مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

محمد حسين السماعنة* صوت رخيم موسيقي ملأ ساحات الحارة العابسة وشارعها الطويل المن …

كيلو سعادة

منذ أسبوعين

93

0

محمد حسين السماعنة*

صوت رخيم موسيقي ملأ ساحات الحارة العابسة وشارعها الطويل المنهك المرهق، المنسوج من عرق وطين وأحلام مكسورة الجناح، مقيدة بالعوز والفقر.
امتد الصوت الملون الرخيم المنغّم المطرز بالفرح والبهجة في أزقة القرية الضيقة، التي تفوح منها رائحة الرطوبة والفقر:
تنزيلات

تنزيلات

كيلو الفرح بدينار، كيلو السعادة بدينار، كيلو الراحة بدينار…

تنزيلات

تنزيلات

كيلو الحزن بدينارين، كيلو الابتسام بدينار، كيلو القلق دينارين.. 
كيلو هدأة البال بدينار، كيلو الأرق بدينارين، كيلو الهم والنكد بدينارين، يلا يا شب يلا صبية يا صالح يا فتحية، صلح حياتك بدينار، غير حياتك بدينار، يا بلاش، لحق حالك، اليوم في وبكرة ما في، اكمش كمش نقا بقبلش، يا بتلحق يا ما بتلحق.
تجمع المارة حول الحافلة الصغيرة المزركشة بأعلام قوس قزح، وأطلت من النوافذ عيون مبرقة كثيرة مستغربة، وأذن كثيرة غير مصدقة ما تسمعه.
وما هي إلا دقائق حتى كانت الحارة تخرج عن بكرة أبيها وتلتف حول الحافلة المزركشة لترى صاحب الصوت الرخيم وبضاعته.
رجل بابتسامة ساخرة: بكم ربطة الراحة؟
رجل وهو يضحك بملء فيه: أعطني نصف كيلو هدأة بال، ما معي غير نصف دينار.
عجوز جاء يسعى من أقصى الحارة: في دين؟ بسدك آخر الشهر!
وتعالت الضحكات، وتقافزت القهقهات فوق وجوه متعبة حزينة، ووجوه مستغربة.
وبهدوء عجيب استمع إليهم البائع الذي كان يلبس عباءة خضراء وعمامة سوداء، ولم ينبس ببنت شفة، وظلت الأصوات الساخرة المستهزئة تلطم وجهه حتى أوقفها صوت خشن قوي جامد قاس أصفر: يا جماعة الخير، خلونا نشوف ونسمع شو بيحكي! 
امرأة باستغراب: معقول حد يشتري منك الهم والغم والقلق والنكد والأرق؟
فابتسم البائع، وهز رأسه، ورأى أهل الحارة جميعهم نظرات حزينة تسقط من عينيه، وهو يقف على ظهر الحافلة، ثم يقول بثقة: هذه بضاعتي، وأنا أكفلها… 
– احك لنا عنها، فرجنا!
فسارع البائع إلى برميل بلاستيكي مزركش مكتوب عليه روح وريحان ففتحه، فخرجت منه غمامة بألوان قوس قزح ملأت السيارة، فغرف بمهارة وخفة منها من اللون الأخضر غرفتين، وملأهما في كيس صغير، ثم أعطاه للرجل بحب، ثم قال له بلطف: انثره الآن فوق رأسك.
فتناول الرجل اللون الأحمر المحبوس في كيس بتردد وخوف ثم نثره فوق رأسه، فغاب عن الوعي، فسارع الناس لإيقاظه، وحين فتح عينيه على اتساعهما ضحك ضحكة غريبة، وأشرق وجهه، وصار يغني…
تزاحمت الدنانير أمام عيني البائع الغريب الذي كان يغرف لهم بمهارة وخفة من برميله الألوان المختلفة.
– ضع لي بدينارين سعادة، بدينارين!
– اغرف لي بخمسة دنانير هدأة بال، وضع لي بعشرة دنانير سعادة، وبخمسة هدأة بالٍ!
فأوقف البائع الغريب البيع، وقال بصرامة: لا يسمح بأكثر من دينار، الكيس يكفي لشهر من كل حال.
رجل وهو يشد رَجُلًا من ملابسه: الكمية التي معك أكثر من التي معي!
امرأة وهي تصيح في البائع: هذه سرقت زوجي، دمرت حياتي، لا تبعها.
– هذا ظلمني وسرق أرضي، لا تبعه!
البائع بصوته الرخيم: البيع لمن طلب؛ وإلا زال أثر اللون، وفقد أثره وفاعليته.
وعلت الأصوات في طرف آخر من ساحة الحارة
– هذا كيس السعادة لي، أنا وضعته هنا، وذهبت للحمام.
– لا، هذا لي؛ اشتريته من جاري سمير!
صوت نسائي ناعم برجاء وتودد: عمو، كيلو سعادة، وكيلو هدأة بال، هل يمكنني أن أضم عائلتي كلها مجتمعة في أثرهما؟
ومن نوافذ البيوت خرجت أصوات عتاب واحتجاج ممزوجة بصرخات غضب.
طفل تسلل إلى حيث السيارة المزركشة من بين الحشود المتزاحمة وهو يمسك دينارًا بأصابعه: أعطني كيسين من السعادة!
البائع بحب: كيس واحد فقط! 
– يا عمو، يا عمو، واحد لأبي، وواحد لأمي.
لكن يدًا صلبة أزاحت الصبي بقوة… 
– المعلم يسلم عليك، ويقول لك أوقف البيع، البرميل محجوز، نحن سنتولى بيع ما في البرميل للناس، خذ هذا ثمنه، وثمن حافلتك.
– لا لا، أنتم مش فاهمين الموضوع، لا يمكن… لكن يدًا طويلة قوية قاسية لطمت البائع على وجهه لطمة قوية، أوقعته على الأرض، وتساقطت من عينيه على الأرض نظرات حزينة قلقة مرتبكة، فتراجع الناس بخوف وغضب.
ملأت الساحة عربات سوداء كثيرة دخلت من كل اتجاه، خرج منها رجال ملثمون، أحاطوا بالسيارة المزركشة، ورفعوها بما فيها ومن فيها، ومضوا وهم يلوحون للناس بأيدٍ فرحة! 

*كاتب من الأردن

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود