453
0
412
0
1700
0
609
0
825
0
5
0
16
0
2
0
13
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13628
0
13468
0
12292
0
12177
0
9633
0
د. نجوى علي غريب*
تعد التربية الابتكارية أحد أساليب التعليم التي تحث عليها أنظمة التعليم الحديثة؛ لتجاوز الطرائق التقليدية في نقل المعرفة، وتنمية مهارة الابتكار لدى المتعلمين ؛ لذا فهي تركّز على تحفيز المتعلمين على حل المشكلات وتشجيعهم على التفكير النقدي والإبداعي، وتسعى لتوفير فرص تجارب العمل العملي والتعلم من خلال البحث والاستكشاف والاستقصاء والمحاولة والخطأ، والتحفيز على الابتكار والإبداع والتخيل، والحث على استخدام المهارات الفكرية بطرائق غير تقليدية، وهذا يقودنا لطرح سؤال مهم ألا وهو:
هل التربية الابتكارية منهج تربوي حديث فرضته تحديات القرن الحادي والعشرين أم هي منهج تعليمي عرفته البشرية منذ القدم بهدف تنمية قدرات الإبداع والابتكار لدى الأفراد بغية استثمار قدراتهم وطاقاتهم لتطوير مجتمعاتهم وتقدمها؟
وللإجابة عن هذا السؤال نقول: إننا لو حاولنا إجراء استقراء بسيط لمبادئ التربية الابتكارية في سجل الأمم والمجتمعات الإنسانية عبر مسيرة الزمن وأساليبها التربوية في تشكيل شخصية أفرادها، فإن هذا الاستقراء سيكشف لنا بما لا يدع مجالًا للشكّ أنّ منهج سيد البشرية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، يعدّ المثل الأعلى والقدوة المثلى في هذا المجال؛ لأن غاية التربية في الإسلام التي انتهجها عليه الصلاة والسلام تتجاوز الحدود القطرية والقومية والعرقية، ويؤكد ذلك قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) فالمستقرئ لواقع التربية في الإسلام يجد أنها تسعى لبناء الإنسان الصالح القادر على إعمار الأرض بالصلاح والتقوى حيثما حل وأينما ارتحل، وبإلقاء نظرة فاحصة على أسلوبه عليه الصلاة والسلام في التعامل مع أصحابه الكرام، فإنه يمكننا استخلاص بعض المبادئ من سيرته العطرة في منهجه التربوي الابتكاري في تربية نفوسهم على تعاليم الإسلام وتنشئتهم عليها، ومن بين هذه المبادئ:
فإثارة الدافعية وبناء الترقب الإيجابي يتجلى بوضوح تام باستخدام النبي عليه السلام لأسلوب التشويق القائم على معايير قيمية، ما حفّز الصحابة جميعًا للسعي نحو التميز، وعزّز ذلك بمنح الثقة والتكليف الفعلي، وهذا يسهم بفاعلية كبيرة في تنمية الدافعية الداخلية وتعزيز الكفاءة الذاتية لدى الإنسان.
ولم يقتصر الأمر في هذا المجال على طرحه عليه السلام للأسئلة عليهم، بل كان يشجعهم على السؤال عن كل ما يعترض حياتهم من خير أو شر، فهذا حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، فيما رواه البخاري في كتاب “الفتن ” ومسلم في كتاب “الإمارة” يقول: (كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، وهذا تقرير من حذيفة يصف ما قبل البعثة، (فجاءنا الله بهذا الخير)، أي: بالإسلام، فهو خير كله، (فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قال: فهل بعد هذا الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن.
قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر، فأحياناً يقولون بالحق وأكثر أحوالهم يقولون بالباطل، أي: شر ودخن وغبش عكر هذا الخير وأثر في هذا الإسلام، (قلت: فهل بعد هذا الخير الذي فيه دخن من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم)، الدعاة دائماً على باب الجنة يدعون الناس إلى الخير، لكن تصور أن إماماً تكون إمامته في الشر، وفي الدعوة إلى النار والعياذ بالله، ثم يرفع النبي عليه الصلاة والسلام حجة الأتباع فيقول: (من أجابهم إليها قذفوه فيها)، فلا حجة لك في أن تتبع أئمة الضلالة، (قلت: يا رسول الله! صفهم لنا)، تصور حذيفة أن هؤلاء الدعاة ليسوا من أبناء الملة، فرد ذلك النبي عليه الصلاة والسلام فقال: (هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا)، أي: يقولون: قال الله، وقال رسوله، لكنهم يلوون النصوص ويصرفونها ويؤولونها على غير مراد الله عز وجل، وعلى غير مراد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، قلت: (يا رسول الله! – في وسط هذا المأزق – فبماذا تأمرني إن أدركني ذلك اليوم؟) رد عليه بقوله: إن الله عزَّ وجلَّ، قد هيأ لك حذيفة؛ ليسأل هذه الأسئلة؛ لأنها تلزمك في كل عصر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)؛ لأنها نجاة، ومن فارق الجماعة قيد شبر فمات فميتته جاهلية، (قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام فماذا أصنع؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك).
إن تشديد الإسلام على أهمية العدل في التعامل مع الآخرين نابع من الإيمان بأن ذلك أساس للتفوق والابتكار؛ لأن البيئة العادلة تعزز روح الابتكار، وتشجع على تطوير الأفكار الإبداعية الخلاقة، وتساعد في بروزها وظهورها.
لم يكتف عليه الصلاة والسلام، بالأخذ بمبادئ التربية الابتكارية في منهجه التربوي والتنويع في أساليبه، إنما عزّز عليه الصلاة والسلام الأساليب التي انتهجها في تربيته بجملة من الخطوات النبوية للتربية الابتكارية، تتجلى فيما يلي:
حث رسولنا الكريم بهدي من تعاليم الشريعة الإسلامية على طلب العلم والسعي إليه لتطوير المعرفة وبناء الفكر، قال صلى الله عليه وسلم: “طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة”، وقوله صلى الله عليه وسلم “إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ ينتفعُ به، وولدٍ صالحٍ يدعو له” وهذا كله تشجيعًا منه على حث الناس على السعي في طلب العلم والاستفادة من الفرص التعليمية لتحقيق التطور الفكري والنماء الثقافي المستمر.
– الحث على التفكير بحلول جديدة ابتكارية وتعزيز تحقيقها:
تجلى ذلك في مواقف كثيرة له مع الصحابة الكرام، منها موقفه مع ربيعة بن كعب الأسلمي، حيث قال:
“كُنْتُ أبِيتُ مع رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فأتَيْتُهُ بوَضُوئِهِ وحَاجَتِهِ فَقالَ لِي: سَلْ، فَقُلتُ: أسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ في الجَنَّةِ. قالَ: أوْ غيرَ ذلكَ؟ قُلتُ: هو ذَاكَ. قالَ: فأعِنِّي علَى نَفْسِكَ بكَثْرَةِ السُّجُودِ“.
الإتقان في العمل يعدّ وقود الابتكار وشرارته المتقدة، أكد ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: “إنَّ اللهَ يحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكم عملًا أنْ يُتقِنَه” فكلما زاد إتقان الإنسان لعمله؛ زادت فرص الابتكار لديه والإتيان بالجديد قلبًا وقالبًا.
السبق دائمًا يكون للمبادر الأول، والابتكار هو ثمرة المبادر، وتجلى ذلك في موقفه مع عكاشة، حين كان يتحدث مع أصحابه قائلًا عليه الصلاة والسلام: (يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن أُمَّتي سَبْعُونَ ألْفًا بغيرِ حِسابٍ، قالوا: ومَن هُمْ يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: هُمُ الَّذِينَ لا يَكْتَوُونَ ولا يَسْتَرْقُونَ، وعلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، فَقامَ عُكّاشَةُ، فقالَ: ادْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَنِي منهمْ، قالَ: أنْتَ منهمْ، قالَ: فَقامَ رَجُلٌ، فقالَ: يا نَبِيَّ اللهِ، ادْعُ اللهَ أنْ يَجْعَلَنِي منهمْ، قالَ: سَبَقَكَ بها عُكّاشَةُ، لقد فاز عكاشة بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان المبادر الأول، ولم يخش العواقب.
«اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» كان هذا دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم، لعبد الله بن عباس بن عبد المطلب، فأصبح فيما بعد ترجمان القرآن.
المواقف التي تشير إلى ذلك كثيرة جدًا، نشير منها إلى: قصة تعليم أسرى بدر التي تحمل دلالة عظيمة على انفتاح النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الاستفادة من معارف الآخرين، حتى من غير المسلمين، إذا كان ذلك في مصلحة الأمة، خاصة في مجالات التعليم واكتساب المهارات والابتكار في استخدام الدواوين، فالنبي صلى الله عليه وسلم، أخذ فكرة التوثيق والتنظيم، وهو أمر كان معروفًا عند الفرس والروم، وطوّعها بما يتناسب مع قيم الإسلام ومبادئه.
كانت هذه الخطوة تعبيرًا عن انفتاحه على أنظمة إدارية فعّالة، دون تعصب للنظم التقليدية للعرب في ذلك الوقت، والنبي صلى الله عليه وسلم، كان يوجه الصحابة إلى تعلم اللغات إذا كانت ستسهم في نشر الإسلام. ومن الأمثلة على ذلك تعليم زيد بن ثابت رضي الله عنه السريانية، كما تعلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بعض لغات الأمم التي فتحها المسلمون، فالانفتاح على الابتكارات العلمية والعملية كان جزءًا من رؤيته لتحسين حياة الأمة الإسلامية وتحقيق مصلحة الجميع.
. إن السيرة النبوية بأحداثها وتفاصيلها تعدّ مدرسة تربوية متكاملة، لما تحمله بين ثناياها من مواقف عظيمة تضع للدعاة والمعلمين والمربين منهجاً للتربية الابتكارية الصالحة لكل زمان ومكان، وهذا ما يؤكده “مايكل هارت” في كتابه (الخالدون مائة) وعلى رأسهم محمد، بقوله: (اخترت محمدًا صلى الله عليه وسلم، في أول هذه القائمة، ولا بد أن يندهش كثيرون لهذا الاختيار، ومعهم حق في ذلك، لكن محمدًا عليه السلام هو الإنسان الوحيد في التاريخ الذى نجح نجاحًا مطلقًا على المستوى الديني والدنيوى».
ختامًا أقول: إن اقتداءنا بمنهجه في تربيتنا لأبنائنا وناشئتنا وأنظمتنا التعليمية سيمكننا من التربية الابتكارية الحقة التي تعلي شأن الإنسان، وتبنيه فكريًا وخلقيًا مع ضرورة الأخذ بمتطلبات العصر وتقنياته الحديثة للارتقاء بالعملية التعليمية وتحسين جودة مخرجاتها والانطلاق نحو الريادة وبناء المستقبل المنشود.
* أستاذ المناهج وطرق التدريس في جامعة المدينة العالمية بماليزيا
alphaa20@hotmail.com