مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

أبو بكر بن مخاشن* في قلب المدينة، حيث تتنفَّسُ الشوارعُ رونقاً، وتتوشَّحُ المبان …

غزالة الحي الراقي

منذ 5 ساعات

5

0

أبو بكر بن مخاشن*

في قلب المدينة، حيث تتنفَّسُ الشوارعُ رونقاً، وتتوشَّحُ المباني بأناقةٍ، كان هناك حيٌّ راقٍ يسمو بهدوءٍ فوق صخبِ العاصمة، وفي زاويةٍ من زواياه، كانت تقفُ مكتبةٌ عتيقةٌ، كأنها معبدٌ للكلمات، تنبضُ بروحِ الأدباءِ وتاريخِ الحروف. تلك المكتبةُ التي كنتُ أتردَّدُ عليها كلما اشتهتْ روحي عزلةً جميلةً بين أرففِها الممتلئةِ بالقصصِ المنسيَّةِ والعناوينِ الخالدةِ.

وفي أحد الأيام، بينما كنتُ أتجوَّلُ بين الرفوف، أبحثُ عن ديوانِ شعرٍ قديمٍ لم تطأْهُ أيدي القرَّاءِ من زمنٍ، حدثَ ما لم يكنْ في الحسبان، رأيتُها.

كانت كأنها حلمٌ تجسَّد، أو قصيدةٌ خرجتْ من المتنبِّي لتستقرَّ في عالمنا الأرضي، “غزالةُ حيِّ السلام”، هكذا أطلقتُ عليها في أعماقي حين التقتْ عينايَ بها، كانت جالسةً على كرسيٍّ خشبيٍّ قديم، وقد احتضنتْ كتاباً كأنها تحضنُ طفلاً تنظرُ إليه بنَهَمٍ وشغفٍ، وكأنها تقرأُ روحَ الكاتبِ لا سطورَه، غُرَّةُ شعرِها الطويلِ تتهادى كموجِ البحرِ حين يُلاطمُ الشاطئَ، وعيناها الواسعتان تحملانِ بحوراً من الغموضِ والسحر، ليس فيها ما يُنقِصُ جمالَها، بل كلُّ شيءٍ يكتملُ، حتى تواضعُها في جلستِها كان يشي بعظمةٍ.

تذكَّرتُ حينها قولَ الشاعر: “من يقول الزين ما يكمل حلاه، كل شيٍ في حبيبي اكتمل، الله اللي كمله والله عطاه، ما بقى للزين في خلّي محل”.

سألتُ نفسي: كيف لهذا الكون أن يضمَّ مثلَ هذا الجمال؟ كيف يمكن لخالقٍ واحدٍ أن يرسمَ هذه اللوحةَ البشريةَ بذلك الإتقان؟ وقفتُ متأمِّلاً، ولسانُ حالي يردِّد: سبحانَ من صوَّر لنا هذه المعجزة، كم أحسنَ الخالقُ خلقَتَه.

كانت أنثى لا تشبهُ أيَّ أنثى عرفتُها، في نظراتِها شراسةٌ لا تخدعُ، وفي ابتسامتِها كلبوهٌ شجاع، كأنها ملكةٌ من عصورِ الجاهلية، أو حوريةٌ من حورياتِ الجنانِ هبطتْ لتختبرَ البشر، حين تبادلنا النظراتِ للحظاتٍ، شعرتُ بأن الزمنَ توقَّف وأن العالمَ بأسرِه صار مجرد إطارٍ لتلك اللوحةِ التي تشكَّلتْ بيننا.

اقتربتُ منها تحتَ ذريعةِ البحثِ عن كتابٍ في الفلسفةِ الحديثة، وتبادلنا بضعَ كلمات، كان صوتُها كالنَّايِ في ليلةٍ مقمرةٍ يحملُ في طيَّاتِه نبرةَ ثقةٍ لا تهزُّها الرياح، أخذتْ كتبَها ومضتْ، لكنها تركتْ خلفَها أثراً لا يُمحى، سارقتُ نظري تجاهَها وهي تمشي، وقلبي يخفقُ كما لو أنه يريدُ الهروبَ من صدري، خفقانٌ لم أشعرْ به منذ زمنٍ بعيد، وكأن قلبي استيقظَ من غفوتِه الطويلةِ على إيقاعِ خطواتِها.

لكنها لم تُبالِ، مضتْ كأن شيئاً لم يكن، واختفى الأملُ في أن يُعيدَنا القدرُ إلى لقاءٍ آخر، حاولتُ طمأنةَ نفسي: “ما هذا الذي تفعله بي يا قلبي؟ إنها مجرد غريبةٍ، غزالةٌ عابرةٌ في غابةِ الكتب”، لكن قلبي كان أذكى من عقلي، وأصرَّ على الحلمِ بها.

في تلك الليلة، لم أنَمْ، كنتُ أرسمُ خيالَها على جدرانِ غرفتي، أتأمَّلُ ملامحَها التي حُفِرَتْ في ذاكرتي كالنقشِ على الصخر، تساءلتُ: لماذا نشعرُ أحياناً أن بعضَ الأرواحِ تعرفُنا قبلَ أن نلتقي؟ لماذا تخفقُ قلوبُنا لأشخاصٍ لم نعرفْهم سوى لحظاتٍ؟ وكأن القدرَ يهمسُ في أذني: لا تحلمْ بشيءٍ بعيد، بعدُ الأرضِ عن السماء، لكنني لم أستطِعْ إخراجَها من مخيلتي، كلما أغمضتُ عينَيَّ، رأيتُها، وكلما فتحتُهما، بحثتُ عنها بين المارَّةِ.

مرَّت الأيامُ، وصرتُ أتردَّدُ على المكتبةِ بأملٍ خفيٍّ أن أراها مجدداً.. كأن المكانَ أصبحَ مقدَّساً بحضورِها، وكلُّ كتابٍ فيها يحملُ سرّاً من أسرارِها.. لكنها لم تأتِ، وغابتْ عن المشهدِ طويلاً.

ثم سمعتُ الخبرَ المفجع.. وفاةُ أبيها.

ذلك الرجلُ الذي كانت هي وحدها تعرفُ قيمتَه، أدركتُ حينها أنها لم تكن مجرد حوريةٍ جميلةٍ، بل كانت ابنةً وفيةً تستمدُّ قوتَها من عينَيْ أبيها، وتستلهمُ حياتَها من حكمتِه، كان بالنسبةِ لها كلَّ الدنيا، هو مصدرُ الأمان، وهو الملجأ الذي تعودُ إليه حين تضيقُ بها الأرض، وفي رحيلِه، رحلَ جزءٌ كبيرٌ من كيانِها.

توقفتُ عن رؤيتِها لشهورٍ، اختفتْ من المكتبة، ومن الشوارع، ومن ذاكرتي الحية، لكنها بقيتْ في أعماقي كجرحٍ جميل كذكرى لا تشفى ولا تندمل، كنتُ أمرُّ من أمامِ المكانِ الذي جلستْ فيه، وأشعرُ بحضورِها الطيفيِّ، كنتُ أتأمَّلُ الكرسيَّ الخشبيَّ الفارغ، وأتخيَّلُها جالسةً عليه، وإذا بي أحسُّ بوجعٍ لا يُوصَف.

في تلك الفترة، تعلَّمتُ أن الحبَّ ليس مجرد شهوةٍ عابرةٍ، بل هو شعورٌ يولَدُ من رحمِ الغياب، كلما افتقدتُها، ازدادَ حبي لها، كأن القلوبَ حين تحبُّ، تحبُّ في الغيابِ أكثرَ مما تحبُّ في الحضور، كانت ذكراها تسكنُني، وكلُّ تفصيلٍ صغيرٍ عنها يكبرُ في مخيلتي.

ثم حدثَ ما لم أتوقَّعْه.

في يومٍ خريفيٍّ، حين كانت أوراقُ الشجرِ تتساقطُ كالدموعِ الباكية، رأيتُها تعودُ مرتديةً عباءةً ومظلَّةً سوداءَ يليقانِ بحزنِها، لكن عينيها كانتا تلمعانِ بنورٍ جديد، كانت قد عادتْ إلى الحياة، أو هكذا بدا لي.. كأنها صنعتْ من حزنِها جناحينِ لتطيرَ بهما فوقَ الآلام.

عادتْ تواصلُ نشاطَها، تمشي بين الناسِ بثقةٍ أكبر، كأن الموتَ علَّمَها أن الحياةَ قصيرةٌ فلا تُضيِّعيها في البكاء، شعرتُ براحةٍ غريبةٍ وأنا أراها، تنفَّستُ الصُّعَداءَ وكأنني كنتُ أحبسُ أنفاسي منذ رحيلِها، وعادتِ السعادةُ إلى قلبي، وكأن سعادتي مرهونةٌ بشوفتِها، نعم، كانت شوفتُها رزقاً، كانت تجلبُ الحظَّ الجميل، كأنما الكونُ يبتسمُ حين تطلُّ هي.

ومرت الأيامُ على نفسِ الوتيرة، أشاهدُها من بعيد، أتأمَّلُها وأنا أبحثُ عن شجاعةٍ لم تأتِ بعدُ، كنتُ كالغريقِ الذي يرى سفينةَ نجاته لكنه لا يستطيعُ الصراخ، ثم جاء ذلك اليومُ الذي غيَّرَ كلَّ شيء.

صدفةٌ عجيبة، كأنها من تدبيرِ السماء، كانت تقفُ أمامَ المكتبة، تتحدَّثُ مع صديقتِها، وكنتُ أنا هناك بالصدفة، لمحتْني، وبدلاً من أن تصرفَ نظرَها كما تفعلُ دائماً، ابتسمتْ ابتسامةً خفيفةً، ودعتْني للاقتراب.

تساءلتُ: “ماذا تريدُ مني هذه الحوريةُ اليوم؟”

لكنها فاجأتني بسؤالِها: “هل تعرفُ شخصاً يُعلِّمُ الكتابةَ الإبداعيةَ للأطفال؟ أختي تبحثُ عن معلمٍ لابنِها”.

شعرتُ أن الكونَ يبتسمُ لي، قلتُ لها وأنا أحاولُ إخفاءَ ارتباكي: “ربما أستطيعُ مساعدتَك، أنا كاتبٌ، وقد درستُ هذا المجالَ”.

طلبتْ رقمي، وأعطيتُها إياه بتردُّدٍ ممزوجٍ بالأمل، وسألتها إن كان بإمكاني الحصولُ على رقمِها لمتابعةِ التفاصيل، أعطته لي، كأنها تمنحُني مفتاحاً لقلبٍ كنتُ أظنُّه مغلقاً إلى الأبد.

في تلك الليلة، لم أنَمْ من الفرح، كنتُ أنظرُ إلى الرقمِ في هاتفي كأنه كنزٌ ثمين، خائفاً أن يختفيَ إذا أغمضتُ عينَيَّ تساءلتُ: هل هذا حلم؟ هل يستحقُّ قلبي كلَّ هذه السعادة؟

بدأنا نتبادلُ الرسائلَ، أولاً حولَ موضوعِ التدريس، ثم توسَّعتِ المحادثاتُ لتشملَ كلَّ شيء: الأدب، الفلسفة، الحياة الأحلام، الخوف، الأمل، كانت تمتلكُ عقلاً حادّاً وروحاً شاعرة، ووجدتْ فيَّ شخصاً يفهمُ لغتَها التي لا يفهمُها سواي وكلما قرأتُ كلماتِها، أحسستُ أني أعرفُها منذ الأزل.

كنتُ أكتبُ لها نصوصاً غزليَّةً في منتصفِ الليل، أرسلُها إليها كرسائلِ حبٍّ من عصرٍ آخر، وكانت تردُّ بحماسٍ طفوليٍّ، تقولُ إن كلماتي تشعرُها بالأمان، وكأنها وجدتْ فيَّ نسخةً من أبيها، ذلك الأبِ الذي افتقدتْه كثيراً.

وفي إحدى الليالي، اعترفتْ لي بشعورِها. كتبتْ: “أحببتُك، ليس لأنك جميلُ الكلمات، بل لأنك جميلُ الروح، أنا التي ظننتُ أن الحبَّ خرافةٌ، وجدتُ نفسي أسيرةً لكلماتِك”.

لم أصدِّقْ ما أقرأ.. تلك الحوريةُ التي كنتُ أراها حلماً بعيدَ المنال، تلك السيدةُ التي كانت تملكُ الغرورَ والأناقةَ، ملكةَ زمانِها، كانت تقولُ لي إنها تحبُّني، أحسستُ بأنني أطيرُ فوقَ الغيوم، وكأن كلَّ سنواتِ الانتظارِ الطويلةِ قد تُوِّجَتْ بهذه اللحظة.

كتبتُ لها ردّاً: “أنا أحببتُكِ من أولِ نظرةٍ، ومن يومِ رأيتُكِ في المكتبةِ وأنا أسيرُ في دروبِكِ، كنتِ حلماً ظننتُ أنني لا أستحقُّ الوصولَ إليه، واليومَ أصبحتِ حقيقةً تعانقُ روحي، أحبُّكِ حتى تنتهيَ البشريةُ، وسأحبُّكِ حتى الملتقى عندَ الرحمن”.

اليوم، بينما أكتبُ هذه الكلمات، هي بجانبي، تنظرُ إليَّ بعينينِ تحملانِ كلَّ معاني الحبِّ والوفاء، لم تعُدْ مجرد غزالةِ حيٍّ راقٍ، بل أصبحتْ شريكةَ روحي، رفيقةَ دربي، حبيبةَ قلبي.

في عينيها، أرى كلَّ شيء، أرى الماضيَ الذي جمعَنا، والحاضرَ الذي نعيشُه، والمستقبلَ الذي سنبنيانِ معاً، أرى أباها الذي كان يظنُّ ألا أحدَ سيستحقُّها، وأراها هي التي وجدتْ فيَّ ملاذاً وأماناً، لم أتخلَّ عنها، ولن أتخلَّى أبداً، لأنها ليست مجرد امرأةٍ أحببتُها، بل هي حوريةُ السبعِ السمواتِ، وجميعُ الكواكبِ والمجراتِ.

في النهاية، أتعلَّمُ أن الحبَّ الحقيقيَّ لا يأتي بالصدفة. إنه قدرٌ يُكتَبُ بعنايةٍ، ورحلةٌ تستحقُّ الانتظارَ، أنا محظوظٌ لأن اللهَ رزقني بها وكتبَها من نصيبي، فهي ليست مجرد حبيبةٍ، بل هي قصتي، وهي فصولي، وهي كلُّ ما تبقَّى لي من حلمٍ تحقَّقَ.

* كاتب من اليمن

الكلمات المفتاحية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود