يوم مختلف

أحمد عثمان*

ــ بيكيا .. بيكيا .. روبا

لم تدعه الصيحات يكمل .. شظايا نداءات تأتيه من كل جانب، تطالبه أن يتمهل قليلاً .. توقف عن دفع العربة، وراح يتلفت نحو مصادر الصوت.. لم يطل انتظاره، رجال ونساء من كل الأعمار يتدفقون نحوه من مداخل العمارات، وآخرون تتدلى أنصافهم من الشرفات يستحثونه التريث ..

اتخذ مكانًا متوسطًا بين البنايات .. انتابه الانزعاج، وتلبسته الدهشة ـ في آن ـ مما يرى من تزاحم وتدافع حول صندوق العربة .. يأتونه يحمل بعضهم عبوات كرتونية بأحجام وأشكال مختلفة، وآخرون يهرولون بما جمعوا في أكياس؛ بعضها من البلاستيك، وبعضها من القماش، يرفعون أحمالهم فوق ظهورهم، وأكتافهم، ورؤوسهم .. نفر غيرهم أجهدهم المسير يحتضنون أشياءهم في غير عبوة ..

  أغرقته الحيرة في بحار أحوالهم المتباينة .. يقبلون بوجوه ممتقعة عابسة، وأبدان منهكة .. ويستدبرون خِفافًا، منتصبي القامة، رائقي الوجوه، تغشاهم السكينة، وابتسام يتربع على الشفاه ..

على مقربة منه؛ اجتذب ناظريه رجل وامرأة في أواسط العمر ـ وقد انتحيا جانبًا ـ يقفان متقابلين، وادعين .. ترفع وجهها إلى وجهه، ونظراتهما في اشتباك عناق، مسترخٍ، حانٍ، لعاشقين التقيا بعد طول بعاد، بدا له بلا نهاية .. يتقاطر حديثهما إلى سمعه:

ــ سامحيني ياحبيبتي .. أهملتك كثيرًا ..

ــ بل سامحني أنت ياحبيبي .. تلاعبت بي الظنون ..

يمضيان في خطوٍ متمهلٍ، وكلاهما يلف ذراعه حول خصر صاحبه .. يبعدان، وحديثهما الذي ما زال متصلاً لم يعد يصل إلى أذنيه ..

أهاج المشهد كوامنه .. زفرة وجع طويلة تخرج بطيئة من أعماق صدره؛ وهو يستحضرالموشحاليومي الأثير الذي تستقبله به امرأته عند عودته مع المغيب؛ حين يُلقيِ في كفها حصيلة يومه:

ــ ياما جاب الغراب لأمه .. إيه دا كله .. إيه دا كله ..!

وتنطلقوصلةالسخرية اللاذعة التي حفظها عن ظهر قلب، تتلوهاعدُّودةميل بختها، والأنين من شظف العيش، وطبق الفول الذي لا ينوي مفارقتهم، ويداها اللتان برى جلدهما غسيل ملابسهم المهترئة .. والديون التي لا تنتهي لأم صباح بائعة الخبز، والحاج عبده البقال، و، و

يفيقه من استغراقته مرأَى الرجلينِ اللذان كادا يشتبكا في عراك منذ قليل؛ وهما يتدافعان نحو العربة؛ أيهما يُلقي أولاً .. كل منهما يشد على يد الآخر، وبينهما حديث عتاب _ لا يسمعه _ تنم عنه إشارات أياديهما، واهتزازات رأسيهما، تبعه عناق، فسلام، فكل إلى وجهته هادئًا ..

ما زالوا يتوافدون .. يلقون، ويذهبون ..

أثار حفيظته أنهم لا يطالبونه بثمن ما استودعوا صندوقه .. يناديهم ليأجرهم، فلا يعيرونه سمعًا، ويمضون من حيث أتوا .. يحادث نفسه:ما الذي يحدث .. لم أر هذا من قبل .. منذ طفولتي ـ قبل خمسين عامًا ـ كنت أجوب الشوارع مع أبي من مطلع الشمس إلى مغربها، ثم توليت المهنة بعده؛ لم أتحصل ـ يومًا ـ على معشار ما أُتخم به صندوقي اليوم، وومجانًا ! .. هل اقتربت الساعة؟!” ثم يهز رأسه؛ وقد تعلَّقت بشفتيه ابتسامة ساخرة وهو يكمل:ترى ماذا ستقولين اليوم يا أم الغراب؛ حين أُلقي في حجرك ثمن محصول اليوم؟ .. ليت هذه (الشوطة) تريحني من سوط لسانك ( الزفر) هذا

امتلأ صندوق العربة عن آخره .. شدَّ عليه الغطاء، ثم استدار يدفع عربته قافلاً، وما برحوا يلاحقونه ليتوقف، وهو يعدهم:

ــ راجع لكم بكرة .. صدقوني (ثم يهمس) .. أنتم كنز وانفتح لي ..

ساد الفضاء صُفْرة ما قبل المغيب، يجدُّ السير بعربته متعجلاً، يستحثه ذاك الذي يطنُّ برأسه:عليَّ أن ألحق بدكاكين (سوق الكانتو) قبل أن يداهمني ميعاد الحظر، وتغلق أبوابها .. هل ـ حقًا ـ يمكنني أن أحصل على مثل هذا المحصول في الغد ؟ .. يا عالِم

قبل أن يستشرف السوق العتيق؛ توقف ليرتب معروضاته ـ كما اعتاد ـ كي لا يبخسها أولئك التجار الجشعون حقها .. ترك يدي العربة، ودار إلى رأسها .. أزاح الغطاء قليلاً، ومال بجذعه ليخرج بضاعتهارتسمت على وجهه علامات الدهشة؛ لما وجد يديه تغوصان بباطن الصندوق .. أدركته قشعريرة مما يلامس، اعتدل سريعًا؛ وقد جحظت عيناه من محجريهما، وتملكه الفزع؛ لما رأى كفيه قد اكتستا بطبقة سميكة من طين أسود أنِف من رائحته النتنة .. تراجع للخلف هلِعًا؛ وهو يحملق تارة في الصندوق، وأخرى في راحتيه .. انفلت لسانه من عِقال الصدمة، وطفق يردد في هيستيريا، وهو يتباعد عن العربة: ياحفيظ .. ياحفيظ ..

ثم أطلق ساقيه للريح.. تلفه غبشة المساء، وترديده يتخافت مع تنائيه ..  تصاغر رويدًا رويدا؛ حتى تناهى وابتلعته تخوم العمران.

*قاص من مصر

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

يسعدني رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: