مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

روان السالم* قبالتي جلست امرأةٌ بدت ثلاثينية، بملامح حادّة وشَعرٍ أسودَ قاتم. را …

كان عطرًا

منذ أسبوعين

71

0

روان السالم*

قبالتي جلست امرأةٌ بدت ثلاثينية، بملامح حادّة وشَعرٍ أسودَ قاتم. راقيةٌ إلى حدّ الانضباط، ترتدي بنطالًا رماديًّا رسميًّا، وقميصًا مشجّرًا بالأسود والبنفسجي. كُحلت عيناها اللوزيتان بخطٍّ فاحم مرسوم بسلاسة. تصافحنا بالنظرات لحظة، ثم تبادلنا ابتسامةً عابرة، قبل أن أعود لتأمل البحر بكامل اندماجي.

كنتُ متجهة إلى “بيوك أدا”؛ تلك الجزيرة التي تألفها روحي في كل مرّة. نوارس البحر تصدح بصوتها كأنها تزفّنا لتحتفي بنا. تتسلّل إلى مسمعي أحاديثٌ تركيّة لا أفهمها، بينما يداعب وجهي نسيم البحر العابر ويشاغب خصلات شعري.
نهضتُ لأشتري كوبَ شاي، وابتعتُ آخر لها. احمرّت وجنتاها خجلًا حين قدّمته، وشكرتني مرارًا:
«تشكر ederim… Thank you.»
شعرتُ بألفةٍ تجاهها، وشيءٍ غامضٍ جذّاب في تلك المرأة. بادرتني بسؤال عن سبب زيارتي لإسطنبول، فأخبرتها أنني رسّامة جئت لأتعرّف على ما يُثري حِسّي… أزقة المدن، أسواق السبت، والفنّ الذي يسكن كل زاوية في إسطنبول.
فتحتُ دفترًا صغيرًا كان برفقتي. طالعت رسوماتي واسكتشاتي بدهشةٍ كبيرة، ثم اقتربت من أذني وهمست:
«أنا أتقن الخَبز… وتبديل الرجال أكثر من الرسم»
انفجرنا ضاحكتين.
توقّفت العبّارة عند أول محطة. ركّاب يغادرون، وآخرون يصعدون، والبحر ما زال يحتضننا. سألتني بفضول:
«هل تستمتعين هنا؟»
أجبتها دون تفكير: «بالتأكيد.. زيارتي لإسطنبول ليست الأولى ولا حتى الثالثة… مع ذلك، ثمّة شيءٌ بها يمنحني راحةً لا تفسير لها».
ساد الصمت بيننا، وعلت أصوات البحر مع الريح كأنها تتلو ترنيمة لنا وحدنا. مدت يدها لتزيح خصلات شعرها عن عينيها، ثم راحت تحدّثني عن بلدتها الصغيرة وأمّها التي علّمتها الخَبز بحب، وعن رجلٍ عشقته يومًا، ثم ودّعته كما ودّعت أشياء كثيرة. كنت أنصت إليها مستمتعة؛ بدت مألوفة كصديقةٍ أعرفها منذ الأزل… لأجدها بين صفحات بحر مرمرة.
دوى صفير العبّارة معلنًا الوصول. لملمت أشيائي الكثيرة والمبعثرة، فانزلقت محفظتي إلى الأرض. انحنيت لالتقاطها، وحين رفعت رأسي نحو الشفق، كان المقعد أمامي فارغًا وباردًا. لا كوبَ شاي… ولا أثر لها. تلفّتُّ حولي في حيرة: أين اختفت؟
لم يكن من أثر، ولا حتى عطرها الأخّاذ.. غادرت المركب، ولمحت طيور النورس تبتسم لي بوداعة.

 

*كاتبة من السعودية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود