البدعة والإبداع

سافر محمد الغامدي*

البدعـة والإبـداع كلمتـان متشـابهتان فـي المعنـى ومتضادتـان فـي الاسـتخدام والوصـف، فالأولـى مسـتهجنة والثانيـة مقبولـة ومرحـب بهـا، ورغـم أن صيغـة البدعـة قـد صرفـت بالكامـل إلـى الجانـب المنبـوذ، إلا أن صيغـة الإبـداع لا تـزال تحتفـظ بمعناهـا ودلالتهـا الصحيحـة، وهـي كلمـة تحظـى بالاحتـرام والتقديـر بيـن النـاس فـي جميـع مدلولاتهـا.
صحيح أن البدعــة والإبــداع محرمــة فــي أمــور الديــن، وذلك لأن أصـل الكلمتيـن هـو فعـل «بـدع»، ولكـن تـم تصنيفهـا بطريقـة أو أخـرى إلـى كلمتيـن متناقضتيـن.
والصيغتــان غالًبــا تخضعــان فــي التصنيــف لقبــول الطــرف الآخـر لهمـا، فـإن وافقـت هـواه سـّماها «إبـداع» وإن خالفـت هـواه وصفهـا «بالبدعـة»، ومـن هنـا فـإن الإبـداع هـو الوصـول إلـى نتائـج غيـر مسـبوقة فـي أي مجـال علمـي أو ثقافـي كفنـون الرسـم والشـعر والأدب والروايـة، وغالًبـا مـا يكـون خلـف هـذا الإبـداع عوامـل أخـرى اجتماعيـة واقتصاديـة وثقافيـة، صنعـت هـذا المبـدع القـادر علـى إنتـاج الجديـد

إن الإبـداع الثقافـي فـي منطقتنـا العربيـة يحتـاج للكثيـر حتـى ينهـض ويأخـذ مكانـه الصحيـح بيـن الأمـم، فموروثنـا الثقافـي ملـيء بالأسـماء الخالـدة فـي ذاكـرة التاريـخ مـن أدبـاء وشـعراء وفـي شـتى العلـوم والمجـالات، ولهـذا فإنـه يجـب النهـوض بثقافتنـا وتذليـل الصعـاب أمـام المبدعيـن، وتهيئـة الفرصـة لهـم واكتشــافهم؛ فكــم مــن طاقــات كامنــة موجــودة، ولكنهــا لــم
تجـد الفرصـة لتظهـر لنـا إبداعهـا.

إن مـن أهـم معوقـات النهـوض بالثقافـة فـي بلادنـا أن الإبـداع يرتبــط بالجديــد، ونحـن مجتمــات للأسـف لا تحتـرم الـرأي المخالـف وننبـذ التفكيـر الجديد، وندعـو دائًما إلـى التفكيـرً المطابـق لمـن سـبقونا رغـم أننا سـنعيش زماًنـا غير زمانهـم، وأيضـا مـن الأمـور التـي تعـوق الإبـداع، نظرتنـا للمـرأة ومنعهـا مـن بعـض المتخلفيـن مـن نثـر طاقتهـا الإبداعيـة فـي جميـع المجـالات الثقافيـة؛ وذلـك بسـبب أن ثقافـة مجتمعاتنـا تــرى فــي ذلــك عيًبــا اجتماعًيــا، مــع أن نبينــا وقدوتنــا عليــه الصـلاة والسـلام اسـتمع وأعجـب بشـعر الخنسـاء، وكان يطلـب منهـا أن تسـمعه مـن قصائدهـا فـي رثـاء أخيهـا صخـر، ولنـا فـي رسـول اللـه أسـوة حسـنة

الإبـداع خـروج عـن النـص وعـن المألـوف؛ للوصـول إلـى النتائـج الجديـدة التـي نحتاجهـا فـي ثقافتنـا لمواكبـة متغيـرات الحيـاة والوصـول بهـا إلـى المـكان الـذي تسـتحقه فـي مصـاف الــدول المتقدمــة، ّ لذلــك فإنــه يجــب النظــر بشــكل جــاد وجديـد لـكل المقومـات والسـبل للارتقـاء بثقافتنـا، وإعطـاء الفرصـة للمبدعيـن مـن الجنسـين، والـدور الأكبـر يأتـي علـى الإعـلام المرئـي والمسـموع والمقـروء للنهـوض مـن سـباتهم العميـق، وتكريـس الجهـود لتنميـة موروثنـا الثقافـي والأدبـي.

*كاتب سعودي
حساب تويتر: @Kgagk1 

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

يسعدني رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: