مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

لا يخلو حديث لأبي عبد الرحمن بن عقيل من نكتة عابرة وطرفة ساخرة. يقول في تباريح ا …

من نوادر الأدباء 4

منذ سنة واحدة

421

0

لا يخلو حديث لأبي عبد الرحمن بن عقيل من نكتة عابرة وطرفة ساخرة. يقول في تباريح التباريح [ص45]:

“وكان أحد أبناء قريتي العابثين إذا تجرد من ثوب جديد قال لأهله: إما أن تحفظوه عن الغبار والأوساخ، وإما أن تعطوه فلانًا يلبسه إلى أن أحتاجه، لأن فلانًا لا تبلى معه جدة الثوب ولا تخلق، ولأنه لا يجلس إلا زَبْعَرة!!.

وكان من أبناء قريتي من يلبس الثوب وهو من القماش الشفاف الململ في الصيف، ثم يشتو فيه بعد أن غلظ مجسه من الأوساخ، لأنه ليس في قاموس قريتي خانة للـ (تايد) أو (أبو عنز) ثم (الشامبو) والصابون الممسك”.

وكنت أقرأ قول الشاعر الجاهلي قيس بن الخطيم:

إذا أنت لم تنفع فضر فإنما   يُرَجَّى الفتى كيما يضر وينفعا

فأرى أن الشاعر يريد من الفتى أن يكون له دور في الحياة ولو دور شِرِّير. لكني بعد حين تأملت في قول الشاعر الحسين بن مطير الأسدي، من مخضرمي الدولتين:

وليس فتى الفتيان من راح واغتدى    لشرب صبوح أو لشرب غبوق

ولكن فتى الفتيان من راح واغتدى    لضــرِّ عـــدوٍّ أو لنفــع صــديق

فصحح هذان البيتان من فهمي السابق لقول الشاعر الجاهلي المتقدم. وهو أن يكون النفع للصديق والمضرة للعدو.

وقد تعلمنا من أساتذتنا أن قول أبي العتاهية:

مات الخليفة أيها الثقلان   فكأنني أفطرت في رمضان

أنموذج للشعر السخيف، فالشاعر لم يوفق حين أراد التعبير عن أسفه لموت الخليفة، وشبَّهه بأسف من أفطر عامدا في رمضان، كما عد بعضهم ذلك دليلا على تعظيم حرمة رمضان، وجريمة الإفطار في نهاره. لكن الدكتور محمد الكفراوي يذهب مذهبا بعيدا، حيث يرى أن هذا تعبير من الشاعر الماكر عن فرحه بموت الخليفة المهدي، كما يفرح الصائم عند إفطاره، حين تغيب الشمس، أو يوم عيده. وذلك لأن المهدي جلد أبا العتاهية مائة سوط، ونفاه إلى الكوفة حين شبب بعتبة جارية زوجه ريطة بنت أبي العباس، حين قال:

ألا إن ظبيا للخليفة صادني    ومالي على ظبي الخليفة من عدوِ

وللأصفياء طرقهم في العتاب لكنهم لا يستحسنون أن يكون في خطاب، وفي هذا يعتذر هلال بن العلاء الرقي وهو يعاتب، فيقول:

أحــنُّ إلــى عتابـك غيـر أنـي     أجلك عن عتــاب في كتـاب

ونحــن إذا التقيـنا قبــل مـوت     شـفيتُ عليك قلبــي بالعتـاب

وإن ســبقت بنـا أيدي المنايــا     فكم من عاتب تحــت التراب

كتبت ولو قدرت هوی وشوقا    إليك لكنت سطرا في الجواب

ومن أجمل ما قرأت لابن سناء الملك قوله:

البدر يكمــل كــل شــهر مــرة    وســناء وجهــك كــل يــوم كامـل

أرضى فيغضب قاتلي فتعجبوا   يرضى القتيل وليس يرضى القاتل

ولشاعر متأخر ينتصر للدخان، ويبدو أنه قاله مدافعا عن نفسه أمام من أنكروا عليه:

لقد عنفــونا في الدخــان وشــربه    فقلت دعوا التعنيف فالأمر أحوجا

ألا إن صِلّ الغم في غار صدرنا    عصــانا فدخَّــنا عليــه ليخــرجـــا

ومن إعجاب المرء بالإطراء ولو كان شيخا فانيا أن حريث بن مخفض – وهو شيخ كبير – سمع الحجاج يخطب على المنبر، واستشهد بقول الشاعر:

بنو المجد لم تقعد بهم أمهاتهم   وآباؤهم آباء صدق فأنجبوا

فقام إليه حریث، وقال: أیها الأمير من يقول هذا؟

قال: حريث بن مخفض.

فلما نزل دعاه، فقال: ما حملك على قطع الخطبة علي؟

قال: أنا حريث بن مخفض، فإنك أنشدت شعري، فأخذتني أريحيته.

وأختم المقال بهذه الحكمة: “موائد الملوك للشرف لا للعلف”!

كاتب سعودي.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود