24
0
19
0
28
0
11
0
8
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13333
0
13134
1
12119
0
12052
5
9466
0
مهدية دحماني*
كانت الطالبة في (كافتريا) الكلية تترشّف فنجان قهوة، وقد اتخذت قرارها بالاستقالة من التعليم.
في خضم الضوضاء والفضاء الذي يملؤه دخان السجائر وأصوات تتعالى بين حديث وثرثرة الطلاب دخل الأستاذ اللاّجئ من (البوليزاريو)..
هَمّ جميع الطلاب لدعوته على فنجان قهوة وسندويش كعادتهم يكرمون ثلة الأساتذة (البوليزاريو) اللاجئين لبلد شقيق:
– هكذا كان كل الطلاب يعتقدون.. الأساتذة السُّمر من الصحراء الغربية.. أكْرَمْ..أكرم.. ياشباب عندي محاضرة بعد ١٠ دقائق.. هكذا اعتذر الأستاذ من الكل لأنه لمح طالبته العاتية في الزاوية..
كانت هناك في آخر القاعة بيدها فنجان قهوة، وعلى الطاولة ورقة انتهتْ من كتابة أمرٍ ما عليها..
استقامَ.. افتعل كل أقنعة الإتيكيت.. رفعت رأسها.. قال:
أنت هنا؟ لماذا غبت عن المحاضرة؟ ممكن أجلس؟
– عالسّلامة شيخ.. تفضل أنا طلبت سندويش واش تبغى أطلب لك..؟
– أي شي اطلبي لي ما تشائين..
تفنّنت الطالبة في الطلب:
قهوة كبوتشينو.. سندويش رْوايال.. كرواسون.. عصير.. مل فاي.. mille feuilles، فهذا الشيخ (الأستاذ) وقدره عالٍ، وهو ضيف ولاجئ كما كانت تعتقد هي الأخرى، أهله وبلده في محنة.
هي بنت، لكنْ ليست أقل شيمةً وكرما من زملائها الشباب:
– صحّه.. صحه.. شكرا يا آنسة كثّر الله خيرك أنت وطلابي كلهم..
– لا يا شيخ لا تقول هذا الكلام احنا إخوانك قبل أن نكون طلابك وهذا بلدك..
تجرأ الأستاذ وانهال عليها بوابل من الأسئلة وهو يلتهم ما قدمته إليه من لذيذ الأطعمة:
– لماذا صرت تتغيبين كثيرا عن محاضرتي وإذا حضرت لا تهتمين وتذاكرين أمورا أخرى؟
– يا شيخ أنا أحضر للكلية حتى أوقع حضورا وحتى ما يخصمون من راتبي، وأنا مجبرة على هذه الدورة وما منها فائدة لا ترقية ولا حوافز، والتعليم في الجزائر مرهق كما ترى، وهذه استقالتي قد حررتها وغدا أقدمها في المفتشية.. وزيادة جاءني الصباح تكليفٌ من المفتش بيومٍ دراسيّ أقدم فيه بحثا عن الهمزة..
شرحَتْ له كل شيء، وهو ينصت باهتمام كبير.. وراح يعِظها ويشرح لها قدسية رسالة التعليم وكم هي ملائمة للمرأة و…و…و… المهم أنه يحاول أن يقنعها بعدم الاستقالة..
أخذ الاستقالة ومزقها وقال لها:
– يا آنسة أنا ملزَمٌ بكل الأبحاث المطلوبة منك، المهم ابْقَي في الكلية وأنهي دورتك، وبعدها فكّري في موضوع الاستقالة..
في الغد لم يكن لديه جدول دوام، لكنه قام مبكرا واختبأ خلف شجر الصنوبر عند الرصيف المجاور يترقب نزولها من الباص.. ناداها بصوت خافتٍ حتى لا ينتبه إليه الطلاب.. الْتفتتْ إليه.. أشار إليها بمجموعةٍ من الأوراق أخفاها بعناية في جريدة وقد غاصت عيناه في طوق من الهالات السوداء من شدة السهر على البحث..
– كِصْبَحتْ شيخ؟.. مانَقْرَوْشْ اليوم عندك..
– فعلا ما عندي محاضرات اليوم لكن جيت حتى أسلمك البحث..
– واش من بحث؟
– بحثك في الهمزة، المهم لا تستقيلي حتى تخلص دورتك.
– يكثّرْ خيرك.. ياللهْ أفكّرْ في الموضوع..
أخذَت البحث، وهي تتصفحه وجدت قصيدة غير مكتملة داخله ولم تكتمل إلى يومنا هذا.
لم أجدْ ما أقدمه هدية لمعلمي -في يوم المعلم- بعد أكثر من ٣ عقود إلاّ هذه الأوراق التي ما زلتُ أحتفظ بها امتنانا له. لكنّه في حقيقة الأمر ربما هو كان يعتبرها مقدَّمَ صداقٍ، فهو شاعر تِهاميّ ألمعيّ عسيريّ ولا يملك إلاّ كلمات..كلمات…كلمات..
*كاتبة من الجزائر
التعليقات