الأكثر مشاهدة

أمينة أحمد* “أنا قادم أيها الضوء” هو كتاب سيرة ذاتية للكاتب محمد أبو …

إشراقة الوردة البيضاء في عتمة المرض

منذ سنة واحدة

581

0

أمينة أحمد*

“أنا قادم أيها الضوء” هو كتاب سيرة ذاتية للكاتب محمد أبو الغيط، يستعرض فيه مسيرته الحياتية وتجربته الشخصية مع (مرض السرطان)، في هذا الكتاب، يروي الكاتب تفاصيل حياته، مشيرًا إلى مراحل مختلفة من ألمه وأمله، وكيف تطور المرض وكيف واجهه مع أسرته ومحيطه مارًّا بأهم الأحداث والذكريات بشكل سردي ما بين الماضي والحاضر، مما يعطي القارئ لمحة عميقة عن التجارب الإنسانية التي مر بها.

يبدأ بفصلين يتحدث فيهما عن ماذا تعني له الكتابة والدوافع التي تجعله يكتب، ويتعمق في فكرة أن الكتابة جزء لا يتجزأ من طبيعته وأن لديه حاجة غريزية للتدوين وأن الكتابة تساعده في فهم نفسه، يقول أبو الغيط: “كما أن الطبيعة لا تستطيع أن تتوقف عن النمو، لا يمكنني أنا أيضًا أن أتوقف عن الكتابة. واصفًا بهذا الكتابة كفعل لا إرادي وضرورة للاستمرار.

ويمر على فصول في سرده لحياته وذكرياته. في فصل: “صديق جديد: النسيان” يتناول مفهوم النسيان وكيف يكون له دور في إعادة البناء، واصفًا إياه كهدية وجزء من عملية الشفاء تعطيه الدافع للانطلاق من جديد، مستهلًّا هذا الفصل بمقولة درويش: “وأنا أريدُ، أريدُ أن أحيا، وأن أنساك…” مشيرًا إلى المعجزة البشرية في نسيان الموت.

ثم يمر في فصول متنوعة – منها تجربة الغربة ورحلة العلاج والتشخيص، وبعض الأحداث السياسية ورسالته الخضراء (الزراعة)، وفي فصل تحت عنوان: “شمس وقمر في مهمة إنقاذ” تحدث بإسهاب وشجى عن والديه، قبل أن يصل إلى الفصل الأخير الذي خصصه عن زوجته.

وردتي البيضاء الخارقة” تحت هذا العنوان تحدث عن رفيقة دربه (إسراء)، بدأه بأقوال ابن حزم من كتابه طوق الحمامة، الذي تناول ماهية الحب وعلاماته:

“يقول ابن حزم: الحب أوله هزل وآخره جد، دقّت معانيه لجلالتها عن أن توصف فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة، وقد اختلف الناس في ماهيته وأطالوا، والله عز وجل يقول: (وجعل منها زوجها ليسكن إليها) فجعل علة السكون أنها منه”. 

كان هذا الاقتباس تمهيدًا للحديث عن علاقته بإسراء الزوجة السكن والملاذ، وكيف أن حبهما واجه العديد من التحديات في بداية تعارفهما، وكيف اختارته وتنبأت بأنها ستتزوجه منذ اللقاء الأول، في مشهد لطيف تبشر فيه أختها بأنها أخيرًا التقت بشخص سيكون زوجها، في مقابل لهفتها هذه، وصف محمد أبو الغيط تأنّيه في اتخاذ هذا القرار.

كانت لغة المحب الممتن طاغية في وصف تلك البدايات، حيث كان التخطيط من جهتها والتأني من جهته كفيلين بإنجاح العلاقة، قال عنها: “لا فشل ولا خديعة ولا خطأ ولا غباء مع إسراء“. 

انتقل بعد ذلك لوصف كيف أسس مع إسراء حياة قائمة على أساسين قويين، وهما: الشفافية والوضوح أولًا، وتقسيم المسؤوليات والمهام ثانيًا، فيما يخص الشفافية، سعى بوضوح تام في مسيرة حياتهما إلى أن يعرف منها بشكل مباشر كيف تنجح علاقتهما كزوجين وحبيبين، حتى إنه كان يسألها بشكل شبه يومي: “هل ضايقتك اليوم؟ وما أفضل ما حدث مني اليوم؟”. أما بالنسبة لتقسيم المسؤوليات، فقد وضّح كل منهما المهام التي له وعليه كشريكين في السكن وكذلك في مواجهة أعباء الحياة المادية.

وفي لمسة شاعرية، وصف مشاعره تجاهها بقوله: “أنت مريحة.” حيث كانت حسب وصفه، مريحة في فهمها له، وصبرها وعاطفتها، وأسهب محمد في هذا الفصل في وصف شخصية إسراء وقوتها وقدرتها على التأقلم مع الصعاب، حتى قبل إصابته بالمرض، مستشهدًا بمواقف تعكس دعمها وإصرارها، مثل قبولها لإمكانياته المحدودة وقرار الإنجاب والغربة والسفر بعيدًا عن دعم الأسرة.

يقول عن أحد مواقفها أثناء مرضه: “أرى في وجهها الإصرار والقوة قبل الحزن” (لا وقت للحزن)، وكأن هذا كان شعارها الذي يجسد ثباتها وحكمتها، وصفها كشخصية عملية تسعى للحلول فور مواجهتها لأي عائق.

بعد سرد ذكرياتهما الخاصة، علّق بحزن شديد – تكاد تسمع أنينه حين تقرأه – متأملًا المشهد بالكامل منذ لحظة تعارفهما إلى تلك اللحظة، فيقول في عبارة كلها شجن: “كأن كل ما سبق كان إعدادًا لهذه اللحظة المشؤومة” -في إشارة إلى لحظة مرضه- قوة إسراء الداخلية، كزوجة وصديقة ومعينة، هي ما يصفه محمد أبو الغيط بالقوة الخارقة. وكان من أجمل الاقتباسات في هذا الفصل:

لا يوجد ترمومتر لقياس الدرجة التي تتحول عندها صفة الاهتمام المرغوبة إلى صفة الحصار المرفوضة“. 

نظرة عامة على الكتاب:

برأيي الشخصي، أن الكاتب أفرط في وصف حالته الصحية طبيًا، مع ذكر أسماء الأدوية والمستشفيات، وذلك بلا شك بحكم خلفيته كطبيب، حتى أنك تكاد تجزم أنه كتب هذا متعمدًا ليخاطب أهل الاختصاص، وأقول — من وجهة نظري — إن هذه السيرة والتفاصيل قد تلائم طالب طب أو باحث في خطط علاجات السرطان.

ورغم صدق المشاعر ونقل التجربة وجمال اللغة والسرد الروائي، ورشاقة التنقل بين الأحداث، كان الوصف للحالة المرضية مرعبًا في كثير من أجزاء الكتاب، وصف محمد أبو الغيط الألم بدقة مؤلمة وموجعة، ونقل إحباطه بسبب تدهور حالته، فيقول لحظة يأس: “المعجزة تظل أمرًا بالغ الندرة”. هنا يظهر يأسه الشديد من الشفاء، ولا أنصح شخصيًا أي مريض سرطان بقراءة الكتاب، لأن مريض السرطان يحتاج إلى معنويات مرتفعة ليحقق استجابة مع العلاج، وهذه التفاصيل قد تصيبه بإحباط ويأس.

يتحول الكتاب في أجزاء كثيرة منه من سيرة ذاتية إلى “سيرة مرض”، مما يجعله أشبه بسيرة ذاتية لمرض السرطان نفسه، وهذا ما أكدت عليه الكثير من المراجعات، وفي النهاية يتغلب عليه السرطان وللأسف، كاشفًا ضعف الجسد الإنساني أمام المرض وحقيقة الموت تدريجيًا أمام واقع القدرة الإنسانية المحدودة.

حاول في رحلته نحو الضوء أن يكون ملهمًا بالشجاعة والقوة، متسلحًا بروح المقاتل في معركة شرسة، لكن الكتاب في مجمل أحداثه وتفاصيله بدا وكأنه دعوة لتوثيق الذكريات واليوميات ورثاء النفس، بترك أثر مكتوب للأحبة.

ويبقى الحب الصادق والشريك النبيل، شجرة وارفة الظلال نستظل بها في هجير الحياة الحارق، تمامًا كما (إسراء)
يا سمينة محمد أبو الغيط، سقاها حبًا فأثمرت “كأن كل ما سبق كان إعدادًا لهذه اللحظة المشؤومة”، على حد قوله.

ويبقى الأمل بالله دومًا حاضرًا، رحم الله محمد أبو الغيط، وشفى كل مرضى السرطان، وأحاطنا وإياكم ومن نحب بعنايته وحمانا من داء العصر العضال.

*كاتبة سعودية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود