مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

منى حشيش* هي مجرد فلاحة فقيرة، حالها حال  الأغلبية ممن يقطنون الريف المصري. ورغم …

هي وأبو قردان

منذ 6 أشهر

131

0


منى حشيش*

هي مجرد فلاحة فقيرة، حالها حال  الأغلبية ممن يقطنون الريف المصري. ورغم فقرها وجهلها كانت فصيحة اللسان.. وكان زوجها دائم الشكوى من إزعاجها المستمر له عندما تجادله في أمور الحياة، فكان يريدها امرأة بشخصية مستكنة، ضعيفة، راضية، ترهب زوجها، وتسعى لإرضائه، وتتغاضى عن أخطائه، وترى ظلمه عدلًا، وقسوته رجولة، وحماقته حكمةً أتت من قوة السعادة.
هي جميلة جمال الطبيعة… شعرها أبنوسي، وعيونها كحيلة… لكن صفار خديها تجعلها تحتاج إلى أحمر الخدود… وجفاف بشرتها ناصعة البياض يجبرها على دهان مرطب الجلود. ترتبط بالطبيعة ارتباطاً وثيقاً، تعطيها الشمس الأمل والطاقة، وتأخذ الأرض منها الهموم والألم. تلبس أحلى الجلباب وتختار أزهى الألوان، وتتدلى ضفيرتاها الطويلتان من تحت رباط رأسها
كالنخلتين الفارعتين. تنظر في المرآة كل يوم لا لترى وجهها.. بل وجه أبو قردان الهزيل المتواجد في الحقل أمام دارها. لا تفزع من ذلك ولا تعجب، فأبو قردان صديق الفالحة… تستبشر كلما رأته ينظف الحقل من الديدان.
هي أمية مثل باقي فالحات القرية، ورغم أميتها تشعر أنها إنسانة لها حقوق وليست مجرد خادمة لزوجها. علمتها الفطرة أن تفكر وتطلب ما يحقق لها الأمان والاستقرار النفسي. ولأن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، رزقها الله بزوج يعاملها كالجارية الرخيصة، ويهيج كلما طلبت منه حقوقها، فهو لا يعترف أن لها أية حق، فقد تربى على معتقد أن الرجل سيد داره والمرأة مسخرة لخدمته.

هي: ألا تتقي الله يا رجل وتكتب لي الدار؟
هو: ألا تكفي عن هذه السيرة؟ ألا تزهقين يا امرأة؟
هي: لن أكف عن المطالبة بحقي.
هو: ليس لك حق.
هي: من حقي أن أشعر بالأمان في منزل الزوجية.

هو: لا يعطيك القانون هذا الحق.
اعطه أنت لي. إذا ظلمني القانون أنصفني أنت بحق خدمتي لك طوال هذه السنين.
هي: إذًا.

هو: ألا تملين؟

هو: كفاك إلحاحاً.
هي: ماذا لو -كفاك الله الشر- حدث لك مكروه؟ زوجتك الثانية وأولادك سوف يخرجونني من داري.. أين أذهب آنذاك؟
هو: كيف تجرؤين وتفكرين في موتي يا امرأة؟
هي: كلنا سنموت لا محالة يا رجل.
الميراث الشرعي هو سنة الله.
هو: إذًا.
هي: الله عادل، ولم يقل أن تذهب الأرملة إلى الشارع!
هو: لن أكتب لك الدار، ولا أهتم بما يحدث بعد وفاتي.
هي: ألا تخاف الله يا رجل؟
هو: اصمتي يا امرأة أو اغربي عن وجهي هذه الساعة! إذهبي وأعدي لي الغداء.. بدأت أشعر بالجوع.
هي في غيظ: سمعاً وطاعة.
هو: يهديك الله.
وبعد مرور ساعة ونصف، نادت على زوجها وأخبرته أن الطعام جاهز وساخن، فهرول وجلس على المائدة، وأثنى على زوجته لرائحة الطعام الشهي.
هو: تبدو الدجاجة رائعة هذه المرة!
هي: كل بالهناء والشفاء.
هو بعد التهام نصف الدجاجة: يا إلهي! معدتي تؤلمني كثيرًا.
هي في برود: شفاك الله!
هو يئن من الألم ويقبض على بطنه: ما لك باردة هكذا؟ لماذا لم تأكلين معي؟ أدسست السم لي يا
امرأة؟!
هي: تعلمت القانون منك.. اطمئن! لن أسمك فأدخل السجن.
هو يلتوي من الألم: معدتي! انطقي يا امرأة! ماذا وضعت في الطعام؟
هي في أسى: أبو قردان المسكين كان يعيش في حقلنا.. لا أدري لم فعلت ذلك به!
هو يقرص على معدته: ما علاقة أبو قردان بالطعام؟ أتقصدين..؟!
فأرحته من الحياة وذبحته!

هي تنهار: رأيته هزيلًا ضعيفاً وسخاً.
هو في فزع: وأنا أكلته؟!
هوى الزوج على الأرض من الصدمة والألم، وأمر زوجته أن تحضر من ينقله لدار المعالج بسرعة. ارتادت الزوجة حالة غريبة من عدم التركيز، وبدأت تنظر إلى زوجها الملقى على الأرض باستغراب وبرود.. لم تبال بما يقول.. بل صارت تتحدث إليه عما يدور بذهنها المشتت.

قط طيلة حياته.

هي: ما ذنب هذا الطائر المسكين؟ لم يجد هناءً؟!
هو: عما تتحدثين الآن؟ إني أموت!
هي: لم ينصفه قانون الدنيا.. سيجد الراحة في الآخرة.
انجديني! أموت!
هو: تباً ما كان يستحق المسكين تلك النهاية أبداً!
هي: تنفجر باكيةً.
هو بدأ يفقد الوعي وينخفض صوته: النجدة!

*كاتبة من مصر
جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود