مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

نجاة الشافعي* نظرتُ إلى ساعة الحائط المشلولة منذ سنوات عجاف. افتقدتُ صوتها الداف …

قدمان برائحةِ السمك الفاسِد

منذ سنتين

397

0

نجاة الشافعي*

نظرتُ إلى ساعة الحائط المشلولة منذ سنوات عجاف. افتقدتُ صوتها الدافئ الذي يَرْصُد دوران الوقت ومواسم الحصاد. لم تُجْدِ كافة محاولاتي نفعاً لإنعاشها حتى يبست أوراقها، وجفتّ عروقها، وتقطّعت حبائل الزمن فدخلت في غيبوبة تامة.

كان غائباً بجسده، حاضراً برائحةِ السمك الفاسد المنبعثةُ من قدميه المحبوستين في حذاء معتم طوال الوقت فتنطلق عاتيةً بعد أن يحررها منه لحظة ولوجه من الباب. يلقي بحذائه عند عتبة الباب ثم يخلع جوربه، ويلقي به حيثما اتفق، تحت المقعد، بين أغطية السرير، فوق أرضية المطبخ، داخل الأدراج.
ورائحة قدميه الزنخة تَعْلَق في أوجه المخدات، بين طيات الملابس التي في داخل الدولاب، على الأريكة المخملية حيث يتسمر أمام التلفاز وفي آنية الطعام. الرائحة المقززة تثيرُ الاشمئزاز. صارعتُها بالبخور والعطور، فتحتُ النوافذ على مصراعيها، غسلتُ ملاءات السرير، فركتُ جسدي بالصابون المعطر؛ لكني فشلتُ فشلاً ذريعاً في طردها من المنزل.

ذات يوم صيفي خانق جمعتُ أشيائي في حقيبة صغيرة، أصغر حقيبةٍ في الدولاب القديم. حياتي كلها انكمشتْ، تقلصت بحجم نواة، لفظتُها من ذاكرتي منذ لقائي الأول به في حفل زواج صديقتي الحميمة التي عَرَّفَتني به، خطبتي السريعة، زواجي الباذخ، شهر العسل في جزر المالديف. كنتُ مسحورةً بكلامه المنمق، مأخوذةً بأناقته المفرطة، مفتونةً بأحذيته الفاخرة، وربطات عنقه الفارهة، و… ، لكن لِمَ لَمْ يُسْعِف الساعة عندما اِنْشَّلَت حبالها الصوتية؟!

لديه إدمان على الأحذية من كافة الأصناف والأشكال والألوان، وكأن دواليبه أصبحت متحفاً للأحذية. نظرتُ لها بتقزز، وصورته منعكسة في وجوهها. فردة حذاء سوداء عليها أنفه، وفردة بُنيّة بنصف شارب، وأخرى جلدية ارتسمت عليها شِفَاه منتفخة، وعَينٌ صفراء هنا، ولسانٌ أحمر مشقوق هناك. وكلّها تَنبَعِث منها روائحَ خانقة.

حملتُها كجبالٍ أرزحُّ تحت وطأتها بثقله اللامتناهي، وألقيتها في قعر صناديق القمامة. صببتُ الماء المغلي فوقها، وأغرقتها بسائل (الكلوريكس) حتى تسلّخت ألوانها، وانبعث شذا الرائحة الكيميائية النفاذة يحرق عيناي فتدمع، يتغلغل في بطانة أنفي، يتسلل داخل حلقي. شعرتُ حينها بالنشوة تتسَلّلُ في مسامّ جلدي، والساعةُ بَدَتْ لي كأنها تَنْتَفِض. رَمَقتُ كَفَّيها، عينيها المتورمتين، وجهها المتغضّن. ركلتُ الباب بقوةٍ هزّت الجدار، سمعتُ أنينها وهي تسقط. حشرجتها، وعقاربها تتهشم.

سِرْتُ حتى المنعطف. مشيتُ أحاول أن ألتقطَ أنفاسي، شهيقٌ وزفيرٌ قصير، أطول، أعمق، حبستُ الهواء داخل رئتي، ولَفَظتهُ دفعة واحدة، تنفستُ الهواء النقي الذي اندفع مُنعِشاً داخل أحشائي. تَشَمَمَّتْ روائح افتقدتُها: العشب، أوراق الأشجار، بتلات الزهور، رطوبة البحر، ورائحة التراب الشهية.

ثم فاحتْ رائحةٌ مزعجة.. لزجة.. رعناء.. رائحةُ سمك فاسد قوية.. شممتها حين وطأتْ قدماي عتبة منزل صديقتي التي أهدتني الساعة.

*كاتبة من السعودية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود