مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

عبدالكريم النملة* هزّة انتفض منها جسدك حين رأيته، كان يدخل العملة في جهاز صنع ال …

بكاء أخير

منذ سنة واحدة

350

0

عبدالكريم النملة*

هزّة انتفض منها جسدك حين رأيته، كان يدخل العملة في جهاز صنع القهوة، تواريت خلف عمود في وسط صالة استراحة، تطلّ على استراحة جلوس أخرى في الخارج، لم تشأ أن يلمحك، فقصدت مقعدًا تجلس فيه بحيث تراه دون أن يشعر بك، في مدخل العيادات في مستشفى هايدلبرج، يصفعك تيار الهواء البارد حين يُتح الباب ويلج أحد الداخلين إلى مبنى العيادات، يبدو أن شقيقك أنهكه المرض، كان نحيفًا دقيقًا كالمسلول، ملامحه الصارمة لا تزال تذكّرك بأفعاله، فتعود الهزّة ثانية ليرتعد منها جسدك كاملًا، عشرون عامًا منذ افترقتما على خلاف في الميراث، حينها لم ينصفك القاضي ـأو هكذا تعتقدـ لأن شقيقك معه وكالة من والده، ومستندات تثبت أقواله فنهب والدك الذي كان الزهايمر يراوده في بداياته، عبثًا كل التقارير الطبية التي قدّمتها لأن تواريخها بعد كل المستندات التي قدّمها شقيقك الصارم الملامح.

أيّ حقد تأجّج ثانية في صدرك، وأيّ غلّ دفعك لتفرح بمرآه هزيلًا وقد فتك به المرض، رغم أنّك تنتظر نتائج فحوصات كثيرة أجريتها منذ أيّام هنا.

غيّرت مكان جلوسك حين غادر أحد الجالسين، إذ كان لصفع الهواء البارد أثر على جسدك المريض، فصار مقعده في زاوية أقرب إليك وزاوية الرؤية لا تتيح له رؤيتك، إلا إذا قام ودار حول العمود قاصدًا، وهذا لن يحصل إذ لا يستدعيه الموقف.

يحمل قهوته بيد لا يبين فيها غير العروق الناتئة، يد مهزوزة مرتبكة، يتذوق كوب القهوة الدافئ، لم يشفع ضمور جسده وإرهاق المرض في نسيانك ما فات والعطف عليه، بل كان فحيح صدرك يحرق كل لحظة ليّنة تبزغ بين ضلوعك، فتحرقها على الفور.

تتلمّس خدك وتتذكّر بصقته الأخيرة على وجهك فتتنامى جحافل الكره في صدرك وتتشفّى بمرآه منهزمًا ذابلًا.

تنسى نتائج فحوصاتك التي أرّقت منامك ليلة البارحة، ورسم لك خيالك صوّرة الطبيب وهو يبلغك بنتائج إيجابية لزراعة الخزعة، فيغادرك النوم وينتفض جسدك عرقًا رغم صقيع يناير، الآن تتدافع الصور القديمة إلى ذهنك كأنّك تعيد العيش في تلك الأيّام ثانية، فتتعارك مع الأحداث وتصرخ بصمت، وتتأوّه من شدّة الظلم الذي حلّ بساحتك ـكما تعتقدـ ثم تنشج باكيًا، فيلتفت شقيقك نحو صوت البكاء، تكتم بكاءك لحظة.

يقوم شقيقك من مكانه متوجهًا إلى الخارج، يلتفت نحوك فتغمر وجهك بين يدك، لا تعلم هل أبصرك وعرفك أم لا.

في الخارج يجلس على طرف مقعد خشبي بجانب امرأة مسنّة، يخرج علبة السجائر، يشعل سيجارته ويمجّ الدخان الذي يتلاشى بفعل الهواء المندفع، تتذكّر على الفور طريقته الفريدة في التدخين حين تتوالى أنفاسه وتحرق السيجارة حتى تبدو جمرتها طويلة.

ما تخشاه هو تصويب نظراته نحو الداخل، لماذا يفعل ذلك؟ هل هو ساهم أم أنه أدرك وجودك ولمحك والآن ينتظر ليتأكد أنك شقيقه!

وحين بدأ يتلفت بعيدًا ويقفل أزرار معطفه، اطمأنّت نفْسك وارتخت أعصابك المشدودة.

أنهى شرب سيجارته ودخل إلى الصالة الداخلية، ثمّ توجه نحو المصعد وغاب.

بعد نحو نصف ساعة تبلغ الساعة الثالثة موعدك مع طبيبك، عادت إليك مخاوفك، توجهت مرتابًا قلقًا نحو عيادة الطبيب.

قالت لك الممرضة: انتظر عند الباب للحظات وسوف يكون الطبيب جاهزًا لاستقبالك، فجأة خرج شقيقك، لحظات قبل أن تنفجرا في عناق وبكاء طويل! 

*كاتب من السعودية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود