مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

فاطمة الجباري * تعيش الفراشة عمرها كله، وهي لا تعرف جمال أجنحتها، ولا تدرك روعة …

ألوان لا نراها في أنفسنا

منذ 4 ساعات

4

0

فاطمة الجباري *

تعيش الفراشة عمرها كله، وهي لا تعرف جمال أجنحتها، ولا تدرك روعة الألوان التي رسمها الله عليها، تطير من زهرة إلى أخرى، حاملةً بهجةً صامتة، بينما يقف الناس مبهورين بذلك الجمال الذي لا تراه هي في نفسها، هكذا الإنسان… كثيرًا ما يغفل عن جمال روحه، وعن الأثر العميق الذي يتركه في حياة الآخرين.

كم من شخص يظن أنه عابر في هذه الحياة، بينما هو في قلب إنسان آخر قصة أمل، أو سبب ابتسامة، أو دعوة صادقة في جوف الليل، فليس كل جميل يراه صاحبه، ولا كل أثر يدركه صانعه، هناك آثار يكتبها الله لك في قلوب الناس، وأنت لا تعلم عنها شيئًا.

إن الحياة لا تقاس بطول الأعمار، إنما بامتداد الأثر، فقد ترحل الأجساد، وتبقى الكلمات الطيبة، والمواقف النبيلة والابتسامات الصادقة، والدعوات التي ارتفعت إلى السماء من قلوب امتلأت امتنانًا لك، ربما نسيت يومًا أنك أعنت محتاجًا، أو مسحت دمعة يتيم، أو خففت عن مهموم، أو أطعمت جائعًا، أو جبرت خاطرًا مكسورًا، لكن الله لم ينسَ والقلوب التي لامستها رحمتك لم تنسَ كذلك.

لذا قال الإمام ابن القيم رحمه الله كلامًا يبعث في النفس الرجاء: “ربما تنام وعشرات الدعوات ترفع لك، من فقير أعنته أو جائع أطعمته، أو حزين أسعدته، أو مكروب نفست عنه” إنها حقيقة تغيب عن كثير منا؛ فنحن نرى العمل صغيرًا بينما يراه الله عظيمًا بإخلاص صاحبه، وقد يكون سببًا في سعادة إنسان، أو في تفريج كربة، أو في فتح باب من أبواب الرحمة.

إن الخير لا يحتاج إلى ثراء، ولا إلى شهرة، ولا إلى منصب، قد يكون الخير كلمةً حانية، أو سلامًا صادقًا، أو ابتسامة تضيء وجهًا أنهكه الحزن، أو عفوًا يطفئ نار الخصومة، أو دعاءً بظهر الغيب لا يعلم به أحد إلا الله.

لذلك كان أصحاب النفوس الكبيرة هم الذين يوزعون الطمأنينة حيث حلوا، ويزرعون المحبة في الطرقات، ويغادرون الأماكن وقد تركوا فيها أثرًا لا يُشترى بالمال، إنهم يدركون أن الإنسان لا يخلده ما جمع، إنما ما أعطى، ولا يرفعه ما قال عن نفسه، إنما ما قاله الناس فيه بعد رحيله.

ومن أجمل ما يمكن أن يتحلى به الإنسان أن يكون صديقًا للجميع؛ يفتح قلبه قبل أن يفتح بابه، ويبدأ الناس بالسـلام ويقابل الإساءة بالحلم، ويصفح إذا قدر، ويبتسم لأن الابتسامة لغة لا تحتاج إلى ترجمة، وتصل إلى القلوب قبل الآذان.

وليس المقصود أن يخلو القلب من الألم، أو أن تكون الحياة بلا خلافات، لكن أن نختار ألا نجعل الحقد يسكن صدورنا وألا نحمل معنا أثقال الكراهية، فالقلب الذي امتلأ بالرحمة لا يجد مكانًا للبغضاء، والنفس التي تعودت الإحسان تسمو فوق صغائر الأمور.

إن الأخلاق ليست زينة يلبسها الإنسان أمام الناس، ثم يخلعها إذا غابوا، وإنما هي حقيقة تسكن القلب، فتظهر في القول وتنعكس في الفعل، وتبقى بعد الرحيل، وربما نسي الناس ملامح الوجوه، لكنهم لا ينسون صاحب الخلق الكريم، ولا صاحب الكلمة الطيبة، ولا من كان وجوده راحة، وغيابه فراغًا.

وما أجمل أن نستيقظ كل صباح ونحن نعقد العزم على أن نكون سببًا في سعادة أحد، وأن ننام كل مساء وقد تركنا خلفنا أثرًا طيبًا، ولو كان بسيطًا، فالأعمال العظيمة تبدأ بخطوات صغيرة، والأنهار الكبيرة ليست إلا قطرات اجتمعت.

في النهاية… تذكر دائمًا أنك قد لا ترى ألوان جناحيك كما لا تراها الفراشة، لكن هناك من يرى فيك جمال الروح، ونبل الخلق، وصدق الموقف، وقد تكون في نظر نفسك إنسانًا عاديًا، بينما أنت في دعاء أم، أو في امتنان فقير، أو في قلب مكسور جبرته، أعظم مما تتخيل.

فلا تستهن بخير تقدمه، ولا بكلمة طيبة تقولها، ولا بابتسامة تهديها، ولا بعفو تمنحه، ولا بدعاء ترفعه، فهذه هي الكنوز التي تبقى، وهي الرصيد الحقيقي الذي يرافق الإنسان حين يترك الدنيا، وتبقى ذكراه عطرة في القلوب.

فالأخلاق هي الروح التي لا تموت، والأثر الطيب هو العمر الذي لا ينتهي، والإنسان الحقيقي هو الذي يـرحل جسده ويبقى خيره حيًا بين الناس.

* كاتبة من السعودية

الكلمات المفتاحية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود