مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

د. نجوى علي غريب* تعد التربية الابتكارية أحد أساليب التعليم التي تحث عليها أنظمة …

المنهج النبوي.. في التربية الابتكارية

منذ 4 ساعات

7

0

د. نجوى علي غريب*

تعد التربية الابتكارية أحد أساليب التعليم التي تحث عليها أنظمة التعليم الحديثة؛ لتجاوز الطرائق  التقليدية في نقل  المعرفة، وتنمية مهارة الابتكار لدى المتعلمين ؛ لذا فهي  تركّز على تحفيز المتعلمين على حل المشكلات وتشجيعهم على التفكير النقدي والإبداعي، وتسعى لتوفير فرص تجارب العمل العملي والتعلم من خلال البحث والاستكشاف والاستقصاء والمحاولة والخطأ، والتحفيز على الابتكار والإبداع والتخيل، والحث على استخدام المهارات الفكرية بطرائق غير تقليدية، وهذا يقودنا لطرح سؤال مهم ألا وهو:

هل التربية الابتكارية منهج تربوي حديث فرضته تحديات القرن الحادي والعشرين أم هي منهج تعليمي عرفته البشرية منذ القدم بهدف تنمية قدرات الإبداع والابتكار لدى الأفراد بغية استثمار قدراتهم وطاقاتهم لتطوير مجتمعاتهم وتقدمها؟

وللإجابة عن هذا السؤال نقول: إننا لو حاولنا إجراء استقراء بسيط لمبادئ التربية الابتكارية في سجل الأمم والمجتمعات الإنسانية عبر مسيرة الزمن وأساليبها التربوية في تشكيل شخصية أفرادها، فإن هذا الاستقراء سيكشف لنا بما لا يدع مجالًا للشكّ أنّ منهج سيد البشرية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، يعدّ المثل الأعلى  والقدوة المثلى في هذا المجال؛ لأن غاية التربية في الإسلام التي انتهجها عليه الصلاة والسلام تتجاوز الحدود القطرية والقومية والعرقية، ويؤكد ذلك قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) فالمستقرئ لواقع التربية في الإسلام يجد أنها تسعى لبناء الإنسان الصالح القادر على إعمار الأرض بالصلاح والتقوى حيثما حل وأينما ارتحل، وبإلقاء نظرة فاحصة على أسلوبه عليه الصلاة والسلام في التعامل مع  أصحابه الكرام، فإنه يمكننا استخلاص بعض المبادئ من سيرته العطرة في منهجه التربوي الابتكاري في تربية  نفوسهم على تعاليم الإسلام وتنشئتهم عليها، ومن بين هذه المبادئ:

التحفيز والتشجيع: لقد حفَّز النبي الكريم جوانب الإبداع لدى أصحابه، ومما ورد عنه في هذا الصدد  ما جاء في حديثه  الذي ورد عن سهل بن سعد  رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: «لأُعطينَّ الرايةَ غدًا رجلًا يحبُّ اللهَ ورسولَه، ويحبُّه اللهُ ورسولُه، يفتحُ اللهُ على يديه» فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يُعطاها، فلما أصبحوا دعا عليَّا بن أبي طالب فأعطاها إياه (رواه البخاري ومسلم).

فإثارة الدافعية وبناء الترقب الإيجابي يتجلى بوضوح تام  باستخدام النبي عليه السلام  لأسلوب التشويق القائم على معايير قيمية، ما حفّز الصحابة جميعًا للسعي نحو التميز، وعزّز ذلك بمنح الثقة والتكليف الفعلي، وهذا يسهم بفاعلية كبيرة في تنمية الدافعية الداخلية وتعزيز الكفاءة الذاتية لدى الإنسان.

الأسلوب القائم على الاستقراء والاستقصاء: اهتم رسولنا الكريم بهذا الأسلوب، والدليل على ذلك أنه كان يستقرئ أفكار أصحابه من خلال توجيه الأسئلة إليهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتَدْرُونَ من المُفْلِسُ؟ قالوا: المُفْلِسُ فِينا مَن لا دِرْهَمَ له ولا مَتاعَ، فقالَ: إنَّ المُفْلِسَ مِن أُمَّتي يَأْتي يَومَ القِيامَةِ بصَلاةٍ، وصِيامٍ، وزَكاةٍ، ويَأْتي قدْ شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأَكَلَ مالَ هذا، وسَفَكَ دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا، فيُعْطَى هذا مِن حَسَناتِهِ، وهذا مِن حَسَناتِهِ، فإنْ فَنِيَتْ حَسَناتُهُ قَبْلَ أنْ يُقْضَى ما عليه أُخِذَ مِن خَطاياهُمْ فَطُرِحَتْ عليه، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ.

ولم يقتصر الأمر في هذا المجال على طرحه عليه السلام للأسئلة عليهم، بل كان يشجعهم على السؤال عن كل ما يعترض حياتهم من خير أو شر، فهذا حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، فيما رواه البخاري في كتاب الفتن ومسلم في كتاب الإمارةيقول: (كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، وهذا تقرير من حذيفة يصف ما قبل البعثة، (فجاءنا الله بهذا الخير)، أي: بالإسلام، فهو خير كله، (فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قال: فهل بعد هذا الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن.

قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر، فأحياناً يقولون بالحق وأكثر أحوالهم يقولون بالباطل، أي: شر ودخن وغبش عكر هذا الخير وأثر في هذا الإسلام، (قلت: فهل بعد هذا الخير الذي فيه دخن من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم)، الدعاة دائماً على باب الجنة يدعون الناس إلى الخير، لكن تصور أن إماماً تكون إمامته في الشر، وفي الدعوة إلى النار والعياذ بالله، ثم يرفع النبي عليه الصلاة والسلام حجة الأتباع فيقول: (من أجابهم إليها قذفوه فيها)، فلا حجة لك في أن تتبع أئمة الضلالة، (قلت: يا رسول الله! صفهم لنا)، تصور حذيفة أن هؤلاء الدعاة ليسوا من أبناء الملة، فرد ذلك النبي عليه الصلاة والسلام فقال: (هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا)، أي: يقولون: قال الله، وقال رسوله، لكنهم يلوون النصوص ويصرفونها ويؤولونها على غير مراد الله عز وجل، وعلى غير مراد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، قلت: (يا رسول الله! – في وسط هذا المأزق – فبماذا تأمرني إن أدركني ذلك اليوم؟) رد عليه بقوله: إن الله عزَّ وجلَّ، قد هيأ لك حذيفة؛ ليسأل هذه الأسئلة؛ لأنها تلزمك في كل عصر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)؛ لأنها نجاة، ومن فارق الجماعة قيد شبر فمات فميتته جاهلية، (قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام فماذا أصنع؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك).

العدل والإنصاف: لقد أقرّ النبي صلى الله عليه وسلم، في غزوتي بدر والأحزاب وغيرهما من غزواته، بمبدأ مهم في التربية الابتكارية وهو تطبيق المساواة بين الجندي والقائد، ومشاركته لهم في الظروف المختلفة، ويتضح ذلك في موقفه وإصراره صلى الله عليه وسلم، في غزوة بدر على مشاركة أبي لبابة وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، في المشي وعدم الاستئثار بالراحلة، وفي غزوة الأحزاب تولىّ المسلمون وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، المهمة الشاقة في حفر الخندق، وكان لمشاركته الفعلية في الحفر الأثر الكبير في الروح العالية التي سيطرت على المسلمين.

إن تشديد الإسلام على أهمية العدل في التعامل مع الآخرين نابع من الإيمان بأن ذلك أساس للتفوق والابتكار؛ لأن البيئة العادلة تعزز روح الابتكار، وتشجع على تطوير الأفكار الإبداعية الخلاقة، وتساعد في بروزها وظهورها.

التدريب على المشاركة والممارسة العملية، لما في هذا الأسلوب من أهمية في تعزيز الثقة بالنفس وتعزيز الطاقات والقدرات وتنميتها، ومن أساليب التدريب على المشاركة والممارسة العملية في المنهج النبوي، ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، مع رجل سأل عن أوقات الصلاة، إذ لم يكتفِ بالإجابة النظرية، بل أمره أن يصلي معه يومين حتى يدرك أوقات الصلاة عمليًا، وهو ما يعكس أهمية التعلم بالممارسة العملية في تعزيز الثقة بالنفس وتنمية القدرات، حيث يكتسب المتعلم خبرة فعلية في تطبيق ما تعلمه. هذا يعكس أسلوب التعلم بالخبرة والممارسة العملية، ويحفز المشاركة الفعلية، ويعزز الكفاءة والمهارة.

لم يكتف عليه الصلاة والسلام، بالأخذ بمبادئ التربية الابتكارية في منهجه التربوي والتنويع في أساليبه، إنما  عزّز عليه الصلاة والسلام الأساليب التي انتهجها في تربيته بجملة من الخطوات النبوية للتربية الابتكارية، تتجلى فيما يلي:

الترغيب في طلب العلم النافع:

حث رسولنا الكريم بهدي من تعاليم الشريعة الإسلامية  على طلب العلم والسعي إليه لتطوير المعرفة وبناء الفكر، قال صلى الله عليه وسلم: “طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة”، وقوله صلى الله عليه وسلم إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ ينتفعُ به، وولدٍ صالحٍ يدعو له” وهذا كله تشجيعًا منه على حث الناس على السعي في طلب العلم والاستفادة من الفرص التعليمية لتحقيق التطور الفكري والنماء الثقافي المستمر.

الحث على التفكير بحلول جديدة ابتكارية وتعزيز تحقيقها:

تجلى ذلك في مواقف كثيرة له مع الصحابة الكرام، منها موقفه مع ربيعة بن كعب  الأسلمي، حيث قال:  

كُنْتُ أبِيتُ مع رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فأتَيْتُهُ بوَضُوئِهِ وحَاجَتِهِ فَقالَ لِي: سَلْ، فَقُلتُ: أسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ في الجَنَّةِ. قالَ: أوْ غيرَ ذلكَ؟ قُلتُ: هو ذَاكَ. قالَ: فأعِنِّي علَى نَفْسِكَ بكَثْرَةِ السُّجُودِ“.

الحث على الإتقان في العمل:

الإتقان في العمل يعدّ وقود الابتكار وشرارته المتقدة، أكد  ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: إنَّ اللهَ يحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكم عملًا أنْ يُتقِنَه” فكلما زاد إتقان الإنسان لعمله؛ زادت فرص الابتكار لديه والإتيان بالجديد قلبًا وقالبًا.

الثناء على الخبرة والتجربة:
لا يوجد ابتكار بلا تجربة وبلا محاولات فاشلة، فالحكمة لا تأتي إلا من بعد تجارب وزلات، لقد كان عليه الصلاة والسلام يثني على أصحابه إذا بدر منهم أي إنجاز، وبالوقت نفسه كان يتجاوز عن زلاتهم إيمانًا منه بأن الكمال لله، وكل إنسان معرض للخطأ والزلل مهما عظم، ومن المواقف البارزة التي تؤكد  سماحة النبي صلى الله عليه وسلم وتقديره لجهود أصحابه رغم وقوعهم في الخطأ، موقفه مع الصحابي خالد بن الوليد رضي الله عنه، في حادثة بني جذيمة.. بعد فتح مكة،  حين أرسل النبي صلى الله عليه وسلم، خالد بن الوليد في سرية إلى بني جذيمة لدعوتهم إلى الإسلام. لكن حدث سوء تفاهم، فأدى ذلك إلى وقوع بعض القتلى. وعندما بلغ الأمر النبي صلى الله عليه وسلم، رفع يديه إلى السماء، وقال: “اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد”، ثم أرسل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لإصلاح ما حدث، ودفع الديات، وتم تعويض المتضررين، ورغم خطأ خالد، لم يعنّفه النبي صلى الله عليه وسلم، بشكل قاسٍ أو يقلل من شأنه، بل استمر في تقدير جهوده وإمكاناته، واستعان به في الكثير من المهام بعد ذلك، حتى لُقب بـ”سيف الله المسلول”.
تعزيز روح المبادرة:

السبق دائمًا يكون للمبادر الأول، والابتكار هو ثمرة المبادر، وتجلى ذلك في موقفه مع عكاشة، حين كان يتحدث مع أصحابه قائلًا عليه الصلاة والسلام: (يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن أُمَّتي سَبْعُونَ ألْفًا بغيرِ حِسابٍ، قالوا: ومَن هُمْ يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: هُمُ الَّذِينَ لا يَكْتَوُونَ ولا يَسْتَرْقُونَ، وعلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، فَقامَ عُكّاشَةُ، فقالَ: ادْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَنِي منهمْ، قالَ: أنْتَ منهمْ، قالَ: فَقامَ رَجُلٌ، فقالَ: يا نَبِيَّ اللهِ، ادْعُ اللهَ أنْ يَجْعَلَنِي منهمْ، قالَ: سَبَقَكَ بها عُكّاشَةُ، لقد فاز عكاشة بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان المبادر الأول، ولم يخش العواقب.

تشجيع الطاقات الابتكارية بالدعاء:

«اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» كان هذا دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم، لعبد الله بن عباس بن عبد المطلب، فأصبح فيما بعد ترجمان القرآن.

الانفتاح على ابتكارات الآخرين

المواقف التي تشير إلى ذلك كثيرة جدًا، نشير منها إلى: قصة تعليم أسرى بدر التي تحمل دلالة عظيمة على انفتاح النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الاستفادة من معارف الآخرين، حتى من غير المسلمين، إذا كان ذلك في مصلحة الأمة، خاصة في مجالات التعليم واكتساب  المهارات والابتكار في استخدام الدواوين، فالنبي صلى الله عليه وسلم، أخذ فكرة التوثيق والتنظيم، وهو أمر كان معروفًا عند الفرس والروم، وطوّعها بما يتناسب مع قيم الإسلام ومبادئه.

كانت هذه الخطوة تعبيرًا عن انفتاحه على أنظمة إدارية فعّالة، دون تعصب للنظم التقليدية للعرب في ذلك الوقت، والنبي صلى الله عليه وسلم، كان يوجه الصحابة إلى تعلم اللغات إذا كانت ستسهم في نشر الإسلام. ومن الأمثلة على ذلك تعليم زيد بن ثابت رضي الله عنه السريانية، كما تعلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بعض لغات الأمم التي فتحها المسلمون، فالانفتاح على الابتكارات العلمية والعملية كان جزءًا من رؤيته لتحسين حياة الأمة الإسلامية وتحقيق مصلحة الجميع.

. إن السيرة النبوية بأحداثها وتفاصيلها تعدّ مدرسة تربوية متكاملة، لما تحمله بين ثناياها من مواقف عظيمة تضع للدعاة والمعلمين والمربين منهجاً للتربية الابتكارية الصالحة لكل زمان ومكان، وهذا ما يؤكده مايكل هارتفي كتابه (الخالدون مائة) وعلى رأسهم محمد، بقوله: (اخترت محمدًا صلى الله عليه وسلم، في أول هذه القائمة، ولا بد أن يندهش كثيرون لهذا الاختيار، ومعهم حق في ذلك، لكن محمدًا عليه السلام هو الإنسان الوحيد في التاريخ الذى نجح نجاحًا مطلقًا على المستوى الديني والدنيوى».

ختامًا أقول: إن اقتداءنا بمنهجه في تربيتنا لأبنائنا وناشئتنا وأنظمتنا التعليمية سيمكننا من التربية الابتكارية الحقة التي تعلي شأن الإنسان، وتبنيه فكريًا وخلقيًا مع ضرورة الأخذ بمتطلبات العصر وتقنياته الحديثة للارتقاء بالعملية التعليمية وتحسين جودة مخرجاتها والانطلاق نحو الريادة وبناء المستقبل المنشود.

* أستاذ المناهج وطرق التدريس في جامعة المدينة  العالمية بماليزيا

alphaa20@hotmail.com

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود