مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

محمد البوركي* عند التخوم القصوى للصحراء تنبسط واحة فيحاء، نخلها باسق ذو طلع نضيد …

سراب

منذ شهر واحد

17

0

محمد البوركي*

عند التخوم القصوى للصحراء تنبسط واحة فيحاء، نخلها باسق ذو طلع نضيد، تتخللها جداول ماء شفاف رقراق. الشمس آذنتبالمغيب، والكائنات بدأت تؤوب إلى مساكنها: قطيع ماعز يثير سحابة غبار، وسرب طيور يخترق السماء الرمادية، ونساء يحملن على كواهلهن حطبا، وأطفال يتقافزون مغتبطين.

كان جالسا صحبة أقرانه، اختلفت مشاربهم، لكن وحدتهم البطالة والبؤس وحلم الهجرة السرية. اجتمعوا تحت جذع النخلة اليتيمة، يتناجون بالشكوى والحرمان.

أصيب بخيبة أمل شديدة، نهض، ابتعد عنهم وتوغل في الغابة كي يطرد عنه تلك المشاعر السوداء، ظل عنقه مشرئبا إلى عراجين التمر المتدلية، تحلبت شفتاه، برقت عيناه، وبحذر شديد تسلق جذع نخلة شاهقة، بلغ القمة، تنفس الصعداء، غمرته فرحة عارمة، مد يده المرتعشة ليقطف ما اشتهاه، زلت قدمه، اختل توازنه،  فهوى مثل كيس رمل ثقيل؛ مزق صراخه الحاد سكون الواحة. في الأسفل تلقفته بئر مهجورة دون أن تترك له فرصة للنجاة، وفي القعر الدامس خمدت جذوته.

عاين شيخ مسن تفاصيل ما جرى عن كثب، تحرك ببطء شديد، توقف عند حافة الجب، أطل محملقا في الفراغ، نادى بأعلى صوته:

هه .. يا صديقي الحميم، نم قرير العين، هانئ البال، عرجت إلى المنتهى، نلت المشتهى، أنت المجتبى.

لم ينتظر الرجل جوابا، بل مضى صوب وجهة غير معلومة، يتعثر في أسماله الرثة، مترنما بابتهالاته.

*كاتب من المغرب

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود