5
0
16
0
2
0
13
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13628
0
13468
0
12292
0
12177
0
9633
0

عبدالعزيز قاسم *
ثمّة وجوهٌ لا تموت بموت أصحابها؛ تظلّ تطلّ عليك وقتما خلوتَ إلى نفسك، فتُمسك القلم ثمّ تَدَعه، هكذا كان الشيخ إلياس وأنا أكتب فصله في هذا الكتاب، كلّما دنوتُ من سطوره، عاد إليّ صوته الخافت في هدأة ليلٍ قيرغيزيٍّ بعيد فأطيل النظر في الجدار وأؤجّل، ذلك أنّ بعض الرجال لا يُكتبون كما تُكتب الحكايات، بل يُستحضَرون كما تُستحضَر الصلوات، ومن ذلك الفصل أنزع لكم هذه الصفحات؛ لا لأحكي أنا، بل ليحكي هو.
بشغفٍ وألمٍ كنتُ أتابع فيلم «العودة»، الذي يروي هروب مجموعةٍ من السجناء من معسكرات «الغولاغ» في سيبيريا إبّان الحرب العالميّة الثانية، القصّة حقيقيّةٌ، وهذا ما يشدّك إليها، زوجان من بولندا، اتُّهم فيها الزوج —ظلمًا— بالجاسوسيّة، وأُجبرت الزوجة على الشهادة ضدّه، ونرى عبر الفيلم الفظائع اللا إنسانيّة التي عاناها السجناء في ثلّاجة الموت هناك، إذ هرب الزوج مع رفقةٍ له في رحلةٍ طويلةٍ قطعوا فيها الاتّحاد السوفيتيّ من أقصى شماله إلى شرقه، في سبكٍ دراميٍّ غايةٍ في المأساويّة تُغرورق له العينان، مرّ الهاربون ببلدانٍ عدةٍ في ظروفٍ لا يحتملها بشر، حتى بلغوا الهمالايا، ومنها إلى كشمير حتى نجَوا، وقد قضى نصفهم صقيعًا في سيبيريا المرعبة، أو عطشًا في صحارى منغوليا القاحلة.
ما الذي دعاني إلى استعادة هذا الفيلم الذي حفر فيّ عميقًا؟
حين جئنا «القرية الشرقيّة» في قيرغيزيا قبل أكثر من ثلاثة عقود، وأنِس بنا أهلها، كنّا نجلس إلى عالمهم الكبير الذي ينتهون إلى رأيه، الشيخ إلياس بن الحاج علي الداغستاني، كان يومها في الثمانينات من عمره، رجلًا عالمًا فاضلًا ذا حكمةٍ ورأيٍ حصيف، استبدّ بنا الفضول فسألناه عن قصّته، بعد أن أخبرنا الشيخ موسى الدرقيني أنّ الرجل عاش أسيرًا في سيبيريا خمس سنوات، في معسكرات «الغولاغ» المرعبة — معسكرات العمل الإلزاميّ والسخرة، حيث يتعرّض المقيمون فيها لكلّ أشكال القمع والتنكيل، وضحاياها في عهد ستالين، منذ عام ١٩٢٩م إلى ١٩٥٣م، نحو ثمانية عشر مليون سوفيتيّ، مات منهم قرابة خمسة ملايين، وثمّة روايةٌ كتبها ألكسندر سولجينتسين بعنوان «أرخبيل الغولاغ» كشف فيها مأساة معسكرات السخرة، وهو الذي سُجن فيها سبع سنوات.
لا أنسى ملامح وجه الشيخ إلياس في هدأة ذلك الليل، وهو يقصُّ علينا بعض حكايته الأليمة، لذلك حين شاهدتُ «العودة» قبل سنينٍ قلائل، ربطتُ بينهما، واستحضرتُ مأساته، وعرفتُ أيّ ظروفٍ قاسيةٍ عاشها في المعتقلات الشيوعيّة، ورغم مضيّ ثلاثة عقود، ما زلتُ أتذكّر بعض ما قصّه، وقد أصررتُ في زيارتي الأخيرة قبل شهورٍ على الذهاب إلى ابنته، التي باتت عجوزًا في السبعين، فاستقبلتنا في مجلس بيتها، وكانت كأبيها: هادئة الحركات، خافتة الحديث، متأنّية الإجابة.
كنتُ أطالعها فأرى أباها؛ ذلك العالم الحكيم يرحمه الله، سجّلتُ في ورقةٍ بعض ذكرياتها عنه، وانصرفتُ وأنا أستعيد وضاءته وحكمته، وجلوس قومه بين يديه بإجلالٍ كبير، وحديثه إلينا بالعربيّة الفصيحة، إذ كان أبلغ قومه، وأخبرني ابنه محمّد بن موسى الدرقينيّ أنّه ألّف بعد رحيلنا عن تلك الديار كُتيّبًا حكى فيه قصّة حياته، عنوانه سؤال: «ماذا رأيتَ في الشيوعيّة؟»، طلبتُه من محمّد فأكرمني به، فاستغرقتُ في قراءته بعمقٍ وتركيز، وكانت السطور تُعيد إلى ذاكرتي الكليلة بعض ما حكى لنا.
وأنقل إليكم هنا فقراتٍ من ذلك الكُتيّب؛ لتتبيّنوا بلاغة الرجل رغم انقطاعهم عن بقيّة البلدان العربيّة سبعين عامًا كاملًا ونوعيّة التعبير الذي كان سائدًا إبّان تعلّمه العربيّة، بدأ مقدّمته بقوله:
«أمّا بعد: فإني زابرٌ هذه الحروف، الشيخ إلياس الداغستاني، لما عشتُ على متن هذه الدنيا من عمري، البالغ الآن إلى النصف من العقد التاسع، الذي هو معترك المنايا، في فتنٍ كالليل المظلم وبلايا، ومن جملتها الحربان العالميّتان الأولى والثانية، وبينهما الانقلاب الروسي الشيوعي، التي أريقت فيها دماء الملايين من الناس، وخُسرت فيها الأموال الكثيرة بلا فائدة ترجع على أحد، وعشتُ أكثر من سبعين سنة في الشيوعية، التي ما غمضت فيها العين إلا على القذى، وما جرع فيها الريقُ إلا على الشجى، سألني بعض طلبتي أن أكتب ما رأيت وما سمعت، وما مرّ عليّ في غضون ذلك الزمان، من عجائب الدهر وتصرفات العصر، وأكثرها في زمان الشيوعية، التي هي البلية العظمى على ابن آدم وخاصة على المسلمين، بل على كل إنسان سويّ، ثم سألني ذلك من لا يليق ردّه ومنعه؛ فكتبت مجيباً لذلك ما بقي منها في ذاكرتي الفاترة وذهني الغبي، مستعيناً من الله العلي..».
حين قرّرنا —ورفقتي— المجيءَ لتعليم القيرغيز أساسيّات الدين، وهم الذين لا يعرفون الوضوء ولا الصلاة ولا الفاتحة، استعنّا بكتب الدين والعربيّة من مقرّرات المرحلة الابتدائيّة، وثار هرجٌ ومرجٌ في القرية بعد فترة، إذ كانوا شوافع أشاعرة، فاعترضوا علينا في كتب التوحيد، ونحن لسنا شرعيّين، إنّما أتينا للدعوة والتعليم، فأسكتهم الشيخ إلياس واجتمع بنا، وقال بكلّ حكمةٍ وبساطة: إنّ الأَولى جَمعُ القلوب، ونحن نقدّر لكم مجيئكم لهذه البلاد، ونعرف غرضكم في تعليم القيرغيز أساسيّات الدين؛ فإن رأيتم أن تكتفوا بتعليمهم تلك الأساسيّات، دون الخوض في المسائل المختلَف فيها فهو أدعى للقبول منكم، وهؤلاء القوم أحوج إلى هذا.
وافقناه، وأجمعنا على أنّ رؤيته حكيمة، وشكرناه على لطفه وطريقته في مخاطبتنا؛ فالقوم لا يعرفون الصلاة، ومن الخَطَل أن نخوض في أشعريّةٍ وماتريديّةٍ وفِرَق، وهم لا يُحسنون قراءة الفاتحة، ومضينا خمس سنواتٍ نعلّمهم من أساسيّات الإسلام ما لا تختلف فيه المذاهب، والحمد لله؛ أتى بعض طلبتنا إلى الجامعة الإسلاميّة بالمدينة المنوّرة وجامعة الإمام، وعادوا يعلّمون قومهم بعض ما نهلوا.
أعود بكم والشيخَ إلياس إلى سيبيريا، وإلى يوميّاته في منفى ستالين المخيف، في معسكرات البلاشفة سيّئة السمعة، حيث كتب:
«وكانت برودة الشتاء أحياناً، تبلغ إلى ٢٥-٣٠ درجة تحت الصفر، وما يُلبس على الأقدام كانت أجربة شتائية من لبد تبتلّ وتتشرّب من مُذاب الثلج والجليد، فتثقل بحيث كنا نحملها بجهد، حتى نصل إلى مأوانا في المخيمات المبنية على الأرض المتجمدة في الغابات، بعد كسح الثلج وقطع الأشجار منها، وتلك المخيمات هي هياكل مهيأة من أغصان تلك الأشجار، ثم يلبس عليها كرابيس غلاظ تسترها، وكان ينجرُّ من تلك الأشجار المنجمدة؛ أسرّة ليبيتَ عليها المحبوسون ويُفرش عليها شيئاً من الفرش إن وجد، فهم فيها نيامٌ كنوم الأرنب حين يصفه الشاعر بقوله:
ينامُ بإحدى مُقلتيهِ، ويتّقي / بأخرى المنايا، فهو يقظانُ نائمُ
فهؤلاء الغرباء بعد مقاساتهم تلك الشدائد، يضعف حالهم يوماً بعد يوم، حتى يؤول أمرهم إلى أن ينقضي أجلهم المحتوم فيموتون في تلك الغربة، أو ينقضي أجلهم المحكوم، فينفلتون ويرجعون إلى أهلهم وأقاربهم، وهم القليل، وأنا، الحمد لله صرتُ من هذه الفرقة الراجعين..».
استقرّ هذا العالِم، الذي سرد في كتابه قصّة تعلّمه الشريعة والعربيّة منذ صغره في أرض الداغستان، حيث كان أبوه يُسمّى «شيخ الإسلام» هناك، عالمًا كبيرًا من علماء تلك الديار، قتله الشيوعيّون، وقتلوا غيره من علماء الشريعة في تلك البلاد، وللأمانة التاريخيّة، قتلوا كذلك القسس والرهبان، وحاربوا كلّ ما يمتّ للأديان السماويّة الثلاثة بعنفٍ وجبروت، ومن هنا تكلّم الشيخ إلياس عن حال المجتمع إبّان حكم الاتّحاد السوفيتيّ البائد، فقال:«لأن الشيوعية ليست على الفطرة الإنسية والإنسانية، بل هي أميل إلى الوحشية والحيوانية، وصار الناس فيها مقسومين إلى طبقتين: طبقة الأقلية الشيوعيين الممثلين للسادات في قديم الزمان، بيدها المعايش وأسبابها، نشيطين، رافعي الرؤوس بأنهم تحت حماية الروس، وبيدهم القدرة والغلبة، وطبقة أكثر الناس، ممثلين العبيد في العصور القديمة، مطرودين محرومين مذللين، بذلك قعدتْ هممهم، وانطفأت قرائحهم، ونسوا حريتهم الإنسانية، ومزاياهم الشخصية، ففي بلاد غير المسلمين لا يُرى إلا شارب خمر ثمل، أو متناول مخدّر مائل، لا همّ لأحدهم إلا كسرات خبزٍ يأكلها أو حاجة شهوةٍ يقضيها، وفي البلاد الإسلامية ليس للإسلام فيها شعار، ولا لآثاره إلا خرابٌ ودمار، فلا صلاة لمن يصلّيها إلا في زاوية بيته، ولا قراءة لقارئ إلا بمخفي قراءته، معبدهم النادي، وذاكرهم المغني والشادي، مساجدهم مقفولة، وجمعتهم وجماعتهم معطلة، لأنهم لا همّ لأحدهم إلا «تْرُدَدِين» (أجرة العمل اليومي)، نسوا غيره من الدنيا والدين..».
والكُتيّب –الذي نقلت معظمه في كتابي الجديد- ممتعٌ لمن يَروم معرفة أحوال المسلمين وغيرهم في الحقبة الشيوعيّة السوداء على مدى سبعين عامًا.
وقد كنتُ شغوفًا بكيفيّة حفظهم الدين طوال تلك العقود، رغم القسوة والصرامة التي كان عليها البلاشفة. فحكى لي الشيخ إلياس كيف كانوا يعلّمون أبناء القرية الكتبَ التي مرّ ذكرها في فصلٍ سابقٍ من هذا الكتاب؛ إذ عمل الرجل نجّارًا ليكسب قوت يومه، وفي الليل يتفرّغ للتدريس في الأقبية. كتب يحكي ذلك: «واشتغلتُ بحرفة نجارة دواليبَ لعجلات تجرّها الخيل، المحتاج إليها السوخوز إذ ذاك أكيداً، لعدم وجود السيارة إذ ذاك، وشغلي كان ثماني ساعات في النهار وأما أكثر ساعات الليل فكنت مشتغلاً بتعلّم وتعليم الطلبة العلومَ العربيةَ، ذلك الشغل الممنوع من جانب حكومة ستالين منعاً باتاً، وللاحتراز من اطلاع رجال أمن الدولة، الذين كانوا يفتشون عن مثل ذلك الشغل علينا؛ كنا نغلق الأبواب ونرخي الحجب على النوافذ، ونتستّر في قعر البيت، لأنه كان من قانون حكومتهم حبس من اشتغل بمثل ذلك، أو وُجد في بيته شيءٌ مكتوبٌ بلسان العرب..».
لا تتّسع السطور لكلّ ما خطّه، وما خطّه ماتعٌ مشوق، بيد أنّي أعود إلى «العودة» التي بدأتُ بها؛ فقد كانت نهايته مشرقةً بعودة الزوج إلى زوجته بعد خمسين عامًا من الغياب، في مشهدٍ يقطّع القلوب، وأقارن تلك الخاتمة بحكاية شيخنا؛ فقد استطاع —بعد العمر الطويل— أن يحجّ بيت الله الحرام في أُخريات حياته، فاستقبله العلّامة عبدالعزيز بن باز يرحمه الله، وأوصاه بقومه، وأن يباشر تربيتهم وتعليمهم، واستمع إلى بعض قصص هؤلاء القوم.
وعاد الشيخ إلياس يرحمه الله، هانئ البال مطمئنّ النفس، ومات عام ٢٠٠٠ ميلاديّة عن عمرٍ ناهز الثانية والتسعين فشهد ميلاد الشيوعيّة وموتها، تلك التي حبسته وأذاقته الويلات في سيبيريا، حضر جنازته جمعٌ غفير، بعضهم قطع إليها خمسة آلاف ميلٍ من داغستان.
لا أنسى، يرحمه الله، حين رآنا أوّل مرّةٍ بأعمارنا الصغيرة، كأوّل سعوديَّين يَفِدان قيرغيزيا و«القرية الشرقيّة» الوضيئة بالإيمان بعد الاستقلال: كمّ الفرحة التي تلبّسته، والدموع التي لمعت في عينيه، وقد شعّتا برسالةٍ واحدة:
«الحمدُ لله أنّي بقيتُ لهذا العمر.. لم يمت الإسلام، بل مات ستالين وولّت الشيوعيّة».
ولم أكتب فصله في هذا الكتاب لأُخلّده؛ فمَن رأى تلك العينين، لا يملك أن يصمت.
* إعلامي وكاتب صحفي