مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

خامسة سالم اّل فرحان* (المسرح مظلم تماما) لن أبقى في هذا البيت أبدا، لا يمكنني ا …

لقاء الذات ـ مسرحية

منذ شهر واحد

16

0

خامسة سالم اّل فرحان*

(المسرح مظلم تماما)

لن أبقى في هذا البيت أبدا، لا يمكنني العيش هنا

(ووسط المسرح تظهر بقعة ضوء يقف فيها شاب في الثامنة عشر من عمره تقريبا)

الشاب: هذا البيت يقيد طموحي ويثبط عزيمتي ويمنعني من تحقيق ذاتي ..
(تظهر بقعة ضوء أخرى أكبر على يمين الشاب ويقف فيها رجل وامرأة ناضجين وتبدو عليهما الثقة والثقافة هما والد ووالدة الشاب اللذان يتحدثان إليه دون أن يلتفت إليهما أثناء حديثه)
الأبأي حلم يردعك البيت من تحقيقه؟ وكيف عساه يقوم بذلك؟ وهل للبيت يدين كي يقيدك أم ماذا؟
الأم: إنه يقصدنا نحن يا عزيزي، فلا يوجد في البيت عداه سوانا.
الأب (ناظرا إليها)وهل تحسبينني لا أعرف قصده؟ أعرف أنه يقصدنا بكلامه وأعرف بأننا نحن البيت في نظره الذي لا يرتد إلينا وهو يحدثنا؟
الشاب: أنا لا أقصدكما أنتما فقط، أقصد هذا البيت والمحيط والبيئة والمجتمع الذي جبلت فيه، إنه خانق ولا أستطيع العيش فيه، إنه يمنعني من التنفس، هذه الظروف التي تحيط بنا .. قلة المال، وانعدام الوظائف، ورجعية المجتمع .. كلها خانقة.
الأموهل تنوي مغادرة البيت أم مغادرة الدنيا، فحسب علمي .. جميع المجتمعات الإنسانية تحمل نفس الطابع تقريبا .. إلا تلك التي تتسم بالانحلال ولا أعتقدك راغبا بها..
الشابهذا يعتمد على تعريفكم للانحلال.
الأببل يعتمد على تعريفك أنت له.
الشاب: أنا لا أرى في الحرية انحلالا .. الحرية هي حق كل إنسان.
الأملكن الحرية والانحلال ليستا مفردتين متناقضتين يا بني فلا تضعهما ضد بعضهما البعض، الحر
(يقاطعها الأب) : انتظري يا عزيزتي.. دعيه يكمل .. أكمل يا فاضل.
فاضل: أكمل ماذا؟
الأبأكمل تعريفك للانحلال.
فاضللا أريد أن أكمل فأنا أرى بأنكم قد عرفتموه سابقا وجزمتم بأنه أساس الفساد ..
الأبإذا تريد أن تحصل على الحرية المطلقة اللامسؤولة
فاضل: أرجوك يا أبي .. توقف عن إلقاء المحاضرات فأنا لست أحد طلابك في الجامعة، أنا فقط أريد أن أخلق مستقبلا يناسبني .. أريد عملا يناسب طموحاتي.
الأم: انتبه لطريقة كلامك يا فاضل، لا تنسى بأنك تتحدث إلى والدك.
فاضل: أعتذر.
الأبألا يمكنك أن تنظر إلينا وأنت تحدثنا ..
الشاب: لا داعي لذلك .. أنا اتخذت قراري، ولا أريد أن أنظر إليكما فتضعف عزيمتي، وخصوصا أنت يا أمي.. أعرف خشيتك علي.
الأمإذا كنت تعرف ابق بيننا إذا.
فاضل: أمي أرجوك .. دعيني أحاول بناء نفسي، لقد طلبت منكما إرسالي إلى الخارج كي أدرس منذ البداية لكنكما رفضتما، ومع أنكما مثقفان ومتعلمان وأستاذي جامعة عجزتما عن فهمي، فالمال لا يعوزكما وإن كان الأمر كذلك كان باستطاعتكما الاستدانة أو الاقتراض لبناء مستقبل ولدكما الوحيد، الآن وجدت طريقة مثلى للذهاب ولن أنتظر. وجمعت المال الكافي مما بعته من أغراضي الشخصية .. وسأذهب إلى بلاد الغرب لأكون مستقبلي.
الأب: أنا لا أفهم أي نوع من المستقبل تريد أن تكونه في الخارج ولا تستطيع ذلك هنا..
فاضلأبي .. أنت معزول عن العالم الحقيقي، العالم الحقيقي يختلف عن عالم الكتب الذي تقرؤها .. نحن في عصر مواقع التواصل والشهرة السريعة والغنى السريع..
الأب: إذا بإمكانك الوصول إلى مبتغاك ها هنا..
فاضلأبي .. أنا لا أمتلك الوسامة التي تؤهلني لبلوغ الثراء والشهرة عبر مواقع التواصل بسرعة، والفضل يعود لكما في ذلك، فكلاكما يعوزه الجمال والوسامة وأنجبتماني بكل ما لديكما من عيوب، الحمد لله أن لا أخت لي وإلا لكانت ستبدو شديدة القبح، ومع ذلك فقد حاولت أن أصل إلى الشهرة بقبحي لكن تنقصني خفة الظل ..
الأمهل تعرف ما الذي ينقصك فعلا؟
الشاب :ماذا؟
الأمينقصك الأدب.
الأب: لا بل ينقصه العقل ..  أنظر إلي يا فاضل (ينظر فاضل إلى والديه ويضيء المسرح من ثم يقتربان منه، المسرح بعد الإضاءة يوجد به صالة جلوس بباب يمثل المخرج من البيت وباب اّخر يؤدي إلى أحد الغرف بالمنزل والبابان يقابلان بعضهما البعض) نحن لم نمنعك من تحقيق ذاتك أبدا، مع أنني شخصيا لا أعرف خطتك وهدفك من السفر، فإن كنت قبيحا هنا كما تدعي، صدقني ستكون أكثر قبحا بالنسبة للأجانب، وظروفك التي تتحدث عنها وتعزو إليها قلة حظك إنما هي من صنع ذاتك التي تنشد الوصول إلى هدف دون وضع خطه له ودون عمل جاد كذلك، ذهابك في هذه السفينة التي ستقلك إلى أرض الأحلام خطر جدا فكما يبدو ستغادر عبر التهريب والتزوير، أنت لست بحاجة لذلك لكن يبدو بأنك قد اتخذت قرارك .. اذهب وابحث عن ذاتك لأنك لم تجدها حتى تحققها.. أنا لن أمنعك ولن أقف في وجهك الذي تشيح به عن وجهيوأمك هاهنالها أن تحاول منعك إن أرادتأنا أتمنى أن تجد ذاتك سريعا وأن لا تعاني كثيراسأذهب إلى غرفتي كي أستريح من عناء العمل..
(يتجه إلى خارج المسرح من الجهة المقابلة لجهة باب الخروج).
(ينظر فاضل إلى أمه بشيء من الخجل)
الأم: بني .. إن كنت خجلا مم فعلت فاعلم أنه خطأ لكن لا تغادر وهذا الخجل على وجهك .. ارفع رأسك وأنظر أمامك وإن خجلت من شيء فحاول أن لا تظهر ذلك لغريب، وأعلم بأنك مهما قابلت ومهما عرفت وحيثما ذهبت فإنك لن تجد مثل هذا البيت الخانق كما اسميته .. إن جنباته تضمك حبا لكنك فسرت هذا الحب على أنه  خنق لك اذهب يا ولدي وعسى أن تجد بغيتك لكن تذكر بأن هذا القلب مرتبط بك فلا تنسى أن تطمئنه ولو بكلمة عنك لأنك إن غبت ورحلت صار خواءً (تبكي)
فاضلسأفعل سوف أتصل بك دائماأعدك .. سأجعلك فخورة بي.
الأموهل قلت لك بأني لست كذلك .. اذهب حماك الله ورعاك وردك إلي سالما ..
(تعانقه بحرارة وتتابعه بنظرها بينما يغادر من الباب المقابل للباب الذي خرج منه والده) وتقول: نحملهم وهنا على وهن ونضعهم وهنا على وهن ويأخذون من أعمارنا وأروحنا بإرادتنا وعندما يشتد عودهم يكسرون عودنايا رب لا تكسر له عوداً … 

يظلم المسرح مجددا

المشهد الثاني

(المسرح مظلم عاصفة شديدة .. صوت رعد مدوي .. برق يظهر وميضه على المسرحتلاطم أمواج .. صراخ استنجاد … ومن ثم يخيم الهدوء على المسرح ويضاء بشكل تدريجي كبزوغ الشمس في الصباح وانقشاع ظلمة الليل.. في خلفية المسرح غابة استوائيةصوت طيور النورس.. فاضل مستلق على خشبة المسرح على بطنه بعد أن قذفته أمواج البحر على جزيرة نائية .. يستفيق تدريجيا ويتفقد نفسه ليرى إن كان حيا أم ميتا مصابا أم سليما .. يقف على قدميه وينظر حوله ويقول:)

أين أنا.. هل أنا حي أم ميت.. إن كنت حيا فأين أنا.. وإن كنت ميتا فلا بد وأن هذه هي الجنة .. لكن أين أنا من الجنة.. أنا لم أكن أصلي وصيامي كان أغلبه كذباينظر خلفه ليجد خشبة تعلق عليها وكانت سبب نجاته .. صحيح.. هذا طوق نجاتي … أنا لست ميتا إذا .. أين بقية أفراد السفينة؟ هل ماتوا؟ أين أنا؟ (يصرخ) هييه .. هل من أحد هناك؟ هل من أحد؟ أيسمعني أحد؟ (لا إجابة)، يبدو أنني وحدي هنا.. لن أتحرك من مكاني هذا أبداسأبقى هنا حتى يأتي أحد لنجدتي .. لكني جائع وعطشان؟ وإذا بقيت هنا فأنا ميت لا محالة من الأفضل أن أبحث عن سكان هذا المكان .. قد أجد من يطعمنى أو يسقيني .. لكن أخشى أن أدخل إلى الغابة فتلتهمني الحيوانات المفترسةلم لا أنادي بصوت مرتفع .. قد يسمعني أحد فياتي لنجدتي .. هيييه هل من أحد هناك؟ هل يسمعني أحد .. يا ناس يا بشرهل يوجد أحد على هذه الجزيرة؟ يبدو أنها مهجورة .. يا سكان الجزيرة، وفجأة يسمع صوتا يقول (هل من أحد هناك؟) يتوقف ليستمع .. هل أسمع صوتا؟ .. من هناك؟ يرد الصوت (من هناك؟) يتساءل .. هل هذا صدى صوتي أم أنني بدأت أهذي؟.. يرجع الصوت مجددا… (هل من أحد هناك؟) .. لكني لم أتكلم .. إذا لابد من وجود شخص ما على الجزيرة يصرخ عاليا أنا هنا .. ساعدونيالنجدة أنا هنا .. ثم يظهر شاب من جهة المسرح اليمنى وعندها يتوقف فاضل عن الحركة والكلام ويسمر نظره ناحية صاحب الصوت الذي ظهر أمامه ويقول مرحبايرد صاحب الصوت (مرحبا).
فاضلهل أنت من سكان الجزيرة؟
صاحب الصوتلا لقد وصلت إلى هنا بعد أن تحطمت السفينة التي كنت أستقلها بالأمس .. وقد ألقت بي الأمواج هنا.  

(يقترب الاثنان من بعضهما ويتصافحان)
فاضل: أنا أدعى فاضل، وقد تحطمت السفينة التي كنت أسافر على متنها بالأمس كذلك وألقت بي الأمواج هنا. ما اسمك؟
صاحب الصوت: اسمي هو فضل.
فاضليا للعجب؟ يا للصدفة.
فضلإني أتضور جوعا وأكاد أموت عطشا.. هل لديك شيء يؤكل؟
فاضلأنا أشاطرك الشعور والعجز كذلك.
فضلهل لديك فكره عما نستطيع فعله لنحصل على ما نأكله.
فاضلللأسف لا.. ألم تر أي شيء يؤكل وأنت في الغابة؟
فضلأنا لم أدخل إلى داخل الغابة .. لقد التففت حولها .. لازمت الشاطئ حتى وصلت إلى هنا.
فاضلعلينا أن ندخل سويا ونبحث عما نأكله أو نشربه..
فضللا جرأة لدي على دخول الغابة.. إني أخشى الحيوانات المفترسة.

(فاضل ينظر اليه باستغراب وكأنما ينظر إلى نفسه)
فاضلماذا تقترح إذا؟
فضللم لا تدخل أنت وتحاول إيجاد طعام لنا وأنا سأنتظرك هاهنا والمرة القادمة أنا سأدخل؟
فاضللم لا يحدث العكس؟
فضل: قد أخبرتك بأني أخشى الحيوانات المفترسة وأنت تبدو هماما..
فاضلأنا لست كذلك بل أخشاها أكثر منك..
فضلحسنافلندخل سويا إذا
فاضلهذا ما اقترحته من البداية..

يقفان ساكنين ومتقابلين ..

فضلأدخل أنت أولا، لا تخف سأكون خلفك مباشرة..
فاضل: وهل تخالني مجنونا؟ لقد تركت أهلي.. ودراستي.. وركبت سفينة بطريقة غير شرعية ونجوت من الموت بأعجوبة وتطلب مني الآن أن أدخل إلى الغابة هكذا لتفترسني السباع؟ إما أن ندخل سويا.. قدما بقدم .. أو نبقى ها هنا سويا.
فضل: أن تفترسك السباع بسرعة خير من أن يفترسك الجوع ببطء.
فاضلحسنا.. أدخل كي تفترس أنت أولا ومن ثم سأدخل أنا..
فضل: يوهووووولا أدري لم سررت بسماع صوتك من بعيد، ليتني لم اّت إليك .. أنت عديم الفائدة..
فاضلماذا عنك مفيد جداأليس كذلك؟
فضلدعنا لا نتشاجر.. اجلس ودعنا نتحدث قليلا.. أخبرني عن نفسك.. لم وكيف انتهى بك المطاف هنا؟ فاضل(يجلس إلى جانب فضل) لقد رحلت من بلدي لأثبت  نفسي وأحقق ذاتي، أنا لم أجد من يفهمني في بلدي .. (يقف ويمشي وهو يتحدث عن نفسه وترافقه موسيقى مؤثرة) أنا شخص ذكي ولدي مؤهلات عدة والجهل في بلدي جعل اكتشافها مستحيلا .. لذلك قررت الرحيل إلى الخارج حيث الفرص والتقدير والتفهم ..
فضل (يقاطع حديثه): وما هي مؤهلاتك؟ فيم تبرع؟
فاضلأنا ذكي..
فضللم أعترض على ذلك.. لكن فيم تبرع؟
فاضل: في وسائل التواصل.. أنا أستطيع أن أكون نجما على سناب شات .. أنا ذكي..
الصوتهل حاولت أن تكون نجما..
فاضلنعم.. لكن لم أحصل على الدعم الكافي.. ووالدي لم يشجعاني مع أنهما أستاذي جامعة ومثقفان.. على العكس، استمرا في تثبيط عزيمتي .. قالا لي بأني
 لست مرحا وبأني أفتقر إلى حس الدعابة..
فضل: يبدو كلامهم صحيحا..
فاضللا وما أدراك أنت؟ أنت تعرفني منذ خمس دقائق فقط..  

فضللا تغضب.. أنا أعبر عن رأيي فحسب..
فاضلحسنا.. أخبرني عن نفسك .. من أنت؟ وماذا تفعل هنا؟
فضلأنا خرجت من بيتي لأبحث عن فرصة لأثبت نفسي كذلك .. أنا من عائلة فقيرة، ولم أتمكن من إتمام تعليمي بسبب والدي، لم يتمكنا من إدخالي إلى مدرسة خاصة فأنا لم أرد أن أكمل دراستي في مدرسة حكومية .. أنا مختلف والمدارس الحكومية لا تخدم المختلفين.
فاضلفيم اختلافك؟
فضلفي الواقع ..أنا لا أحب المناهج الحكومية، أحب أن أدرس مناهج خاصة تناسب تفكيري وقدراتي.
فاضلهل تشكو من تخلف عقلي أم ماذا؟
فضلأقول لك أنا مختلف لم أقل متخلف، أنا فقط أحتاج إلى مدارس تقدر اختلافي وتعاملني بشكل فردي لأن لكل شخص قدراته وتفرده المهم المهم .. لم يتمكن أهلي من إدخالي إلى مدرسة خاصة مما دعاني إلى ترك الدراسة ومحاولة تنمية قدراتي بالشكل الذي يناسبني..
فاضلماذا فعلت؟
افضلتركت الدراسة وتعرفت على مجموعة من الشباب العصاميين والأذكياء أمثالي وأمثالك والذين يتاجرون بكل شيء لكن للأسف أمسكت الشرطة بأربعة منهم أثناء العمل بحجة أن ما يقومون به مخالف للقانون وتم إيداعهم السجن وأنا فررت بأفكاري وتطلعاتي إلى بيئة أفضل.
فاضلأهافهمت .. لكن أرجو منك أن لا تشملني بنعتك للذكاء هذا.. أنا لم ولا ولن أخالف القانون ما حييت .. الذكاء ليس في مخالفة القانون بل في الاستفادة منه للكسب .. وهذا ما أنوي فعله.
فضل: وكيف ذلك؟
فاضلسأطلب اللجوء السياسي بحجة الاضطهاد .. لقد شاهدت الكثيرين ممن طلبوا اللجوء وقبلوا ثم سأظهر في وسائل الإعلام المختلفة وأشتهر ثم أشق طريقي من هناك.
فضلفكرة ساذجة؟
فاضل(بغضب) ماذا؟ .. ماذا قلت للتو؟
فضلفكرتك ساذجة وغير مفيدة ولن تحصل منها سوى على كراهية أهل بلدك لك .. ثم إنك سوف تشتهر لبضعة أشهر ثم تنسى فأنت لا تحمل مقومات الشهرة على محياك؟
فاضلوهل تعتقد بأنك أفضل حالا؟
فضل: لا لكني لا أكذب على نفسي مثلك؟
فاضل: صحيح.. أنت صادق جدا مع نفسك..!! أنت فاشل في الدراسة ومطلوب للشرطة وهارب وتعتقد بأنك غير مقدر ولم يفهمك أحد، بل إنك تلقي اللوم على والديك في ما حل بك.
فضل: وهل أنت أفضل حالا.. أنت كذلك فاشل وسخيف وتلقي اللوم على الجميع عدا نفسك. ما لم تستطع تحقيقه في بلدك لن تتمكن من تحقيقه في الخارج أبدا، أنت لديك والدان مثقفان كما ذكرت ومستعدان لأن يصرفوا على تعليمك لكنك غبي ولست أهلا لذلك.
(يمسك كلاهما بخناق الثاني ويبدأن الشجار وتبادل التهم بالغباء والسخف وعندها يظهر صوت أجش، جهور من الغابة يقول كفاكما شجارا..)

فضل وفاضل (من هناك.. من في الغابةما هذا الصوت؟)

المشهد الثالث

(يظهر من وسط المسرح شيخ كبير أشعث، أغبر يرتدي ملابس قديمة وشبه مهترئة تشبه ملابس رجال الكهوف. ويتوكأ على عصا من أغصان الشجر)
الشيختوقفوا.. كفوا عن الشجار.. ألم تسأموا.. لقد قاطعتم خلوتي ..
(وحينما يراه الشابان يركضان هربا جيئة وذهابا على المسرح)
الشيخلم تركضان؟
(يتوقفان لبرهة عن الركض وينظران إلى الشيخ ثم إلى بعضهما البعض ثم يتابعان الركض)

الشيخ: توقفوا .. كفوا عن الركض ماذا دهاكما؟؟ إلى أين تذهبان؟
فاضلما أنت؟
فضلهل أنت إنس أم جان؟
الشيخبل ما أنتما؟ .. والله قد عرفت الإنس والجان ولم أعرف لكما جنسا.
فاضلنحن نفهم ما تقول .. أليس كذلك يا فضل؟
فضلنعم أفهمه .. أنا أفهم ما يقول.
الشيخثم ماذا؟
فضلأخشى أنني لم أبارح بلادي وأن السفينة قد تحطمت قبالة شاطئ المدينة المجاورة. أولا التقي بفاضل ثم هذا العجوز المهترئ.
فاضلما الذي تقصده؟
فضلأقصد بأننا نتحدث اللغة ذاتها ووصلنا إلى هنا في ظروف متشابهة كثيرا .. أولم تلاحظ ذلك؟
فاضلأعتقد بأننا كنا على متن السفينة ذاتها وأتينا من البلد ذاته لذلك نتحدث اللغة ذاتها وظروف وصولنا إلى هنا تكاد تكون متطابقة.
فضلوماذا عن هذا العجوز؟ يبدوا أنه هنا منذ قرون.
الشيخ: وهل تجدان الحديث عن شخص واقف بينكما بصيغة الغائب أمرا جيدا؟
فاضلنعتذر إن كنا قد أسانا إليك بحديثنا. لكن وضعنا سيء جدا، لقد غرقت سفينتنا ونحن نتضور جوعا ولا ندري ما الذي سيحل بنا.
الشيخ: (لفضل) وهل كلامك مطابق لكلامه أيها الغلام؟
فضلأجل .. أجل.
الشيخ: ولم تتضوران جوعا.. أنتم في مكان حباه الله بالخير الوفير .. لم لا تبحثان عما تقتاتان منه؟
فاضلإنها جزيرة غير مأهولة كما يبدو وهذه الغابة مخيفة ومن المحتمل أن تكون مليئة بالحيوانات المفترسة لذلك لن نستطيع دخولها.
الشيخ(لفضل) وهل كلامك مطابق لكلام رفيقك؟
فضلنعم نعم.
الشيخ: هل لي أن أعرف سبب ركوبكما البحر؟
فضل: نحن نبحث عن فرصة لنثبت أنفسنا ونحقق طموحاتنا.
الشيخ (لفاضل): وهل هذا سبب ركوبك البحر أنت أيضا؟
فاضلنعم نعم.
الشيخعلى ما يبدو أنتما شابان في مقتبل العمر ولم يأخذ منكما الزمان مأخذه.
فضلوهل تتطلب معرفة ذلك إلى حكمة؟ نعم نحن يافعين.
الشيخ: يافعين جدا
فاضلأجل .. أنا في الثامنة عشرة من عمري.
فضلوأنا في التاسعة عشر.
الشيخوركبتما البحر بحثا عن ماذا؟
فضللقد أخبرناك.
الشيخلا مانع أن أسمع ذلك مجددا .. ففيم العجلة؟
فاضلصحيح .. فيم العجلة؟!
فضلسأخبرك أنا أولا .. لقد ركبت البحر بحثا عن حظ أفضل وحياة أفضل. أنا لم أكن محظوظا أبدا في بلادي وفكرت أن أهاجر لأثبت نفسي وأغير حظي.
فاضلأما أنا فركبت البحر لأثبت وجودي في بلد يفهمني ومجتمع لا يخنقني.
فضل: وأنت يا شيخ لم تركت بلدك؟
الشيخأنا .. لا شأن لكم بي .. أنا مختلف عنكم.
فاضلوكيف ذلك؟ أخبرنا عنك يا شيخ، من أنت وما الذي تفعله هنا؟
الشيخحكايتي طويلة وغائرة في التاريخ .. هذا هو بلدي ومنشئي ومن نعتموهم بالحيوانات المتوحشة هم أهلي ورفاقي، وجدت نفسي بينهم، فلا أعلم لي أبا ولا أما من البشر .. أنا ابن الغابة ..
فاضلهل يعقل .. لقد اعتقدت بأنك شخصية خيالية ..
فضلوأنا كذلك.
الشيخوهل بلغكم خبري؟
فضل وفاضل معا: نعم نعم.
الشيخحسنا.. أخبروني عن مبلغ علمكم عن خبري.
فضلأنت ماوكلي. فتى الغابة.. ضيعك أهلك .. وأرضعتك ذئبة.
فاضلأنت طرزان .. وأمك غوريلا ..
الشيخهل هذا ما بلغكم عني؟
فاضل وفضلأجل..
فضللقد شاهدنا قصتك في التلفاز .. لقد كبرت كثيرا جدا.. ثم لم لم تعد إلى ديارك الأصلية، في الفلم أنت هندي..
فاضللا طرزان لم يكن هنديا ..
فضلإنه ماوكلي .. إنه ليس أشقرا، أنظر إلى ملامحه.
فاضل: طبيعي … لقد سفعته الشمس .. ويبدو أنه لم يستحم منذ سنين.
الشيخيبدو أن اسمي ووسمي قد اختلفا لدى بني البشر. ويبدو أن خبري قد شابه ما شاب التاريخ من تحوير .. هذه الأسماء ليست لي .. ومن أرضعتني هي أمي الغزال وليست ذئبة أو غوريلا كما أسلفتما ..
فاضلإذا أنت حقيقي .. يا إلهي.
الشيخ: أنا حقيقي بكل ما تقتضيه الحقيقة وخيالي بكل ما يقتضيه الخيال ..
فضلما هذا؟ ماذا تقول؟
الشيخ: اخبراني أكثر عن خبري .. ماذا وصلكم عني؟
فاضلأنت أخبرنا أولا، ما هو اسمك الحقيقي؟
الشيخأنا ابن الإنس .. وابن الغابة .. وربيب الأسود ..
فضلحسنا حسنالقد قلت ذلك مسبقا .. لكن ما هو اسمك؟
الشيخ: اسمي لا يموت ولا يغفوا ..
فاضل: هل هذ لغز؟
فضللقد أثرت فضولنا فعلا.
الشيخقبل أن أفصح لكم عن اسمي اخبراني أكثر عن نفسيكما وعن ذاتيكما التي أردتما إيجادها وفي بلاد غير بلادكما.
فضللقد اخبرناك عما ما نصبو إليه.
فاضللا إضافة لدي.
الشيخهل تريدان أن اخبركما المزيد عن ذاتيكما؟
فضلوهل تعرف ذاتينا أكثر منا.
الشيخإن ذاتيكما واحدة .. وكأنكما وجهان لعملة واحدة.
فاضلوهل تعرف العملات وأنت تعيش في الأدغال مذ خلقت.
الشيخلقد عشت بين البشر فترة في شبابي وأيقنت أن لا مكان لي بينهم .. وعدت إلى عالمي هذا المليء بالجمال.
فضلفي أي بلد عشت من المؤكد أنك كنت في بلدي.
الشيخأولا يسكن البشر بلادك؟
فضلبلى ..
الشيخالبشر متشابهون في كل زمان ومكان
فاضلحسنا .. أكمل يا شيخ حديثك عن ذواتنا.. افدنا.
الشيخأنتما تهربان من أمر وتحملانه معكما.. العلة ليست في بلادكما ولا في ظروفكما .. العلة فيكما أنتما الاثنين .. تلومان الدنيا على ما لم تعطه لكما وتبحثان عن حظ هو أصلا من صنعكما.. فهل عساكما تركتما حظكما في بلادكما مع ذويكما اللذين لمتماهم على فشلكما.
فضلهل كنت تسمعنا منذ البداية؟
الشيخنعم سمعت حديثكما كله .. أيها الشابان أنتما تشكوان من العلة ذاتها وإن لم تعالجا نفسيكما منها سيلاحقكما النحس الذي تزعمون وجوده حيثما ذهبتما.
فاضلما هي هذه العله؟
الشيخحبكما الزائد لذاتكما أيها الشابان أنتما الآن قد وجدتما ذاتيكما.. فكلاكما انعكاس للآخر إن كانت هذه الذات ما تصبوان إلى إثباته فاعملوا على تطويرها وتهذيبها أولا..
فاضل: (ينظر إلى فضل)كيف نستطيع تغيير ذاتنا إن لم تعجبنا.
الشيخ: ابحثا داخل نفسيكم عما تعشقانه غير ذاتيكما وعشقكما سيرشدكما ..
فضلوكيف نستطيع أن نعشق؟
الشيخالقلب ثم العقل هما دليل العشاق؟ ابحث في قلبك ثم اعمل، عقلك يدلك سواء السبيل.
فاضلومن نعشق؟ البنات يعشقن المال والوسامة ونحن لا نملك الإثنين.
الشيخهذا ليس بالعشق الذي أقصده.
فضلما هو إذا؟
الشيخعشقك نابع من إخلاصك وتفانيك لما تعشقه، فإن تفانيت فيه نجحت.
فاضلتعني أن أعشق ما أريده. أن أعشق حلمي؟
الشيخأوليس خيرا لك من أن تعشق ذاتك؟ أخلص في عشقك واطلب الله المشورة .. فلا يضل سائلة.
فضل: أيها الشيخ .. هل نبقى معك على أن تعلمنا كيف نعشق كما ذكرت لننجح ونحصل على المال؟
الشيخإن رضيت قنعت .. وإن قنعت وجدت الثراء ولذته .. فالثراء ليس بكثرة المال بل بحلاوته 
فاضللقد قال لي والدي هذا مرارا وتكرارا لكني لم أرد أن أصغي إليه..
الشيخلأنك تريد من الحظ أن يركض إليك بينما يحتاج هو أن تسعى إليه .. وتلوم والديك على حظك مع أنه من صنع يديك .. على أية حال .. إن أردتما الخروج من الجزيرة أسلكا الطريق الذي يتوسط الغابة وستجدون في نهايته قاربا صغيرا .. خذاه وغادرا شرقا وستجدان جزيرة مأهولة بالناس ..
فاضلمن أنت يا شيخ؟
فضلأخبرنا أرجوك..
الشيخعداني أولا أن لا تعودا إلى هذه الجزيرة أبدا.. وأن تحاولا إصلاح ذاتيكما.
فضل وفاضلنعدك..
الشيخأنا إسمي هو حي بن يقظان ..
فضل : أنا لم أسمع باسمك من قبل.
الشيخألم تقل بأنك قد سمعت عني 
فضل: هذا يختلف عما سمعنا به .. لست ماوكلي ولا طرزان..
الشيخوما أدراك .. قد أكون كلاهما .. فمن يعلم أي اسم ستعطياني عندما تصلان إلى وجهتيكما.. والآن .. أسلكا الدرب الذي وصفت لكما، وستجدان الفاكهة والماء في الطريق.

فضل: إننا نخشى الحيوانات المتوحشة يا ابن يقظان.

حي: أتخشيان الغابة وتريدان السفر في هذا السن إلى عالم لا تعرفانه عجيب أمركما…. لا تخشيا الحيوانات.. فهي لا تهاجم إلا عدوها ولا تأكل إلا عندما تجوع..
فضل: في أمان الله إذا.
فاضلألا تريد أن ترافقنا حتى نصل الطرف الاّخر من الجزيرة.
الشيخلا.. لقد رافقتكما بما فيه الكفاية.. وأرجوا أن يرافقكما ما قلته ما حييتما.
فاضلفي أمان الله.
(يدخل الاثنان من الباب الذي خرج منه الشيخ، ويقف الشيخ في وسط المسرح قائلا:

(عجيب أمر الإنسان .. يبقى كما هو على مر الأزمان.. وتبقى العبرة ما بقى البيان).

*كاتبة من السعودية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود