جاءه جندي بكامل ملابسِهِ، أدخل زوجته، وأغلق الباب خلفها، ظنَّته صديقًا جاءه يُجامِلُه، ويدعو لها بحياة تُنبِتُ أشجار الزيتونِ ونخيلَ التمر.
دخل محمرَّ الوجه، كأنما هو مُدمَى، خَجِلًا ينظر إلى الأرض.
خير يا حبيبي.
نظر إليها مذهولًا … كانت المرة الأولى التي يسمعها منها، والأولى التي يسمعها على الإطلاق… اهتزّ قليلًا.
أمي ترجوني أن أبيت ليلتَيْنِ عندها قبل أن أخلوَ إليكِ!
قطَّبت حاجبيها، لكنها لم تَشَأ أن تعكِّر صفو عائلة هي عائلتُها:
لا عليك يا حبيبي، فلتقضِ الليلتين، ولا تُطل، وستجدني أنتظرك بشوق الرسالتين، والعمر الذي قضيتُه في انتظار حديثك!
أحبك يا فاطمة.
وكان الخجل هذه المرة من نصيبها.
ليست زوجة عمك من تحتاجني يا فاطمتي، لكن أمي الكبرى، بلدي، السعودية هي التي طلبت، ولا بد من أن ألبي النداء في التوّ… الحد الجنوبي يتعرض لهجمات من أخطبوط فارسي، يعادي البلاد والعباد، ويريد أن يُطفِئ نور الله بفمه.
ابتسمت وهي تكمل (ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون) يا محمد… يا كل أملي ورجائي في هذه الحياة… أسعدْتَ هذه المرأة التي اخترتها صاحبتك!
لم يردَّ، نكس وجهه في الأرض، وضم يده فيما يشبه قرارًا أخيرًا يتخذه.
لن أتأخر… ألقاها، واستحثَّ المسير، لا يريد أن ينظر وراءه لئلا يجفل، ولو نظر لرأى طفلة ذات سبعة أشهر باكية، وبنتًا صغيرة تحتضن عروستها، تمشِّط لها، وشابة تنام وفي حضنها رسالة من أحرف قليلة أرسلها متيَّم.
وعلى الباب سمعته فيما يشبه الهمس، يخاطب أمه الكبرى ممسكًا بكتف صديقه:
لبيك!
وغزّا المسير!
مضى اليومان أيامًا، وهي تنظف وتطبخ، يقولون: ارتاحي أنت عروس، فتقول: لست عروسًا حتى يأتي العريس.. وغاب العريس، واتصلوا وليس من مجيب.. غير صوت القلق وقبضة ريح وحفيف نخلة.
رن الهاتف، وحملق الأب القلق في سقف الغرفة، واندفعت دمعتان تتحدران، وألقى المفجوع بالسماعة لتلتقطها الأم وتصرخ، تراجعت بظهرها إلى الباب.. الآن عرفت.. لن تجرؤ على الاقتراب من السماعة، سترجع مُهرْوِلَةً إلى شقتها، وحينئذ لن يحدث شيء.
دفنت رأسها في كفيها، تعالى الصراخ تعالى، ارتفع حدَّق بها بألف عين، وأحاط بها كسِوَارٍ من هباء، وانقضّ عليها في شجاعة متلعثمة، ببرودةٍ تصلَّب شعرها، وبصراخِ نساءٍ غام كل شيء، ولم تصحُ إلا والأب المكلوم يقول:
ما هكذا يودَّع الشهداء… الحمد لله أن رزقني في الجنة من يتشفع فينا! افرحي يا فاطمة، تزوجك في الدنيا لتُزَفِّي إليه هناك.
همت أن تقول له: لكنه كذب عليّ، وعدني ألا يتأخر.. لكنها استغفرت الله، وتماسكَتْ، خوفًا على هذا الأب الذاهل، والأم التي تصرخ: (ليتك ما جئتَ يا محمد)!
نعم… الله يربط على القلب، لكن الدموع مَن يمنعها؟!
«إن الله لا يؤاخذ بهذه».
قال أبوه/ عمُّها، ومسح دمعتيها، واحتضنها فذابت فيه.
وكأن محمدًا من فرجة الباب ينظر، ثم يبتسم، ويلمز دابته، لتسرع السير إلى مليك مقتدر!
طوت العجوز رسالة زوجها الراحل، وضمتها إلى صدرها، مسحت دمعتيها، وتثاءبت ككل ليلة للنوم… ورجعت برأسها إلى الخلف… ونامت… نامت… ولم تستيقِظْ إلا معَه!
*كاتبة من السعودية