مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

محمد عسيري* في آخر النهار، حين تهدأ المدن قليلًا وتخف وطأة الأخبار، يبقى سؤال قد …

“بورتريه”.. شاهدٌ على النهار وسيرة الشرق

منذ 4 ساعات

8

0

محمد عسيري*

في آخر النهار، حين تهدأ المدن قليلًا وتخف وطأة الأخبار، يبقى سؤال قديم عالق في الهواء بحرقة وخيبة وصبر شاسع:

ماذا يتبقى من كل هذا الضجيج؟

ما الذي يظل من الحروب بعد أن تتوقف المدافع؟

ومن الزعماء بعد أن تغادرهم السلطة؟

وما المدن بعد أن يرحل عنها صخبها وتذبل قناديلها؟

قلة من الكتاب أمضوا أعمارهم وهم يطاردون هذه الأسئلة دون أن يعلنوا ذلك صراحة.

كانوا يكتبون عن السياسة، وبين الكلمات المتعثرة يبحثون عن الإنسان، يكتبون عن التاريخ وهم ينصتون إلى الذكريات.. ويتابعون الأحداث اليومية وأعينهم معلقة بالعواجل.
ذلك النوع من الكتاب تعلموا الصبر ومراوغة الرقيب، لا يغريهم الصخب.. يعرفون أن الحقيقة لا تسكن العناوين المخادعة دائمًا، وأن ما تتركه الأحداث في النفوس قد يكون أعمق، ولهذا تبدو كتاباتهم أقرب إلى التأمل منها إلى المباشرة، أقرب إلى الاستيعاب من الشجب والاستنكار.

هكذا أستطيع الاقتراب من تجربة سمير عطا الله الكاتب والإنسان.. هكذا أستطيع أن أتلمسها.

فالكاتب الكبير لم يكن مجرد صحفي تابع أخبار المنطقة لعقود طويلة، بل شاهد رافق تحولات الشرق العربي في أكثر مراحله اضطرابًا، رأى أحلاما كبرى تولد، ورأى بعضها يتعثر في منتصف الطريق، تابع صعود زعماء وهبوط آخرين، وشهد تبدل العواصم والأفكار والتحالفات، لكنه لم يتعامل مع كل ذلك بوصفه مادة سياسية فقط، إنما رآه جزءًا من حكاية إنسانية طويلة.

لم تتحول كتابته إلى نشرات مواقف أو سجلات وقائع، كان نظره وقلمه سلطان دائمًا عما وراء غبار الحروب وعراك النخب السياسية، عن الإنسان الذي يبحث عن بقاياه.. عن ندبة الحزن في جدار قلبه.. وعن المدينة التي تخفي خلف عمرانها ذاكرة كاملة من الأفراح والخسارات.. وعن الزمن الذي يبدل الوجوه والأسماء، لكنه يترك الأسئلة الكبرى منتصبة في المنتصف كما هي.

في عالم الصحافة، حيث يغري الحدث الكاتب بمطاردته لحظة بلحظة، بدا سمير عطا الله مختلفًا، لم يكن أسير العاجل بقدر ما كان مشغولًا بالحفاظ على يقينه وأسئلته الأبدية.
ما الذي يبقى بعد انطفاء الضجيج؟ ومن الذي سيصمد؟ وكيف تستطيع الشعوب أن تحمل ذاكرتها وسط كل هذا الخراب؟

هذه المسافة التأملية هي التي منحت كتابته نبرة خاصة، نبرة تنحاز إلى الخبرة أكثر من الانفعال، وإلى الحجة أكثر من رفع الصوت، لذلك كان القارئ يشعر أنه لا يقرأ مقالًا سياسيًا إنما يقرأ فصلًا صغيرًا من سيرة طويلة لحالة الشرق نفسه.

ولعل أكثر ما يلفت في تجربته تلك العلاقة الهادئة مع اللغة، لم يتعامل معها باعتبارها وسيلة لإظهار المعرفة أو استعراض الثقافة، بل باعتبارها وطنًا يأوي إليه كلما شعر بخيبة، وما أكثرها الخيبات..!
لغته أنيقة دون تكلف، عميقة دون غموض، وقادرة على حمل الأفكار الكبيرة دون أن تثقل على القارئ، ربما كان يكتب ليجعل القارئ في حالة انتباه وترقب.

حين نتأمل مسيرته اليوم، لا نتذكر فقط كاتبًا استمر لعقود طويلة في الصحافة العربية، بل نتذكر نموذجًا لمثقف ظل محتفظًا بفضوله رغم طول الرحلة.. رجل عرف الكثير ولكنه لم يفقد لياقة البحث ومهارة التسديد بالكلمات.
اقترب من السياسة، لكنه لم يسمح لها أن تطفئ حسه الإنساني وتلطخ رهافته، عاش وسط الأحداث الكبرى، لكنه بقي منحازًا للأسئلة التي يعيشها الناس أكثر من انحيازه للشعارات المتلونة.

يبدو سمير عطا الله في جوهر تجربته يقف موقف شاهد على رواية الأوطان لا مجرد كاتب يروي أخبارها كل صباح.. شاهد أدرك مبكرًا أن ما يبقى في النهاية الحقيقة.
الرجل الوقور بملامحه الدافئة وتجاعيده المطمئنة يبدو كأنه خرج لتوه من صباح طويل مع الكتب والقهوة والذكريات. يجلس منغمسًا في هدوئه كما لو أنه لا يحمل رغبة في مجادلة العالم أو الانتصار عليه، في وجهه شيء من حكمة البحر وشيء من ملامح أهله، ومن الكاتب الذي أمضى عمره يفكر أكثر مما يتكلم. حين تتأمل ملامحه، يخيل إليك أن السنوات لم تترك فيها التعب بقدر ما تركت عناوين الرفاق ومسافات السفر.

وما بين النهار التي شهدت بدايات الرحلة والشرق الأوسط التي احتضنت سنواتها الأطول، تمتد سيرة يصعب اختصارها في أرشيف صحفي أو مجموعة مقالات.
هناك، بين اسمين ارتبطا بتاريخ الصحافة العربية كتب سمير عطا الله جانبا من ذاكرته وذاكرتها، ورافق تحولات أجياله وأحلامه وخيباته، حتى بدا أحيانًا كأنه لا يكتب عن غيره.

فالرجل الذي تجاوز الثمانين، وتنقل بين عواصم العالم، وجالس الملوك والرؤساء، ظل محتفظًا بشيء أبسط من السياسة وأكثر صدقًا منها، احتفظ بعروبته الأولى وبرائحة بيروت التي رافقته أينما ذهب يحملها في أكمام معطفه، وبانحيازه الدائم للإنسان العادي الذي يسقط اسمه كل مرة من العناوين الكبرى.
في سيرته ما يشبه قافلة الحبر الطويلة، مدن تتعاقب، ووجوه تظهر ثم تغيب، ومسافات في أوطان الآخرين تقطع بحثًا عن شيء أعمق من المشهد العابر.

كان يحمل فضول الرحالة وحساسية الكاتب، لذلك لم تعد المدن في كتابته مجرد أسماء على الخرائط، بل كائنات حية لها طباعها وذاكرتها وأحزانها، ومن بين ناس ومدن وأسفار طويلة، ظل يجمع شتات الحكاية العربية في “أوراق السندباد” ويعيد سردها بهدوء من قرأها مرارًا على أمل أن تتبدل النهايات وتصبح أكثر عدلًا.

لم تشغله صالات السياسة عن الإصغاء إلى الناس في حرفه، ولم تحجبه الأحداث الكبرى عن رؤية التفاصيل الصغيرة التي تصنع حياة البشر.. والتي دوّنها في مقالاته ومؤلفاته، كان يدرك أنه يستطيع قول كل شيء، متى ما كان حرًا لا ترتعش يده.

هو لم يكن يكتب عن الإنسان من بعيد، بل من داخل يومياته، عاش أسئلته، ورافق تحولاته، ودوّن شيئًا من أفراحه الكثيرة وخساراته الأكثر، وحين نقرأ سمير عطا الله اليوم، لا نقرأ أوراق كاتب فحسب، إننا نقرأ جانبًا من زمن طويل وحافل تفحصه رجل أمضى عمره كله يصغي إلى ضجيج العالم وتناقضاته، ثم يكتبه بهدوء في مقال صباحي قبل أن يتركه ويمضي إلى حكاية أخرى.

* كاتب من السعودية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود