24
0
19
0
31
0
12
0
8
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13336
0
13135
1
12119
0
12053
5
9469
0
جواد عامر*
عُدَّتِ القصة القصيرة المولود الطبيعي للقرن العشرين، باعتبارها منتجًا إبداعيًا استلزمه عصر متسارع الإيقاع لم يعد فيه القارئ على استعداد للانهماك في عوالم شديدة الإيغال في التفاصيل والدقائق، عوالم أشبه ما تكون باسترسال نهري يمتد من منبعه نحو المصب، إنما صار ميالًا إلى التقاط الومضات السريعة الخاطفة في تلك الدوامة الصغيرة وسط ذلك الاسترسال الممتد، إنه قارئ القرن العشرين، قارئ يهوى النص القصير المكثف والمركز والمليء بالرمز والإيحاء القادر على إيصال المراد وتبليغ المقصد عبر كم قليل من الكلمات، لذا اعتبر “إدغار آلان بو” القصة القصيرة نصًا أدبيًا يقرأ في جلسة واحدة، ورآها “غي دي موباسان” نصًا يستغرق دقائق معدودات لاستكمال قراءته، في إشارة إلى قصر النص الذي لا يتطلب من قارئه وقتًا طويلاً كحال الرواية ذات الفصول المطولة والمفصلة للأحداث والأمكنة والأزمنة والشخصيات والعقد المتعددة، في الوقت الذي لا يسمح في القصة القصيرة بهذا التفصيل والتعدد، إنها نص خاطف كالومضة يلتقط تفاصيل الحياة بشكل مكثف ومركز، ومن هنا تأتي صعوبة هذا الفن على المستوى الإبداعي حتى إن كثيرًا ممن خبر الرواية والقصة أدركوا حجم الصعوبة التي تكلفها كتابة النص القصصي مقارنة بكتابة الرواية لما تستلزمه القصة من عمق فني وتركيز شديد وتكثيف في العبارة وقدرة إيحائية أكبر ووحدة في الهدف والانطباع والحدث والمكان والزمان، وكل هذه العناصر الفنية تحتاج إلى مهارة عالية وإحاطة واعية بآليات كتابة القصة التي تضيق خناقها على كاتبها ولا تسمح له بالاسترسال المطلق مثلما تصنع الرواية، لذا وتحقيقًا للشروط الفنية والجمالية للكتابة القصصية، فإن المبدع العربي أدرك منذ وقت مبكر هذه الخصائص وتشربها مستفيدًا من قراءاته للقصة الغربية وتحديدًا قصص الأدب الروسي مع تولستوي وغوغول والأب الروحي للقصة القصيرة العالمية أنطون تشيكوف الذي كان تأثيره أكبر على كثير من الكتاب العرب، من حيث طريقته الرمزية والبنائية والجمالية التي ظهر فيها العمق الفني الذي امتلك “تشيكوف” ناصيته أكثر من غيره، كما كان تأثير نماذج “غي دي موباسان” و”إدغار آلان بو” قوي الأثر، كذلك في توجيه دفة الإبداع القصصي لدى كتابنا العرب كيوسف إدريس، ونجيب محفوظ، وحنا مينة، ومحمود تيمور الكاتب المصري الذي امتازت قصصه بالأناقة الإبداعية التي استمدت خصوصيتها من الرمزية والبياض اللذين شكلا معمارًا جماليًا منح قصص تيمور جمالية متفردة يستشعرها قارؤه داخل المتن القصصي وخارجه لما ترسخه البنية وتركيبها الفني والموضوعي من تأثير يظل مستمرًا خارج النص، وهذا من الأمور القليلة التي قد يجدها القارئ في علاقته بالنص الأدبي، كان تيمور قد استطاع أن يشكلها من خلال محاورة الواقع المصري والعربي ومخاطبة الوجدان الإنساني في أبعد أعماقه.
صحيح أن تيمور نزع في البدايات إلى كتابة قصص رومانتيكية بفعل تأثره بأدباء المهجر وكتابات المدرسة البيانية، خاصة مصطفى لطفي المنفلوطي، فكان تأثير الرومانسية قويًا في نفسه شأنه في ذلك شأن كثيرين ممن انجرفوا مع تيار الرومانسية لقوة مده في تلك المرحلة من التاريخ، لكنه سرعان ما انصرف إلى تجسيد الواقع المصري، من خلال قصص وجدنا أنه تجاوز فيها حدود التقليد والمحاكاة للأنماط القصصية التي ذاع صيتها في الأدب العالمي، وهذا من الأمور المألوفة جدًا في العملية الإبداعية خاصة في المراحل الأولى من حياة المبدع، لتنضج الرؤية ويتقد الفكر الإبداعي وينفرد المبدع بسيناريوهات جديدة تختلف عن الآخرين تمنحه طابع التفرد والتميز، فكان محمود تيمور حقيقة القاص العربي الذي اخترق جدار المحاكاة ومنح نماذجه القصصية تفردًا جماليًا جعله أيقونة من أيقونات الكتابة القصصية في العالم العربي، ولعل مجموعة “تمر حنا عجب” التي صدرت عام 1958 وهي تضم اثنتي عشرة قصة تستدعي الباطن والسلوك الإنساني عبر تحليل سيكولوجي يحاور العمق النفسي للإنسان العربي، متخذة من الإنسان تيمة لها فحضور الشحاذ والغني والفقير والأبله والمقعد المشلول والتلميذ والخادمة صور لشخصيات ملتقطة من الهامش الضيق، من أجل تصوير البعد النفسي العاكس للواقع الاجتماعي، وتعد قصة حامل الأثقال واحدة من النماذج البديعة التي عكست بشكل جمالي العمق النفسي للإنسان عبر رمزية حوارية بين الكاتب والحمال الذي كان يحمل كيسًا من الحجارة على ظهره، رغم كبر سنه ورغم عدم فائدة الحجارة ليفسر ذلك لصاحبه/ الكاتب برغبته في خلق التوازن أثناء سيره في شعاب الجبل بعدما كان اللقاء بينهما عند ملتقى طريق قريب من القرية، فيفطن الكاتب إلى فكرة ذات بعد فلسفي تفسر الوجود الإنساني في هذه الحياة مفادها؛ أن كل إنسان يبحث عن حمل يثقل به كاهله ليجد من رحم المعاناة ذلك التوازن الذي يقوده نحو السعادة والطمأنينة، يقول محمود تيمور: لم لا يكون هذا الحمال الساذج في مظهره، صاحب فلسفة وحكمة وهو الذي قضى عمره يبلو الحياة وتبلوه في بقعة جبلية طيبة، ما أجدرها أن تكفل سلامة الفطرة وصفاء التفكير؟ فرأيتني أربت ظهر الرفيق الفيلسوف: لا تحسبن يا صديقي أنك وحدك الذي لا يستغنى عن حمله، كل امرئ منا فيه شيء منك؛ إن من أحمال الحياة وأثقالها ما هو جزء من المرء لا يحول عنه ولا يزول، وإنه لخير وسيلة لتوفير التوازن والتوافق عنده، فنحن نحيا بأثقالنا وإن كانت ترهقنا؛ لأنها سبب من أسباب ما نطمح إليه من سعادة واطمئنان.
لقد أراد تيمور من خلال هذا النموذج القصصي أن يظهر قيمة المعاناة في تحقيق سعادة الإنسان في الحياة، فلا اطمئنان ولا سكون يحصل في الحياة إلا من خلال الشقاء، وقد استطاع أن يصل إلى هذا المقصد عبر اتخاذه من حمال الأثقال رمزًا إنسانيًا جميلًا، خلق من محاورته وحركته وسلوكه وتفكيره بعدًا دراميًا ذا نزوع إنساني اقتحم العمق النفسي للشخصية الإنسانية مبرزًا ما تحتاجه في الوجود الإنساني تحقيقًا للتوازن المنشود في الحياة، إنه اقتحام نابع من فهم عميق لطبيعة النفس وإدراك واع لحقيقة الحياة غذتها القراءات الفلسفية والإبداعات الغربية وكتابات المهجر الأمريكي التي كانت مشحونة بالفكر الفلسفي العميق، الذي ظهر أثره جليًا في تشكيل رؤية تيمور للوجود الإنساني، ومن أجل هذا كانت عنايته بالإنسان واضحة المعالم في مجموعته القصصية “تمر حنا عجب” بشكل لافت للنظر، كأنه مصلح اجتماعي أراد أن يجعل القصة بأسلوبه العربي الأنيق وقوته التعبيرية الخارقة طريقًا نحو الإصلاح وتغيير أنماط السلوك السائدة في المجتمع المصري والعربي.
*كاتب وناقد من المغرب
التعليقات