24
0
19
0
31
0
12
0
8
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13336
0
13135
1
12119
0
12053
5
9469
0
هدى الشهري
هو أحمد بن عبد الله التّنوخى، ولد في معرة النعمان ، فقد بصره حين بلغ الرابعة من عمره بسبب إصابته بمرض الجدري، كان بيته بيت قضاء وعلم وشعر، إذ ظل قضاء معرة النعمان طويلا فيهم، كما ذكر ذلك ياقوت الحموي فى ترجمته له بـ”معجم الأدباء” وذكر لهم طرائف من أشعارهم.
وكان من الطبيعي أن يتأثر بهم، حيث أنه بعد أن أتم حفظ القرآن حرص على قراءة ما وقعت عليه عينه من كتب الدين الحنيف واللغة. كما كان لفقدانه بصره في هذا السن الصغير تأثير كبير في دفعه إلى الاهتمام بطلب العلم، وقد تتلمذ في بداية حياته على أبيه أولاً ومن في بلدته من تلاميذ ابن خالويه (والذي يعتبر من أكبر اللغويين والنحاة في ذلك الوقت)، وقد ارتحل في طلب العلم ما بين حلب وبغداد ونهل منه قدر المستطاع، وظل هناك إلى أن سمع بمرض أمه فعاد سريعاً ولم يتمكن من اللحاق بها حيث وافتها المنية.
فأصابه حزن شديد لفراقها ونظم فيها مرثيته الشهيرة والتي تبلغُ (٦٤) بيتاً ـ ولعل هذا العدد هوعمر أمه ـ حيث أودع فيها مشاعرَه الأولى حين وصلته أنباءُ رحيلها، ثم ختمها معظِّماً فضلَها ونعمتَها عليه، وفي تلك القصيدة الكثير من المعاني الرائعة، والصورٌ المبتكرة، والحزنٌ العميق، والذي يُظْهِر تعلُّقَ المعري بأمه، وأثرَها البالغَ عليه، ورعايتَها الكبرى له، ولنا وقفة مع هذه المرثية الحزينة حيث يقول:
سمعـتُ نعيَّها صـمِّي صَمَامِ* وإنْ قال العـواذلُ لا هَمَـامِ
وأمَّــتْــني إلـى الأجــداثِ أمٌّ* يَعِزّعليَّ أَنْ سارتْ أمامي
وأُكـبر أن يُـرَثِّـيهــا لسـاني* بلفظٍ سالكٍ طُرُقَ الطعــامِ
يُقـال فـيهتِـم الأنيـابَ قـولٌ * يبـاشـرُهـا بـأنباءٍ عـظـامِ
كأنَّ نواجذي رُدِيَتْ بصخرٍ* ولم يمرُرْ بِهِنَّ سوى كلامِ
وهنا يصل بنا إلى قمة الأسى حيث يشعر بعد رحيلها أنه رضيعٌ في حضنها مع أنه في السابعة والثلاثين من عمره حيث يقول:
مَضَتْ وقـد اكتهلتُ فخـِلتُ أنّي*رضيعٌ ما بلغتُ مدى الفطامِ!
فيا ركـبَ المـنـونِ أما رسـولٌ* يبـلِّـغُ روحَـهــا أَرَجَ الســلامِ
ذكيـاً يُـصْـحَبُ الكـافــورُ منه * بمثل المسكِ مفضوضَ الختامِ
وفي البيت القادم يرسم أبو العلاء هذه الصورة الشعرية الجميلة لما في نفسه تُجاه أمه مِن شعور بالامتنان الكبير
كــفـاني ريُّـهـا مِـنْ كـل رِيٍّ* إلى أن كدتُ أُحسَبُ في النَّعامِ
فقد عبَّر عن هذا كله بالري، فهو مرتوٍ منها لا يحتاج إلى ماء مِنْ سواها، حتى كاد يُحْسَبُ من النعام، والنعامُ يُوصف بأنه لا يَشرب الماء، وختم مرثيته بالدعاء لأمِّه حيث يقول:
سقتـكِ الـغـادياتُ فما جَهـامٌ * أطـلَّ عـلى محـلَّـكِ بالجَهامِ
وقطرٌكالبحـار فلستُ أرضى* بقَطْرٍ صابَ مِن خلَـلِ الغمامِ
ولعل هذه القصيدة من أصدق ما قيل في رثاء الأم، تلك الأم العظيمة التي أصيب ولدُها بداء عضال ذهب بعينيه، فجعلتْهُ بحبها وحنانها ورقة أحاسيسها يكتفي بها عمَّن سواها من كل الدنيا.
لقد أثرى المعري المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات، ومنها:(رسالة الغفران ـ عبث الوليد ـ الفصول والغايات ـ اللزوميات ـ رسالة الملائكةـ سقط الزند……..)
وستكون بدايتنا مع ديوانه”سقط الزند” حيث يمثل هذا الديوان المرحلة الأولى من شعر الشاعر، وقد أوضح المعري نفسه سبب تسميته له بهذا الاسم، وعنه نقلها شرّاح السقط الأوائل، وفي مقدمتهم الخطيب التبريزي حيث قال: كان قد لقّب هذا الديوان بـ (سَقْط الزند) لأن السقط أول ما يخرج من النار من الزند، وهذا أول شعره وما سمح به خاطره، فشبّهه به.
ويمثل هذا الديوان خطوات المعري القويّة في مجال الشعر، حيث أتقن القول في أغراض متنوعة من الشعر، كما أنه كشف الستار عن قدراته البيانية واللغوية، وما يعكسه ذلك من ثقافة الشاعرواستيعابه لماضي الشعر العربي، ويظهر من هذا التنوع ومن النظم في أغراض معروفة ومجهولة تروّيض الشاعرنفسه وتدرّيبها ليصل بشعره إلى الإتقان والإجادة. ولا يخفى أيضا تأثيرات المتنبي عليه في أمور كثيرة، حتى أن شخصيته تكاد تلتبس أو تقترب من طريقة المتنبي في التعبير عن كبريائه وعلو نفسه، ولأهمية هذا الكتاب تم شرحه من قبل ثلاثة من كبارعلماء اللغة والأدب وهم:( التبريزي ـ البطليوسي الأندلسي ـ الخوارزمي)، وفيه قصائد من مختلف الأغراض الشعرية كالمديح والرثاء والفخر والنسيب والوصف.
وقد اختلف الناس في أبي العلاء، فوصفه بعضهم بالإلحاد، ومن باب العدل لا بد لنا من الإشارة إلى أنه تم نفي هذه التهمة عنه ففي القرن السادس كتب ابن العديم كتابه المشهور”الإنصاف والتحري في دفع الظلم والتجري عن أبي العلاء المعري” حيث أثبت بالشواهد براءة المعري مما نُسِب إليه حيث أن الكثير من الأئمّة والقضاة والعُلماء الأثبات، والأدباء والحُفَّاظ الثِقات، روَوا عن أبي العلاء وكَتبوا عنه، وأخذوا العلم واستفادوا منه، ولم يذكره أحدٌ منهم بطعن، ولم يَنسُبْ حديثَه إلى ضَعف ولا وَهْنٍ، ومن ديوانه”سقط الزند” سنورد ما ينفي عن الشاعرما ااتهموه به حيث اقتبس المعري اللفظ القرآني في شعره، مما أغنى شعره كثيراً وذلك في العديد من المواضع وسأكتفي بالإشارة لأحدهما في قوله:
وكم من طالبٍ أمدي سيَلقْى* دُوَيْنَ مكاني السَّبْعَ الشّدادا
فقد اقتـبس المعـري تركيـب (السـبع الشـداد) مـن قوله تعـالى: (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا) فهذه اللفظة تـوحي بـالقوة والشـدة بطرقـاتها المتواليـة علـى الحـس.
ومن هذا الديوان أيضاً لنا وقفة مع رائعة الشاعر التي يرثي فيه فقيهاً حنفياً فيقول:
غَيْرُ مُجْـدٍ فِي مِلَّتِي وَاعْتِقَادِي* نَــوْحُ بَــاكٍ وَلَا تَــرَنُّـــمُ شَــادِ
ففي هذين البيتين معاني وافرة لا يحصيها الكلام، فالشاعر يحكم على الحياة من منظوره الشخصي وحياته المليئة بالمشكلات والأسى، ويتعجب من رغبة الناس الملحة في أن يمتد بهم العمر، ولأجل هذا نظم الشاعر قصيدته على بحر الخفيف، وهو بحرملائم للتعبير عن مشاعر الفرح والحزن والرثاء والتصوير النفسيّ للانفعالات والخلجات.
وقد لاحظ شرّاح الأدب تفرد هذه القصيدة بوجود بنية لغوية متميزة، كما يظهرلنا ابتعاد الشاعرعن استخدام الصورالفنية، واتصاف ألفاظه بالقوة والعمق، كما أجاد توظيف العديد من المحسنات البديعية، وزاد عليها امتلاك شوارد اللغة العربية وتطويعها.
وعلى الرغم من التعقيد في الأفكار والتشعب إلى درجة كبيرة، إلا أننا نلاحظ جزالة الأسلوب ووضوح التراكيب وسهولة الصياغة والبيان.
ولن ننصف المعري في حديثنا عنه ما لم نتناول ديوانه “لزوم ما لا يلزم”وهو الأهم لأنه يحمل فلسفته بجميع أسسها وشعبها، وقد تكلف فيه ـ كما يقول فى مقدمته ـ ثلاث كلف: منها أنه ينتظم حروف المعجم جميعها، والثانية أن رويّه يجئ بالحركات الثلاث ثم بالسكون، والثالثة أنه التزم مع كل روى فيه شيئاً لا يلزم من باء أو تاء أو غير ذلك من الحروف.
وفي ذلك يقول د شوقي ضيف في كتابه “الفن ومذاهبه فى الشعر العربى “: إن المعري أضاف إلى هذه الكلف الثلاث كلفا كان يشغل بها الفراغ الطويل الذى نظم فيه اللزوميات إذ امتد إلى نحو (٥٠)عاماً، فهو بهذا يعدّ أول من وسّع استعارة الشعراء لاصطلاحات العلوم والفنون فى أشعارهم.
ولو وقفنا عند صورة المعري كشاعر للاحظنا ابتعاده في معظم شعره عن الأغراض التقليدية، حيث ارتفع بالشعر العربي إلى وسط مختلف يتعانق فيه الشعر والفكر، فهو بحق كما وصفه المرحوم طه حسين بأنه (الشاعر الفيلسوف الوحيد في شعرنا العربي القديم، فقد جمع بين النظرة الفلسفية إلى الحياة والأفكاروالواقع، وإلى التعبيرعن هذه النظرة ناقداً وناقماً ومصححاً في كثير من الأحيان.
ومن المفارقات الغريبة مقدرة الشاعر الكفيف على أن يصنع له مكانة عظيمة بين أدباء تلك الحقبة، فراجت أشعاره وذاع صيته إلى ما بعد عصره بكثير، فقد كان المعري على جانب عظيم من الذكاء والفهم وحدة الذهن والحفظ وتوقد الخاطر، كما كان عالماً بالأديان والمذاهب وفي عقائد الفرق، وكان مرجعاً في معرفة التاريخ والأخبار. وقال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة، كما أنه أخذ النحو وشعر المتنبي عن محمد النحوي. وهو أحد رواة شعر المتنبي، وقد الف في المتنبي كتاباً وكان دائم التعصب له.
وليس هذا جديداً فقد ارتبط العمى بالإبداع عند الكثير من أصحاب الفكر والأدب والشعر عبر تاريخنا العربي القديم والحديث، ففي القديم هناك أيضاً بشارَ بنَ برد، والحصري القيرواني ، وفي العصر الحديث هناك طه حسين وأحمد الزين وعبد الله البردوني، فعمى البصر لم يقف عائقاً أمام الإبداع، طالما الموهبة حاضرة، ومن الطرائف ما أورده ياقوت الحموي في كتابه (معجم الأدباء)” إن صالح بن مرداس صاحب حلب، نزل على معرة النعمان محاصراً، ونصب عليها المنجانيق، واشتد في الحصار لأهلها، فجاء أهل المدينة إلى الشيخ أبي العلاء، لعجزهم عن مقاومته، لأنه جاءهم بما لا قبل لهم به، وسألوا أبا العلاء تلافي الأمر، بالخروج إليه بنفسه، وتدبير الأمر برأيه، إما بأموال يبذلونها، أو طاعة يعطونها، فخرج ويده في يد قائده، وفتح الناس له باباً من أبواب معرة النعمان، وخرج منه شيخ قصير يقوده رجل، فقال صالح: هو أبو العلاء، فجيئوني به، فلما مثل بين يديه، سلم عليه، ثم قال: “الأمير – أطال االله بقاءه – كالنهار الماتع، قاظ وسطه، وطاب أبرداه، أو كالسيف القاطع، لان متنه، وخشن حداه،” خذ العفو وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين ” فقال صالح: ” لا تثريب عليكم اليوم ” قد وهبت لك المعرة وأهلها، وأمر بتقويض الخيام والمنجانيق، فنقضت ورحل، ورجع أبو العلاء وهو يقول:
نجى المعرة من براثن صالح* رب يعافي كل داء معضل
ما كان لي فيها جناح بعوضة* االله ألحفـهم جناح تفـضل
كان المعري بفلسفته وشعره موضوع خصب لدارسي الأدب في العصر العباسي، وقد تعددت الآراء حوله ولكنها اتفقت حول موهبته الشعرية المليئة بالفلسفة بشكل أو بأخر، ومن ذلك، قول كمال اليازجي “إن أبا العلاء فيلسوفٌ علمًا وعملًا؛ لأنّه بحث عن حقائق هذا العالم، فكانت حياته مُوافِقة لنتاج بحثه، فهو يُقدم العمل الفاضل على القول الحسن، ومما يذكره المؤرخون أنه لما مات المعري وقف على قبره ٨٤ شاعراً يرثونه.
لقد أجاد المعري في شعر الرثاء كما ذكرنا من قبل حين رثى والدته، وحين رثى فقيهاُ، وأجاد أيضاً في الفخر، ولعل قصيدته” الشرف الرفيع” خير شاهد على ذلك حيث يقول:
فقد زاد عليها سجناً ثالثاً حيث أنه عازف عن الحياة عزوف من عرفها وخبرها وعركها وتأملها، ببصر نافذ وعقل مشتعل، مما جعله ينظر إليها كسجن، لا تتحرر منه الروح إلا بفراقها للجسد، وهذه فلسفته الخاصة.
ومن جميل ما نظمه الشاعر مقطوعات في غرض النصح ومنها قوله:
وكذلك قوله في الأخلاق:
وقوله:
وطالما أوردنا نماذج متنوعة لشعر المعري لا بد لنا من الإشارة إلى الخصائص التي تميزبها شعره وهي الوضوح وظاهرة التصنيع، والتي تقوم بتوظيف المفاهيم والاصطلاحات اللغوية والعروضية والبلاغية وإدماجها في اللغة الأدبية، وهي ظاهرة متميزة تنم عن جرأة فنية من جهة، وعن محاولة للربط بين طاقات هذه المصطلحات والمحتوى الفكري الجديد الذي يعبرعنه المعري، فيقول مثلاً مستنداً إلى دقة المعرفة بالأصوات العربية وطبائعها الصوتية الخالصة:
اجعَل تُقاكَ الهاءَ تَعرِف هَمسَها * وَالراءَ كَرَّرَها الزَمانَ مُكَرِّرُ
فالهاء كما نعرف من الأصوات المهموسة، والراء صوت تكراري، وهو هنا يسترجع هذه الطاقات، ولكنه يريد أن يمتد بها كي تعانق مداها الدلالي، فيغدو تكرار الراء مثلا يعكس تكرار الزمن، وهمس الهاء يقترب من التعبير عن التقوى بما فيها من خفوت وجرس خفيّ.
ولن أجد خاتمة لمقالي هذا من البيت الشعري الذي لفتني لهذا الشاعرالمبدع حين قرأته لأول مرة حين كنت على مقاعد الدراسة، وذلك قوله:
ثم قوله:
هَرَبَ النّوْمُ عـن جُفونيَ فيها* هَرَبَ الأمْـنِ عن فؤادِ الجَبـانِ
التعليقات