6
0
5
0
21
0
7
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13772
0
13608
0
12428
0
12230
0
9751
0
إعداد/ حصة بنت عبد العزيز*
يشهد أدب الطفل اليوم حضورًا متناميًا، تتسع معه الإصدارات وتتنوّع موضوعاته وأشكاله، ومع هذا الحضور، تبرز أسئلة الجودة، وقدرة المحتوى على ملامسة عالم الطفل واحتياجاته المتجددة، فكيف يمكن أن يواكب أدب الطفل تحولات العصر، ويحافظ في الوقت ذاته على قيمته الأدبية والجمالية؟ وأين تقف مسؤولية الكاتب والناشر والنقد المتخصص في صناعة هذا المحتوى؟ وهل تكفي وفرة الإنتاج لصناعة أدب يبقى في ذاكرة الطفل ويصنع أثره؟ ولرصد واقع أدب الطفل من زوايا متعددة، استطلعنا آراء عدد من الكتّاب والباحثين والمختصين من خلال المحاور التالية، مستندين إلى تجاربهم وقراءاتهم للمشهد.
_كيف تقرؤون مستوى الجودة في أدب الطفل اليوم في ظل تزايد الإصدارات وتنوعها؟
_ما المعايير التي ينبغي أن تتوافر في النص الأدبي الموجّه للطفل ليحقق الجودة الأدبية ويخاطب ذائقته؟
_ إلى أي مدى يسهم الكاتب والناشر في الارتقاء بجودة المحتوى الموجّه للطفل؟
_ما دور النقد المتخصص في تقييم جودة أدب الطفل والكشف عن مكامن القوة والقصور فيه؟
_كيف يمكن تطوير محتوى أدب الطفل مستقبلًا بما يواكب تطور وعي الطفل واهتماماته، مع الحفاظ على القيمة الأدبية والجمالية؟
أدب الطفل أدب بناء وحياة

وبدايةً، أكد الكاتب المصري جمال بركات، رئيس مركز ثقافة الألفية الثالثة، أن الطفل يولد ولديه استعداد لاستقبال ما يُحكى له، دون أن تكون لديه القدرة على فهم هذا الحكي، وكثيرًا ما يتفاعل معه بالضحك والسرور أو البكاء. وعندما يصل إلى مرحلة التمييز، يبدأ الاستقبال بإنصات واهتمام، ويفكر فيما يصل إلى أذنيه، ويسرح ويحلق في الخيال مع ما يسمع أو يقرأ، ثم تتوالى تساؤلاته: كيف؟ ولماذا؟
ويؤكد أن الطفل حين يطرح تساؤلاته يريد إجابات، وليس أي إجابات، وإنما إجابات مقنعة، مشيرًا إلى أن الطفل كثيرًا ما يطرح أسئلة قد تعجز بعض الكبار عن الإجابة عنها.
ومن هنا، يطرح بركات القضية القديمة الجديدة المتجددة: «هل الأدب للأدب أم الأدب للحياة؟». ويقول إنه حسم أمره منذ عشرات السنين بأن «الأدب للحياة للكبار والصغار»، وأن «أدب الصغار هو أدب بناء»، ولا يجوز فيه إلا أن يكون أدب بناء للحياة.
من حكايات الطفولة إلى «حكّاء المدرسة»
ويستعيد بركات بدايات تجربته مع أدب الأطفال، التي بدأت قبل دخوله المدرسة، حين كان رئيسًا لفريق اللعب؛ فبعد ممارسة الألعاب البدنية، كان يجلس مع الأطفال ليحكي لهم ما قرأه أو سمعه.
وفي الصف الأول الابتدائي، اكتشف مدرس الفصل، الأستاذ إبراهيم السيد ـ رحمه الله ـ في اليوم الأول للدراسة، أنه يجيد القراءة والكتابة والحساب إجادة تامة، فدهش وقال له: «نحن لن نستطيع أن نفيدك بشيء في المرحلة الابتدائية، ولكن سنرى كيف نتعامل معك».
وفي نهاية اليوم الدراسي، أعطاه معلمه رواية «وا إسلاماه» التي كان قد قرأ بعض صفحاتها أمامه أثناء اختباره، وطلب منه أن يقرأها في المنزل ليحكيها للتلاميذ في اليوم التالي.
ويقول بركات إنه قرأ الرواية في المنزل وبكى كثيرًا لما حدث لأسرة السلطان جلال الدين من مآسٍ، وفي اليوم التالي وقف أمام الأطفال، بعد أن تنازل له المعلم عن ربع الحصص، ليحكي لهم رواية «وا إسلاماه» لعلي أحمد باكثير. واستمع الأطفال، وارتسمت علامات الحزن على وجوههم، فيما استمع الأستاذ إبراهيم بإنصات واهتمام، واستمر هذا الوضع لمدة شهر.
وفي الشهر الثاني، أعطاه المعلم قصتين كل يوم ليقوم بما فعله في الشهر الأول، وتنازل له عن نصف الوقت. وفي الشهر الثالث، أعطاه ثلاث قصص، وتعجب من قدرته على قراءتها وحكيها في اليوم التالي، فيما كان يجلس ليستمع مع الأطفال. وفي بعض الأيام، حين يكون المعلم متعبًا، كان يترك له اليوم كاملًا ليحكي للأطفال وهم صامتون، وأحيانًا كان ناظر المدرسة يأتي ليستمع، وكذلك بعض المدرسين.
وحين قرأ بركات كل ما في مكتبة المدرسة من كتب، أخذ أخوه الشهيد سيد بركات يأتيه بالكتب التي يشتريها له ليقوم بدوره، لكن ذلك لم يكن كافيًا؛ فاضطر في النهاية إلى تأليف القصص بنفسه ليحكيها في اليوم التالي. ويقول: «فهذه هي وظيفتي في المدرسة؛ لأنهم اعتبروني حكّاء المدرسة وضمن هيئة تدريسها طوال السنوات الست الابتدائية».
التشويق.. مفتاح الحكاية
ويؤكد بركات أن «العنصر الأول والحاكم في عملية الحكي هو عنصر التشويق»، فيما يأتي موضوع القصة بوصفه العنصر الثاني، موضحًا أن الخير لابد أن ينتصر فيها مهما كانت قوة الشر، لكن الوصول إلى هذا الانتصار يجب أن يكون مقنعًا، «حتى لو كان التناول خياليًا».
ويشير إلى أن تجربته في الكتابة للطفل امتدت لأكثر من ستين عامًا دون انقطاع. كما يستعيد موقفًا جمعه بالزميلة والصديقة الدكتورة سيدة حامد ـ رحمها الله ـ عندما طلبت منه الانضمام إلى «معجم كتاب الطفل» الذي كانت تحرره، فاقترح عليها تخصيص معجم لأصحاب المئة كتاب للطفل، وكان يرى أنه سيكون من بينهم.
ويذكر أن الدكتورة سيدة حامد كانت قد رصدت بالفعل سبعة عشر أو ثمانية عشر كاتبًا، إلا أن الموت اختطفها قبل اكتمال المشروع، مؤكدًا أن المشروع ما زال قائمًا، وربما يرى النور خلال بضعة أعوام قليلة، ويضم كتابًا من مصر والسعودية والإمارات والكويت ولبنان وغيرها من الدول العربية.
«أدب الطفل أدب بناء»
ويكرر بركات تأكيده أن «أدب الطفل هو أدب بناء»، وأنه يجب أن يكتبه «كبار كبار كبار الكتاب»، موضحًا أن ليس كل روائي كبير أو شاعر كبير قادرًا على الكتابة للطفل.
ويشير إلى أن بعض الكبار رفضوا خوض التجربة، فيما حاول بعضهم الآخر وترك تجارب وصفها بالساذجة. وينتقد، في الوقت نفسه، توجه بعض من حاولوا الكتابة للكبار وفشلوا إلى الكتابة للطفل، والتقاط فكرة من هنا واستعارة فكرة من هناك، ثم أصبحوا من كتاب الأطفال بحكم الأمر الواقع، بل إن بعضهم يمثل كتاب الأطفال في المحافل وداخل لجان الكتابة للطفل.
النشر والنقد.. أسئلة الجودة
وفي حديثه عن دور النشر، يرى بركات أن الغالبية العظمى منها تبحث عن العائد المادي، ولا تولي المستوى الذي يُقدَّم للطفل الاهتمام الكافي، مشيرًا إلى أن بعض دور النشر التي لديها لجان تحكيم تكون لجانها، بحسب رأيه، شكلية وقدراتها سطحية.
أما دور النشر الحكومية، فيرى أن النشر فيها يتم باستخدام النفوذ أو العلاقات، ومن مفردات تلك العلاقات، بحسب ما يذكر، الهدايا وتبادل المصالح وغيرها، معتبرًا أن الأجانب يتفوقون كثيرًا في جوانب المصداقية والشفافية.
ويلفت كذلك إلى أن الندوات تُعقد لمناقشة الروايات ودواوين الشعر، «لكن لا أحد يناقش أدب الطفل»، كما يشير إلى أن بعض دور النشر قادرة على توزيع أي منتج للطفل بطرق وعلاقات غير عادية، بغض النظر عن الجودة.
ويختتم بركات رؤيته بالتأكيد على أن الأمور في العالم العربي تحتاج إلى إعادة نظر، وإلى الجدية والشفافية والمصداقية، «وليس مجرد كلمات بليغة نصف بها الأمور والتمنيات».
نقد أدب الطفل ما زال في مرحلة الحضانة

ويشاركنا من مصر الكاتب مصطفى القاضي، كاتب أدب أطفال، وسكرتير عام اتحاد الكتاب الأسبق، رؤيته للمشهد الراهن لأدب الطفل، مستندًا إلى تجربة امتدت لأكثر من أربعين عاماً في الإشراف على أقسام وصفحات الأدب، والتعامل مع كتّاب من مختلف التخصصات والأعمار، متوقفاً عند ملامح حضور أدب الأطفال، وما طرأ عليه من متغيرات، ومستوى بعض الإصدارات، ودور النشر، وغياب النقد المتخصص.
يقول القاضي إنه خلال سنوات عمله، كانت الغالبية العظمى من المبدعين تميل إلى كتابة شعر العامية، يليه شعر التفعيلة، ثم تأتي القصة والرواية، بينما كان أدب الأطفال يأتي في ذيل القائمة، وكان عدد كتّاب الأطفال محدودًا، كما أنهم لم يكونوا يحضرون الندوات الأسبوعية التي كانت تُعقد في جريدتي «المساء» و«الجمهورية»، بمشاركة كبار النقاد والأدباء لمناقشة أعمال الشباب، ولذلك، كان تواصله معهم يتم مباشرة، وكان حضورهم إلى مكتبه حضوراً خاصاً.
من القصة القصيرة إلى قصص الأطفال : ويتوقف القاضي عند بعض المتغيرات التي شهدها المشهد الأدبي مع مرور السنين، موضحاً أن الـنقد داخـل الـندوات دفـع بعض الكتّاب، ممن شـعروا بـأن أعمالهم القصصية تـعرضت لـنقد شـديد، وأحسوا أن ذلك يكاد يُخرجهم من فئة المبدعين، إلى ترك القصة القصيرة، لكنهم، بحسب وصفه، لم يتجهوا إلى الشعر، وإنما اتجهوا إلى كتابة قصص الأطفال، حيث لا نقد ولا إحراج، ثم يتوجهون بأعمالهم إلى الناشر الـعام مـباشرة، إن استطاعوا، أو إلى الناشر الخاص، وهو أمر ميسور إذا تم التجاوب معهم في النواحي المادية، ويرى القاضي أن تنامي هذه الفئة وتزايد أعدادها أدّيا إلى ظهور كتب كثيرة في أدب الطفل لا يمكن مقارنتها بالكتب التي كانت تصدر بأقلام الرواد، ويشير القاضي إلى أنه رغم تفاعله وصداقته بأساطين القصة والرواية على المستويين العام والخاص، لم يكتب منذ بداية تجربته الأدبية حتى الآن إلا للأطفال، وقد كتب في مجالات متعددة، وإن كان مجال الحق والعدل قد أخذ النصيب الأكبر من حبر قلمه، مع حضور صورة والده، القاضي ورئيس المحكمة، في بعض قصصه.
ومن هنا، يطرح تساؤلًاً يراه جوهريًا أمام كل أديب يكتب للطفل: «لماذا يكتب للطفل؟ هل يكتب ليسلّي الطفل ويبهره، أم أنه يكتب ليزرع داخل الطفل القيم والمبادئ؟»
ويستعيد القاضي جانبًا من تجربته في باب «كتب في كتب»، الذي ظل يحرره لسنوات طويلة، موضحاً أن كتباً كثيرة كانت تُرسل إليه لنشر بضعة أسطر عنها، وأن الكاتب كان يتصل به تارة، والناشر تارة أخرى، في محاولة للتأثير عليه.
ويقول إنه كان يُصاب بالصدمة حين يقرأ بعض هذه الكتب؛ إذ يجدها، بحسب وصفه، مجرد حكايات ساذجة مصحوبة ببعض الرسومات، بل إن الرسام، في رأيه، قد أجاد أكثر ألف مرة من الكاتب الذي افتعل حكاية أقل من ساذجة، إن جاز التعبير.
ويـضيف أن الـناشر يـأخـذ الكتاب بـعـد الاتـفاقات الـمـادية التي تـمت بينه وبين الكاتب، ثم يكلّف الـرسام بـرسم صـوره، والمدقق اللغوي بتصحيح كلماته وتشكيل حروفه، وبخبرته التسويقية وعلاقاته، يعرف الناشر كيف يسوّق هذه الكتب لتصل إلى أرفف مكتبات النوادي والمدارس، ويقرؤها التلاميذ، فيما ستكون النتيجة، على حد تعبيره، «الإفادة صفرًا بالطبع».
ويتساءل القاضي: «ومن يضع الأمل في ناشر القطاع الخاص؟». وفيما يتعلق بتوجيه الكتّاب والحد من تقديم الأعمال التي يراها ساذجة، يؤكد القاضي أن الجدل في هذا الموضوع لن يجدي؛ لأن المعنيين به سيعتبرون أن من يوجّههم يريد أن يحجر عليهم وعلى فكرهم، ويرى أن الصواب هو أن يأتي القرار من كاتب الأطفال ذاته؛ فإذا وجد أن كتابته ستقدم عملًا ساذجًا، فعليه أن يتوقف
ويختتم القاضي حديثه بالتوقف عند واقع النقد المتخصص لكتب الأطفال، قائلًا: «أما بالنسبة إلى نقد كتب الأطفال، فهذا النقد ما زال في مرحلة الحضانة، ولم يدخل المرحلة الابتدائية، وأمامه مراحل كثيرة ليلحق بمرحلة نقد الرواية والشعر».
أدب الطفل توازن بين المتعة وعمق التجربة

ومن جانب آخر، يرى الدكتور صالح الثبيتي أن أدب الطفل اليوم يشهد اتساعًا ملحوظًا في حجم الإصدارات وتنوع موضوعاتها وأشكالها، وهو أمر إيجابي من حيث إتاحة خيارات متعددة أمام الطفل، لكنه لا يعني بالضرورة ارتفاع مستوى الجودة بالقدرنفسه، فالتحدي الحقيقي لم يعد في كثرة الإنتاج، وإنما في جودة الاختيار والقدرة على تقديم نص يجمع بين المتعة والقيمة، ويشير الثبيتي إلى أن المشهد الحالي يضم أعمالًا متميزة استطاعت أن تراعي خصوصية الطفل وخصائصه النفسية واللغوية والجمالية، إلى جانب أعمال أخرى يغلب عليها الطابع التعليمي المباشر أو التكرار في الأفكار والأساليب، ومن هنا، تبرز الحاجة إلى الاهتمام بالكيف إلى جانب الكم، وإلى وجود معايير واضحة تساعد على تمييز العمل الأدبي الجيد، وفيما يتعلق بالمعايير التي ينبغي أن تتوافر في النص الأدبي الموجّه للطفل، يرى الثبيتي أن جودته تقوم على مجموعة من العناصر المتكاملة، من أهمها جودة اللغة وسلامتها، مع مناسبتها للمرحلة العمرية دون تسطيح أو تعقيد، وقوة الفكرة وأصالتها وابتعادها عن الوعظ المباشر والتكرار، إلى جانب جاذبية البناء القصصي، ووجود شخصيات وأحداث قادرة على إثارة فضول الطفل.
كما يؤكد على أهمية تحقيق المتعة قبل التلقين؛ فالطفل يُقبل على الأدب لأنه يستمتع به، ومن خلال المتعة يمكن أن تتشكل لديه القيم والمعارف، ويشدد كذلك على احترام عقل الطفل وذكائه وخياله، وعدم التعامل معه باعتباره متلقياً سلبياً، مع العناية بالقيمة الجمالية في اللغة والصورة والإيقاع والحوار، ومراعاة المرحلة العمرية وخصوصية البيئة الثقافية والاجتماعية، ويضيف أن النص الجيد هو الذي يفتح المجال أمام الخيال والتساؤل والتفكير والإبداع، بدلاً من تقديم إجابات جاهزة دائماً.
وعن دور الكاتب والناشر في الارتقاء بجودة المحتوى الموجّه للطفل، يؤكد الثبيتي أن المسؤولية مشتركة؛ فالكاتب هو نقطة البداية، وعليه أن يمتلك وعيًا أدبيًا وتربويًا بطبيعة الطفل، وأن يكتب له بوصفه قارئًا حقيقيًا له ذائقته وأسئلته وخياله، لا بوصفه متلقياً صغيراً لمجموعة من التعليمات.
أما الناشر، فيرى أن دوره يتجاوز الطباعة والإخراج إلى اختيارالنصوص الجيدة، والاستعانة بالمحررين والمتخصصين، والاهتمام بالرسوم والتصميم والإخراج الفني بما يتناسب مع الفئة العمرية المستهدفة.
ويشير إلى أن التعاون بين الكاتب والرسام والمحرر والمختص التربوي والناشر يمكن أن ينتج عملاً أكثر نضجاً وتكاملاً ، وأن ارتفاع الوعي المهني لدى هذه الأطراف ينعكس بصورة مباشرة على جودة المنتج الأدبي المقدّم للطفل.
ويولي الثبيتي النقد المتخصص أهمية كبيرة في بناء مشهد ناضج لأدب الطفل، موضحًا أنه لا يكتفي بالإشادة بالأعمال أو التعريف بها، وإنما يقدم قراءة تحليلية تكشف جوانب القوة والضعف، وتساعد على تطوير التجربة الأدبية.
وتزداد أهمية النقد، بحسب رأيه، حين يقوم على معرفة حقيقية بخصائص أدب الطفل وعلم نفس الطفل ومراحل نموه إلى جانب امتلاك أدوات النقد الأدبي والجمالي. كما يمكن للنقد الجاد أن يسهم في توجيه الكتّاب والناشرين، وإثراء الحوار حول الأعمال المقدمة للأطفال، والمساعدة في تكوين ذائقة واعية لدى المربين والأسر والمهتمين.
وعن سبل تطوير أدب الطفل مستقبلًا، يعتقد الثبيتي أن الأمر يتطلب الاقتراب أكثر من عالم الطفل المعاصر، دون الوقوع في أسر اللحظة أو التقنية، فالطفل اليوم أكثر اتصالًا بالعالم، وأكثر تعرضاً للمعلومات والصور والمنصات الرقمية، ولذلك يحتاج إلى أدب يلامس أسئلته الجديدة وقضاياه واهتماماته، ويرى أهمية أن تتجه الكتابة إلى موضوعات مثل التفكير والإبداع، والهوية، والعلاقات الإنسانية، والبيئة، والتنوع الثقافي، والتقنية، مع تقديمها في قالب أدبي ممتع وجذاب، وفي الوقت نفسه، يشدد على ألا تتحول مواكبة العصر إلى التضحية باللغة والجمال والأسلوب؛ فالتطور الحقيقي لا يعني التخلي عن الأدب، وإنما توظيف الوسائط والأفكار الجديدة لخدمته، وإعادة تقديم الحكاية بصورة تجعل الطفل شريكًا في التجربة، لا مجرد متلقٍ لها، ويختتم الثبيتي رأيه بالتأكيد على أن جودة أدب الطفل في المستقبل ستتحدد بقدرته على تحقيق معادلة متوازنة بين المتعة والقيمة، والخيال والمعرفة، والأصالة والمعاصرة، والبساطة والعمق. فالأدب الذي يبقى في ذاكرة الطفل ليس بالضرورة الأكثر تعليماً، وإنما غالباً ذلك العمل الذي جعله يشعر، ويتخيل ويتساءل، ويكتشف شيئًا جديدًا عن نفسه والعالم من حوله.
محك الجودة هو ملامسة احتياجات الطفل

ترى الأديبة والباحثة في أدب الطفل، الأستاذة شوقية محمد الأنصاري، أن رؤية أدب الطفل السعودي تأسست على أصالة الجذور التاريخية، وتسامَت بآفاق عقول الأطفال المبدعة والمستقبلية، وتؤكد أن قياس مؤشر الجودة لا يكون بكثرة إصدارات القصص واتساع سوق التأليف والنشر، بل يرتكز على محتوى رصين يلامس مواهب جيل فطين.
وتشير إلى أن الفجوة تكمن في معايير الجودة المعرفية والجمالية والثقافية لأدب الطفل المعاصر؛ إذ إن المخرجات التي نلمسها لا ترتكز بالقدر الكافي على بناء طفل يمتلك هوية راسخة، وعقلًا مفكرًا ناقدًا، وخيالًا متدفقًا مبدعًا، بقدر ما ترتكز على رقمية تتزايد بالكم لا بالكيف، الجودة في أدب الطفل: من تجاوز النمطية إلى ملامسة حاجات الجيل.
توضح الأنصاري أن الساحة تشهد نمواً تجاوز النمطية التقليدية، مع ظهور جيل ناضج وواعٍ بعوالم الطفولة وآدابها من الكتّاب والرسامين والمترجمين، استطاع نقل أدب الطفل إلى سردية أكثر جمالية وفنية، متوشحة بالخيال وعالم الفنتازيا ومتمسكة بالقيم، لكنها ترى أن المحك في الجودة العصرية يبقى في تقديم أدب يلامس حاجات الطفل واليافع النفسية والاجتماعية، وينمّي خياله وإدراكه التصميمي، ويحفّز شغفه بالمتعة واللعب والمغامرة، ويثير أسئلته الفلسفية، ويوسّع معرفته ويصقل مهاراته، وتؤكد أننا أمام حاجة إلى تشكيل خطاب لغوي أدبي يواكب ثقافة جيل منفتح بخبراته ومعارفه وتجربته وتنوع إبداعاته.
وتلفت الأنصاري إلى أن طفولة العصر تعيش في تراكمات لغوية ومعرفية واجتماعية وثقافية وإعلامية، ويحيط بها العالم الرقمي مهيمنًا على فكرها وطبيعة لغتها التطويرية، وترى أن هذه التحولات في فكر الطفل واليافع وإبداعه تستدعي اقتراح معايير لكتابة أدبه بجودة عالية، من جوانب متعددة:
أولًا: المعايير الفنية: تتمثل في دمج الشخصية الحيوية للطفل بحبكة محكمة ومتماسكة في السرد، تتشعب في الخيال العلمي وتلامس جنونه بوصفه مغامرًا مخترعًا، في مدينته الذكية وفضاء تقنيات لعبته.
ثانيًا: المعايير الثقافية والإنسانية:
تقوم على تمكين الطفل واليافع من مقاومة الفضاء الرقمي بهوية واعية، تنهض بالتراث وتمتلك جدارات عالية في التعامل مع الجديد. وتشير إلى أن حضور شخصية الطفل السعودي بات نموذجًا محفزًا ينطلق منه الكتّاب لتوظيف التراث الشعبي والمهن والسياحة والتنوع الثقافي في قالب يتعايشه الطفل اليوم، بلغة مختلطة هجينة.
ثالثًا: المعايير اللغوية والجمالية: تؤكد على أهمية تمكين الطفل من مقاومة تداخل اللغة العامية الهشة بلغته العربية الفصيحة، حفاظًا على ذائقته، من خلال بناء معنى حيوي تترجمه اللغة وقد تمازجت مع الخيال والرمزية وفلسفة تساؤلاته، ليأتي الأدب مقنعًا لحسّه ووجدانه بحقيقة تجربته الجمالية.
ترى الأنصاري أن كثيرًا من النصوص الأدبية المتوسطة في مخرجاتها الفنية كان بالإمكان نقلها إلى مستوى رفيع من الجودة، لو مرّت بحاضنة أدبية نقدية تتولى تحريرها وإعادة تحسينها. وتؤكد أهمية وجود بيئة تجمع الكاتب والناشر وتُلزمهما بالإلمام بطبيعة نمو الطفل واليافع، ومراقبة تحولات مهاراته وحاجاته النفسية والاجتماعية، والتدقيق في نواتج لغته وإبداعه، وتستشهد بما أورده رافد شهاب في كتابه «أدب الأطفال في العالم العربي»:
«الأدب بوصفه شكلًا من الإبداعات الإنسانية يعتمد على ركائز ثلاث: الأولى هي قدرته على التعبير، والثانية ارتباطه بقواعد فنية تكسبه الصفة الفنية، والثالثة نوع الكلمة التي يستعملها، ولقد أصبح الاهتمام بالطفولة من سمات هذا العصر الذي نعيش فيه، فالأطفال هم مرآة المجتمع، ففيهم يستطيع المجتمع أن يرى كيف تكون عليه صورته مستقبلًا، وتعدّ مرحلة الطفولة أهم مرحلة في بناء الإنسان»، وتخلص إلى أن الكاتب ليس مجرد ناقل للمعلومة، بل مهندس للخيال، وأن الناشر ليس منتجًا لكتاب الطفل فحسب، بل شريك ثقافي في رفع جودة الاحتراف في نصوص أدب الطفل ورسوماته.
تؤكد الأنصاري أن نقد أدب الطفل بات مرتبطًا بثقافة الطفل واليافع ومهاراته وإبداعه؛ فالإلمام بالقنوات المحيطة بالموهبة، وفهم كيفية تلقيهما الإنتاج الأدبي والفني، المرئي والمسموع والرقمي الفضائي، أمور مترابطة في أدواتها وتحتّم على الناقد في أدب الطفل مواكبة هذا الإبداع التفاعلي.
وتستشهد بما وصفه سعيد يقطين في كتابه «من النص إلى النص المترابط»، إذ يقول: «إن توظيف أداة جديدة للتواصل يؤدي إلى خلق أشكال جديدة للتواصل».
وترى أن نقد أدب الطفل ما زال يواجه حلقة غائبة بين النص وبطله، أي الطفل واليافع، ومن خلال نقد النصوص، يمكن إعادة إنتاج المعرفة للطفولة، وتحسين اتجاهاتها وصقل مهارات مخيلاتها.
وتؤكد على الحاجة إلى مختبرات نقدية تحفّز النقاد والأدباء والتربويين والنفسيين والاجتماعيين للعمل ضمن حلقة واحدة، ترصد وتحلل الفجوات المتعلقة بالطفل بوصفه فاعلًا وبطلًا في النص، وبالخيال العلمي والتمثيل الثقافي وبالأدب البيئي والتحول الرقمي، وتعتقد الأنصاري أن المؤسسات الثقافية الحكومية والخاصة والأهلية باتت تتجه إلى تصميم خارطة استراتيجية لدعم أدب الطفل وثقافته، لكنها بحاجة إلى لغة جمعية تحت مظلة وزارة الثقافة، ترسم رؤية متكاملة واستراتيجية واعدة لما بعد عام 2030، بما يسهم في تفادي التكرار وتشتت الجهود، وتشير إلى أن أدب الطفل السعودي يشهد مرحلة تصدير إلى الخارج عبر نوافذ ومحطات تنموية وثقافية متنوعة، من بينها مشاركة وزارة الثقافة في معارض الكتاب العربية والدولية، حيث يحضر أدب الطفل بالكتاب والمحاضرة والتقنية والطفولة المشاركة.
وترى أن حقيقة مستقبل أدب الطفل السعودي تكمن في بناء هوية الطفل واليافع وتنمية قدراته البشرية؛ ليقرأ في وطنه كل يوم قصة، ويغمس من تربة ثرواته تجارب الرحلة الروائية، ويكتشف في كنوز ثرواته البيئية أسراراً تصمم خياله الإبداعي وتشعله بالطاقة، فيحتضن حاضنات الابتكار المؤسسي بكل ثقة وجدارة وتحدد لذلك عددًا من النوافذ، من أبرزها تحسين جودة المحتوى بما يتوافق مع الانفتاح على العصر الرقمي والفضاء، وإعادة إنتاج التراث، والتصميم بتقنيات الواقع الافتراضي، وفتح نوافذ أمام الطفل المؤلف ليعدد إنتاج قصته عبر الوسائط الرقمية والفنية عالية الجودة، بما يحفزه على دخول عالم الريادة الثقافية واقتصاد المعرفة.
الوفرة العددية لا تعني ارتفاع المستوى الفني

ومن جانب آخر، يستشهد الكاتب الدكتور خالد الجريان بأن ازدياد الإصدارات وتنوّع موضوعاتها وأشكالها دليل على اتساع الوعي بأهمية الطفولة، وعلى تحوّل أدب الطفل إلى مجال ثقافي وتربوي واستثماري ذي حضور متنامٍ. غير أن الوفرة العددية لا تعني بالضرورة ارتفاع المستوى الفني؛ إذ تكشف بعض الإصدارات عن تفاوت واضح في اللغة والبناء والرؤية، وعن هيمنة النص التعليمي المباشر أو الوعظي أو القيمي على حساب الصورة الأدبية والخيال. ومن ثمّ، يرى الجريان أن معيار الجودة لا ينبغي أن يُقاس بكثرة العناوين، بل بقدرة النص على الجمع بين المتعة والمعنى، وبين البساطة والعمق، وبين احترام عقل الطفل وإثارة أسئلته.
وفي حديثه عن المعايير التي تحقق جودة النص الأدبي الموجّه للطفل، يؤكد الجريان أن الكتابة ينبغي أن تنطلق أولًا من رؤية تحترم عقل الطفل بوصفه قارئًا كامل الأهلية، لا متلقيًا سلبيًا للتوجيه. فالطفل يحتاج إلى نص يفتح أمامه إمكانات الدهشة والتخيّل، ويمنحه فرصة المشاركة الوجدانية والفكرية، لا إلى خطاب مباشر يلقّنه القيم تلقينًا.
ويحدد عددًا من المعايير المهمة، من أبرزها سلامة اللغة ووضوحها وثراؤها، من غير ابتذال أو تعقيد مصطنع، وإحكام البناء القصصي، وتماسك الشخصيات، وصدق الحوار، وحيوية الإيقاع. كما يشير إلى ضرورة أن تتوازن الفكرة مع الفن؛ فالقيمة التربوية لا تُلغي القيمة الجمالية، بل تتشكل داخلها ومن خلالها. ويظل الخيال، في رأيه، عنصرًا حاسمًا في أدب الطفل، شريطة أن يكون خيالًا منضبطًا، قادرًا على توسيع أفق الطفل وتعزيز حسّه الجمالي والنقدي.
ولا تقل مسؤولية الكاتب عن مسؤولية الناشر في الارتقاء بجودة المحتوى، بحسب الجريان؛ فالكاتب مطالب بأن ينصت إلى عالم الطفل الحقيقي، وأن يدرس تحوّلات وعيه واهتماماته، وأن يتجنب الكتابة من برج الكبار أو إسقاط تصوراتهم الجاهزة على الطفولة. كما يحتاج إلى وعي باللغة والصورة والإيقاع، وإلى مراجعة نصه مراجعة فنية وتربوية دقيقة. أما الناشر، فيتجاوز دوره الطباعة والتوزيع إلى اكتشاف المواهب، والاستعانة بالمحررين المتخصصين والمراجعين اللغويين والرسامين القادرين على بناء علاقة متكاملة بين النص والصورة، فالكتاب الناجح للطفل، كما يوضح، ثمرة عمل جماعي تشترك فيه الكتابة والتحرير والإخراج الفني والتسويق الثقافي.
وعن مستقبل أدب الطفل، يرى الجريان أن تطويره يتطلب الانفتاح على التحولات التي يعيشها الطفل في عصر التقنية والذكاء الاصطناعي وتعدد الوسائط، ومنها الأدب الرقمي المرئي، من غير الارتهان إلى منطق السرعة والاستهلاك.
ويؤكد أهمية اتساع الموضوعات لتشمل أسئلة البيئة والهوية والتنوع الثقافي والعلاقات الإنسانية والصحة النفسية والعالم الرقمي، على أن تُقدَّم في صيغ فنية نابضة، لا في صورة دروس مباشرة، كما يشير إلى إمكان الإفادة من الكتاب التفاعلي والقصص الرقمية والوسائط السمعية والبصرية، مع بقاء التقنية أداةً لخدمة الأدب لا بديلًا عنه.
ويختتم الجريان رأيه بالتأكيد على أن مستقبل أدب الطفل مرهون بقدرته على الجمع بين أصالة اللغة العربية وخصوبة الخيال ووعي الواقع واحترام ذكاء الطفل؛ فالأدب الجيد، في نظره، لا يكتفي بأن يعلّم الطفل كيف يقرأ العالم، بل يمنحه أيضًا القدرة على تخيّل عالم أكثر إنسانية وجمالًا.
الكاتب والناشر يسهمان في جودة المحتوى

ترى الكاتبة والباحثة في أدب الطفل العراقية زاهدة العسافي أن الكاتب والناشر يسهمان في جودة المحتوى الموجّه للطفل، متى استوعب الكاتب العمر الذي يكتب له، والبيئة التي يعيش فيها الطفل، وحرص على تقديم نص بلغة سلسة وبسيطة، تتناسب مع مستوى إدراكه وقدرته على الفهم، فمراعاة الفئة العمرية التي تُكتب لها القصة تؤدي دورًا كبيرًا في نجاحها وتأثيرها، إلى جانب المعايير الأخرى المطلوبة.
وتؤكد العسافي أهمية اختيار موضوعات محببة إلى الطفل، كالطبيعة والحيوانات وصياغتها بأسلوب يجذب انتباهه ويثير في نفسه الأسئلة والتساؤلات، كما تشدد على ضرورة الابتعاد عن موضوعات الموت والحروب والمآسي، لما تراه من أثر سلبي لها في نفسية الطفل، وما قد تسببه من خدش لبراءته وصفاء روحه. وتشير إلى أن قصة الطفل يُحبَّذ أن تأتي في صورة سيناريو حواري يلهمه ويعلّمه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة المحبة وروح المساعدة والميل إلى السلم، ومساندة الآخرين حين يحتاجون إلى العون.
وترى أن على الكاتب الاهتمام بالبذور الأولى للقيم، وبموضوعات تتصل بنشأة الكون، وشروق الشمس، وتعاقب الفصول، والليل والنهار، وغيرها من الظواهر. وتلفت العسافي إلى أهمية أن تكون النتاجات واضحة وهادفة ودقيقة في قصصها وحواراتها ورسوماتها، بعيدة عن الغموض واللبس، كما تدعو إلى تشجيع الطفل على ترديد الحوارات مع إخوته أو أصدقائه، وتطبيق ما يفهمه في الواقع؛ كأن يزرع وردة ويسقيها ويراقب نموها، بما يربط ما يتعلمه بالاستمرارية والتطبيق العملي.
وتختتم رأيها بالتأكيد على ضرورة الابتعاد عن فكر الكسب المادي والمتاجرة بوعي الأطفال، فهم، بحسب تعبيرها مستقبلًا خط الدفاع الأول عن الوطن وبنائه في مختلف المجالات.
العمل الناجح يترك أثراً في ذهن الطفل

ترى الكاتبة لطيفة عبدالرزاق أن أدب الطفل يعيش اليوم مرحلة غنية من حيث كثرة الإصدارات وتنوع الموضوعات والأشكال، معتبرة أن ذلك مؤشر على اتساع الاهتمام بالطفل بوصفه قارئًا له احتياجاته وذائقته الخاصة.
لكنها تؤكد أن كثرة الإنتاج لا تعني بالضرورة ارتفاع مستوى الجودة؛ فإلى جانب الإصدارات التي تحمل قيمة أدبية وفنية حقيقية، توجد أعمال تعتمد على الفكرة المباشرة أو الوعظ، أو تكتفي بجمال الصورة دون عمق في النص. وترى أن التحدي الحقيقي لم يعد في إنتاج المزيد من كتب الأطفال، وإنما في إنتاج أدب يستطيع الطفل أن يحبه أولاً، ثم يكتشف قيمته ومعناه لاحقًا. فالطفل، في نظرها، لا يبحث عن درس تعليمي بقدر ما يبحث عن حكاية تأخذه إلى عالم يشعر أنه يشبهه، أو تفتح أمامه عالمًا جديدًا، وتشير إلى أن ظهور المنصات الرقمية والمحتوى المرئي والمسموع جعل المنافسة أكبر، فالكتاب لم يعد الوسيط الوحيد الذي يخاطب الطفل، وهو ما يفرض على أدب الطفل أن يكون أكثر جودة وابتكارًا، لا أن يكون مجرد نسخة ورقية من محتوى يستطيع الطفل العثور عليه في أماكن أخرى.
وتؤكد عبدالرزاق أن أهم معايير النص الأدبي الموجّه للطفل هو أن يُكتب له باحترام، لا بتعالٍ عليه؛ فالطفل، بحسب رؤيتها، أكثر ذكاءً وحساسية مما نتصور، ويستطيع أن يميز بين النص الذي كُتب من أجل الوصول إليه، والنص الذي كُتب من أجل تلقينه شيئًا، وترى أن النص الجيد يحتاج إلى لغة مناسبة لعمر الطفل، من دون أن تكون فقيرة أو سطحية وإلى فكرة واضحة، وشخصيات نابضة بالحياة، وحوار طبيعي، وإيقاع يحافظ على انتباهه، إلى جانب الخيال والمفاجأة والمتعة، كما ترى أن القيمة الأدبية والجمالية لا ينبغي أن تنفصلا عن المتعة؛ فالعمل الناجح ليس بالضرورة الذي يقدم أكبر قدر من المعلومات، وإنما الذي يترك أثراً؛ سؤالاً في ذهن الطفل، أو شعورًا، أو صورة جميلة، أو رغبة في معرفة المزيد.
وتشدد على أهمية الابتعاد عن تقديم الطفل في النص بوصفه مجرد متلقٍ للنصيحة، مؤكدة أن الطفل في الأدب ينبغي أن يكون شخصية فاعلة؛ يسأل، ويخطئ، ويكتشف، ويبحث، ويتخذ قراراته، ويصل إلى المعنى من خلال التجربة.
وتضع عبدالرزاق مسؤولية الارتقاء بجودة المحتوى بين الكاتب والناشر، فالكاتب يبدأ من الفكرة واللغة والشخصيات لكنه لا يستطيع وحده صناعة كتاب طفل متكامل. والناشر، في المقابل، شريك أساسي في عملية الجودة، بدءًا من اختيار النص، مرورًا بالتحرير والمراجعة، وصولاً إلى الإخراج الفني والرسوم والطباعة والتسويق، وترى أن كتاب الطفل يحتاج تحديدًا إلى تعاون حقيقي بين الكاتب والمحرر والرسام والمصمم والناشر؛ لأن الصورة في أدب الطفل ليست عنصرًا تجميلياً فحسب، بل جزء من السرد، وقد تقول الصورة أحيانًا ما لا يقوله النص، كما تؤكد أن على الكاتب أن يقرأ الطفل المعاصر ويفهم عالمه، وعلى الناشر ألا يجعل الاعتبارات التجارية وحدها معيارًا لاختيار الأعمال؛ لأن البحث عن الانتشار فقط قد يقود إلى إنتاج محتوى سريع الاستهلاك، في حين يحتاج الطفل إلى أعمال تستطيع أن تعيش معه وتتجدد قراءتها كلما كبر، كما تصف عبدالـرزاق الـنقد الـمتخصص في أدب الـطفل بأنه ضرورة، وليس ترفًا ثقافيًا؛ فهو يساعد على بناء وعي حقيقي بجودة الإنتاج، ويمنح الكاتب والناشر والقارئ أدوات أكثر دقة للحكم على العمل، وترى أن النقد الموجّه لأدب الطفل ينبغي ألا يكتفي بالسؤال عما إذا كان الكتاب مناسبًا للأطفال أم لا، بل يبحث في أسئلة أعمق: كيف كُتبت الشخصيات؟ وهل اللغة فنية ومناسبة للعمر؟ وهل الفكرة مبتكرة؟ وهل الرسوم تخدم النص؟ وهل هناك خطاب مباشر أو وعظ زائد؟ وهل يحترم العمل عقل الطفل وخياله؟ وتؤكد الحاجة إلى نقد يستطيع أن يفتح حوارًا مع الكاتب بدل الاكتفاء بإصدار الأحكام، معتبرة أن النقد الحقيقي لا يقتل التجربة الإبداعية، وإنما يساعدها على النمو.
ترى عبدالرزاق أن مستقبل أدب الطفل يحتاج إلى النظر إلى الطفل بوصفه إنسانًا يعيش زمنًا مختلفًا؛ فطفل اليوم يتعامل مع التقنية والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية، ويرى العالم بصورة أكثر انفتاحًا، ويطرح أسئلة مختلفة عن أسئلة الأجيال السابقة. لكنها تؤكد أن مواكبة العصر لا تعني تحويل الأدب إلى محتوى تقني أو تعليمي فقط. ويمكن، في رأيها، تناول الذكاء الاصطناعي والبيئة والهوية والعلاقات والاختلاف والاكتشاف والمستقبل وغيرها من القضايا الجديدة، ولكن من خلال الحكاية والخيال والشخصية الإنسانية.وتختتم عبدالرزاق برؤية تختصر جوهر تصورها لأدب الطفل في سؤال ينبغي أن يرافق كل عمل يُكتب للصغار:
«هل سيختار الطفل هذا الكتاب لو لم نخبره أنه مفيد؟»
وترى أن الإجابة بـ«نعم» تعني الاقتراب من الأدب الحقيقي؛ لأن أجمل ما يمكن تقديمه للطفل هو عمل يقرؤه لأنه استمتع به، ثم يكتشف بعد ذلك أنه تعلّم، وشعر، وفكر، وتخيّل، وربما تغيّر شيء صغير في داخله.
الجودة تبدأ من القارئ لا من المربي
وأفادت د. وفاء بنت محمد الطجل، المالك والرئيس التنفيذي لـ«التربويون للنشر الورقي والرقمي»، بـأن الـمشهد الـعربي يـضم اليوم تـجارب أدبية ناضجة استطاعت أن تــوازن باقتدار بين أصالة الفكرة وعمق البناء السردي وجماليات الإخراج، إلا أن التحدي يكمن في تحول «الصورة المبهرة» لـدى شـريحة مـن الإصـدارات الـتجارية إلـى بـديـل عـن جـودة الـنص؛ إذ نـشهد كتبًا شـديدة الأناقة بـصريًا، لكنها تقوم عـلى أفكار مستهلكة أو مـعالجات سردية متسرعة، ومن هنا، لا يكمن الرهان الحقيقي في بهاء الغلاف وحده، بل في تكامل النص مع الصورة ليصنعا معاً أثراً باقيًا لدى الطفل، وتشير إلى أن التنوع الراهن قد يكون خادعًا؛ إذ تتكدس الأغلبية الساحقة من الإصدارات في الـشريحة الـعمـرية الـمبـكرة، مـن الـرابعة إلى الـثامنة، والـسبب، فـي نـظرها، تـسويقي بحـت؛ فالطفل هنا ليس صاحب القرار الشرائي، بـل الأهل والمعلمون هم من يشترون نصوصاً نفعية تؤدي أغراضًا سلوكية وتربوية يراها الكبار. لكن المحك الحقيقي، بحسب رؤيتها، يـظهر عند سن اليافعين، حين يمتلك القارئ سلطة الشراء وحرية الاختيار؛ إذ تصطدم دور النشر بعزوف عن الكتاب العربي، ويتجه اليافع بمصروفه الخاص إلى شراء الروايات الإنجليزية والترجمات، وهو ما يكشف من وجهة نظرها، تحديًا حقيقيًا أمام صناعة النشر العربية في مخاطبة القارئ المستقل.
وترى د. وفاء أن الجودة الحقيقية تبدأ عندما يتوقف الكاتب عن تأليف ما يريده المربي، ويكتب ما يعيشه القارئ فعلًا. فالنصوص الممتازة، في رأيها، هي التي تملك «شجاعة عاطفية» لملامسة مشاعر معقدة، كالفقد والغيرة والصراع بين الانتماء والاستقلال، دون فرض نهايات وردية جاهزة.
وتؤكد أن احترام عقل اليافع لا يعني الانجراف وراء صرعات التفكيك الغربية، وإنما يعني التوقف عن معاملته كطفل صغير يُلقّن النصائح الجاهزة، فاليافع اليوم يحتاج إلى نصوص تواكب ذكاءه وطاقته، وتقتحم تصنيفات مشوقة، مثل الخيال العلمي الرصين، وأدب المغامرة والغموض، والملاحم الخيالية المستندة إلى عمق الهوية والثقافة، بحيث تعالج أسئلة واقعه وتحديات عصره النفسية والفكرية من خلال حبكة متقنة وصراع درامي حقيقي، يرسخ فيه البطل معاني الخير والعدالة والثبات على المبدأ، بعيدًا عن المباشرة الوعظية السطحية التي تنفره وتدفعه إلى البحث عن الإثارة في الكتب المترجمة، كما ترى أن الطفل واليافع اليوم مشبعان بالصورة والوسائط السريعة، ولذلك يصبح من معايير الجودة أن تسير القصة بإيقاع مشدود وحيوي وذكي ينافس جاذبية الشاشات في لفت الانتباه، دون التنازل عن القيمة الأدبية واللغوية، وتوضح أن اليافع لا يهرب من اللغة العربية بوصفها كيانًا، وإنما ينفر من التعقيد المتكلف والإنشاء المسرحي الذي تتحدث به الشخصيات في بعض الروايات العربية، ومن ثم، يحتاج النص إلى حوارات أصيلة ونابضة، وتكثيف يكسر التوقع، بما يجعله قادراً على منافسة الشاشات، دون التفريط برصانة الفصحى وحيويتها.
وتضع د. وفاء غياب المحرر الأدبي المتخصص في مقدمة الإشكالات التي تراها في بيئة النشر العربية، معتبرة أن هذه الحلقة هي «الأكثر غيابًا وحرجًا» في التعامل مع كتاب الطفل واليافع، وتشير إلى أن التعامل مع الكتاب لا يزال، في كثير من الحالات، محكوماً بكاتب يسلّم نصه، وناشر يقتصر دوره على التدقيق الإملائي ثم دفعه إلى الطباعة، بينما لا يُنشر النص، في التجارب العالمية التي تستشهد بها، إلا بعد تفكيكه وإعادة بنائه على يد محرر نوعي يزن إيقاع الكلمات، وحبكة التوتر، وبناء الشخصيات، وترى أن غياب هذه الوظيفة يترك نصوصاً في طور «المسودات غير الناضجة»، كما تنتقد اتجاه شريحة من الناشرين إلى صناعة كتب موجهة خصيصاً لمطابقة معايير لجان الجوائز أو الشراء المؤسسي، متجاهلين اليافع بوصفه فردًا حراً في اختياراته.
وفي هذا السياق، ترى أن أدب اليافعين في العالم لم يعد مجرد ورق مطبوع، بـل أصبح «أسلوب حياة ومجتمعًا تفاعلياً»، من خلال الطبعات الفنية ذات الحواف الملونة، ومجتمعات النقاش الشبابية وغيرها. وترى أن تقاعس الناشر والكاتب العربي عن تقديم الكتاب بوصفه منتجاً عصريًا يعتز الشاب بحمله ومشاركته بين أقرانه، والاكتفاء بأغلفة كلاسيكية، يمثل تحديًا أمام وصول الكتاب إلى قارئه.
وفيما يتعلق بالنقد المتخصص، ترى د. وفاء أن النقد المطلوب هو الذي يشرّح العمل بوصفه فناً قائماً بذاته، له بنيته الدرامية وأنساقه الجمالية وسياقه المعرفي، لا ككتيب إرشادي ملحق بالتعليم الأساسي، وتؤكد أن نقد كتاب الطفل عمل مركب، وأن إغفال الناقد للغة الرسم والإخراج، وتوظيف الفراغ، وتصميم الحرف، يقدم قراءة ناقصة، ومن هنا، ينبغي أن يتسع النقد لتحليل التوافق بين البصري والنصي، ومساءلة مدى قدرة هذا التمازج على إدهاش الطفل أو مخاطبة نضج اليافع.
وفي رؤيتها لمستقبل أدب الطفل واليافعين، ترى د. وفاء أن الأدب لن يستمر في البقاء إذا ظل رهين الصفحة المطبوعة المعزولة، داعية إلى بناء شخصيات وعوالم عربية عابرة للوسائط؛ يقرؤها الطفل في الكتاب، ويسمع كواليسها في بودكاست درامي، ويتفاعل مع تفاصيلها عبر ألعاب وتطبيقات رقمية تعزز شغفه بالعودة إلى النص الأصلي. كما تدعو إلى إنهاء عهد الكتابة «نيابة عن الجيل»، والبدء في استشارته فعلياً من خلال حلقات قراءة مغلقة للمسودات قبل الطباعة، وقياس نبض اهتمامات اليافعين والأطفال، واستكشاف ما يصيبهم بالملل أو يثير شغفهم بصدق. وترى أن الإصغاء الفعلي إلى الأطفال واليافعين واستكشاف اهتماماتهم هو الضمانة لإصدار نصوص حية تشبه متلقيها، وتكسب رهانها في سوق النشر الحر.
طفرة في الجودة وغياب للنقد المتخصص
ويشاركنا الدكتور مصطفى غنايم ، كاتب أطفال وناقد أدبي من مصر ، رؤيته حول واقع أدب الطفل العربي وتحولاته، مستعرضاً مظاهر التطور التي شهدها على مستوى الشكل والمضمون، ودور الجوائز والوسائط الحديثة في الارتقاء بالمحتوى، إلى جانب أهمية النقد المتخصص في تقويم هذا الأدب وتطويره. ويرى غنايم أن أدب الطفل العربي اليوم يشهد **طفرة كبيرة في الجودة، سواء من ناحية الكيف أو الكم، أو بمعنى أدق من حيث الشكل والمضمون**؛ إذ بات الكتاب يظهر في أبهى حلة، من خلال روعة الإخراج الفني، وجمال الرسوم، وتناسق الألوان، وصقل الخامات، وجودة الطباعة. ولا يقتصر هذا التطور، بحسب غنايم، على الجانب الشكلي، بل يمتد إلى المضمون، الذي يشهد هو الآخر تطوراً كبيراً نتيجة اطلاع الكتّاب والمبدعين على كثير من النظريات والمفاهيم التربوية والاجتماعية والنفسية، وقدرتهم على صهرها في بوتقة الدراما والفن. كما يشير إلى الدور البارز الذي تؤديه جوائز أدب الأطفال في العالم العربي في الارتقاء بأدب الطفل شكلًا ومضمونًا. ويشير غنايم إلى جملة من المعايير المرتبطة بجودة النص الأدبي الموجه للطفل، من بينها مدى مواءمة المعجم اللغوي للمرحلة العمرية المستهدفة، فضلًا عن ضرورة الإحاطة باحتياجات الطفل النفسية والاجتماعية، والتماس مع واقعه واهتماماته وتحدياته.
ويرى أن من الضروري كذلك الاستفادة من الوسائط التكنولوجية الحديثة في تقديم محتوى يتناسب مع شغف الأطفال اليوم بالواقع الافتراضي، بما يواكب التحولات التي طرأت على عالم الطفل وأدوات تلقيه للمحتوى.
ويؤكد غنايم أن الارتقاء بجودة المحتوى الموجه للطفل مسؤولية جماعية لا يشترك فيها الكاتب والناشر فحسب، بل والرسام كذلك، مشددًا على أهمية عنصر آخر في هذه العملية، يتمثل في الاحتكاك المباشر بالطفل من خلال الندوات والورش التفاعلية. ويقول إن هذا الاحتكاك يتيح التعرف إلى ذائقة الطفل وملاحظاته، وتتبع عقليته واهتماماته وميوله، التي تشهد قفزات متسارعة قد لا يستطيع الكاتب والرسام والناشر الإحاطة بها أو معرفة آلية صوغها في قالب درامي وفني مناسب دون ذلك التفاعل المباشر والحوار المتبادل بين أطراف العملية الإبداعية كافة.
وفيما يتعلق بالنقد المتخصص، يرى غنايم أن ثمة قصوراً كبيراً في الحركة النقدية لأدب الأطفال، إذ ما تزال الهوة واسعة بين الإبداع الموجه للطفل وبين عملية النقد، فلا يكاد يوجد نقاد متخصصون في نقد أدب الأطفال مقارنة بما يحظى به الأدب الموجه للكبار من متابعات نقدية. ويشير كذلك إلى ندرة الدراسات الأكاديمية المعنية بأدب الأطفال، الأمر الذي يمكن معه، بحسب رؤيته، رصد قلة أعداد نقاد أدب الطفل المتخصصين في الوطن العربي بأسره، ومن ثم يرى ضرورة أن تولي أقسام اللغة العربية في كليات العلوم الإنسانية أدب الطفل مزيداً من الاهتمام ضمن البرامج والمقررات، إلى جانب تشجيع الباحثين على إعداد أطروحات نقدية في أدب الأطفال، فضلًا عن تخصيص فرع لنقد كتب الأطفال ضمن الجوائز العربية الرفيعة التي تقتصر على الأدب دون النقد. كما يرى أهمية الاهتمام بالمجلات والسلاسل التي تُعنى بالدراسات النقدية والبحوث العلمية الخاصة بأدب الأطفال، انطلاقًا من الدور الذي يمكن أن يسهم به النقد المتخصص في تقييم جودة أدب الطفل والارتقاء به شكلًا ومضمونًا. وفي رؤيته لمستقبل أدب الأطفال العربي، يؤكد غنايم أهمية اطلاع المبدعين على الأدب الأجنبي من ناحية، والاهتمام بالدراسات والنظريات التربوية والاجتماعية والنفسية من جهة ثانية، والإلمام بالوسائط التكنولوجية الحديثة من جهة ثالثة؛ حتى يتمكنوا من مواكبة عقلية طفل اليوم، ومخاطبته بأدواته، وتطوير المحتوى بما يناسب تلك العقلية واهتماماتها وميولها. ويرى أن الارتقاء لا ينبغي أن يقتصر على المحتوى، بل يمتد إلى الشكل أو الوسيط الذي يُقدَّم من خلاله، بما يكفل جذب الطفل إلى ما يُقدَّم له، وعدم النفور منه أو الابتعاد عنه.
وفي هذا السياق، يدعو إلى التوجه بصورة أكبر نحو القصة الرقمية التفاعلية (Hypertext)، التي توظف اندماج النص مع الصوت والصورة، بما تخلقه هذه المؤثرات السمعية والبصرية من عالم من الدهشة والمتعة والتشارك والتفاعل، بما يحقق الفائدة المرجوة في نسق مبهر وجذاب.