10
0
11
0
8
0
15
0
14
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13557
0
13402
0
12236
0
12150
0
9592
0

فاطمة الجباري*
وصية أم..
لا تبكوا علي إذا رحلت..
فقد بكيت كثيرًا وأنا بينكم ولم تشعروا بي..
تنهدتْ وأغمضتْ عينيها وحدّثتْ نفسها؛ يا ترى ماذا فعلت بهم؟!
لقد أصبحت كالغريبةِ بينهم!
نعم: أنا التي حملتْ وولدتْ وتعبتْ، وسهرتْ وربّتْ وعلّمتْ.
لكنّهم حين كبروا وقويَ عودُهم واشتدتْ سواعدُهم، وأصبحوا يملكون المال والبيت والزوج والولد، ابتعدوا عنّي كثيرًا.
أصبحوا يأتون مدعوّين؛ مثلهم مثل الضيوف، يعدون الدقائق والساعات؛ ليغادروا مسرعين إلى منازلهم.
لم أعد أعرفُ عنهم شيئًا، باتوا غرباء بعد أن كانوا أقرباء؛ لا يشاركونني أحاديثهم، ولا مشاكلهم.. ولا يطلبون رأيي، ولا مشورتي.
قلوبهم بعيدة في عالمهم الخاص الذي لم أعد جزءًا منه.
أتساءل: هل أخطأت في تربيتهم؟
هل أهملتُ العناية بهم صغارًا؟
هل كنت قاسيةً عليهم؟
هل حرمتهم من شيء أملكه؟
ألم اقدّم لهم كل ما أستطيع من رعاية وعناية وتربية؟
هل هو قدري أو حظي؟
السؤال والاهتمام والمراعاة لا تُطلب؛ هذه حقوق للأم على أبنائها وبناتها.
لا أنكر أنني تزوّجت صغيرة مثلي مثل الكثيرات في زماني، وكنت أقوم بواجبي كأم مثلما تعلمت من أمي.
لقد كانت أمي وصديقتي ومستشارتي…
حنونة لكنها حازمة؛ علمتنا منذ نعومة أظفارنا تحمل المسؤولية والقيام بالأعمال والواجبات المنزلية.
لم تكن تسمح لنا باللعب، ومشاهدة التلفاز قبل أن نؤدي ما طلب منا من مهام.
كانت حياتنا بسيطة جدًّا، وكنا راضين قانعين مقدرين تعب والدينا من أجلنا.
الآن أصبحتُ أرى تناقضًا عجيبًا في حياتي، وحياة الكثير من الأسر؛ أرى أبناء وبنات مهملين غير مبالين، وغير مقدرين ولا مثمنين دور والديهم وفضلهم عليهم، كثيريَ المطالب، ناقمين على الحياة.
لا يرضيهم القليل؛ فهم في بحثٍ دائم عن المزيد!
الأم والأب الذين ربّوا وتعبوا، أصبحوا ضعفاء، وداهمتهم الأمراض وقلّتْ قوتهم.
والأبناء الصغار كبروا وأصبحوا محسوبين على العائلة في الهوية الوطنية فقط؛ لا يقومون بشؤون والديهم.
صاحبة هذه القصة تبكي بمرارة وتقول ليتهم لم يكبروا؛ بعد أن كنت الحبيبة القريبة لم أعد أعرف عنهم غير أنهم أحياء يرزقون.
لا يملكون وقتًا كافيًا لزياراتي! وإذا اشتقت إليهم أمضيت الساعات في المطبخ أصنع لهم ما لذّ وطاب، ودعوتهم لوجبة غداء أو عشاء، وليت الأمر ينتهي عند ذلك، بل يتناولون الوجبة غير مكترثين بمشاركة هذه الأم للطعام معهم.
ليس لديهم الوقت لمرافقتي لمواعيد المستشفى،
ليس لديهم الوقت لمحادثتي والسؤال عني..
ليس لديهم الوقت لاصطحابي إلى نزهة أو سفر..
ليس لديهم وقتًا فائضًا؛ لتفقد ما يحتاج إليه البيت من إصلاحات وترميم وأثاث.
مشغولين بالزملاء والأصدقاء، يعرفون عنهم ما لا يعرفونه عن والديهم.
أنا لست أنانية، لكنني أم من حقي أن يهتم بي أبنائي وبناتي وأن يخصصوا لي وقتًا كافيًا، وأن يتسابقوا على خدمتي وإدخال السرور على قلبي.
البعض يرى أن بر الوالدين بالعطايا والهدايا متناسيًا أن أعظم بر لهما تقديرهما والإحسان إليهما وكف الأذى عنهما.
والأدهى والأمر حين لا يعترفون بأن ذلك من العقوق!
نعم إنه عقوق حين أغيب عن والديَّ بالأسابيع، والأشهر ونحن في مدينة واحدة لا تفصلني عنهم غير مسافة يسيرة.
ثم قالت:
لا تبكوا عليّ إذا رحلت.. فقد بكيت كثيرًا وأنا بينكم ولم تشعروا بي..
غدًا أبناؤكم سيعيدون تربيتكم من جديد؛ التربية التي لم أحسنها أنا.
تبقى أمي من أعظم نعم الحياة التي فقدتها، يقول أبو الطيب المتنبي:
لك الله من مفجوعة بحبيبها
قتيلة شوق غير ملحقها وصما
أحن إلى الكأس التي شربت بها
وأهوى لمثواها التراب وما ضما
بكيت عليها خيفة في حياتها
وذاق كلانا ثكل صاحبه قدما
إذِ الأمّ كل شيء في هذه الحياة، هي التعزية في الحزن، والرجاء في اليأس، والقوة في الضعف.. أمك ثمّ أمك ثمّ أمك.
*كاتبة سعودية