9
0
13
0
30
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13533
0
13378
0
12214
0
12138
0
9570
0
إعداد_هدى الشهري
هو جرير بن عطية الخطفي الكلبي، ويُكنّى بأبي حزرة، وهو أشعر شعراء عصره، وقد نشأ نشأة الفقير، وعمل في بداية حياته راعيًا لإبل قومه، وتميّز بإقباله على نظم الشعر منذ أوائل حياته، فنال الحظوة عند الخليفة يزيد بن معاوية، والخليفة عبد الملك بن مروان.
ويُعتبر أحد الشعراء الثلاثة المقدَّمين في دولة بني أميّة (الفرزدق والأخطل وجرير)، حين احتدم الصراع بين شعراء المثلث الأمويّ وظهر فن النقائض بحلته الجديدة، حيث غلب على شعر جرير والفرزدق الفحش في الهجاء والتعيير، بينما تميّز الأخطل بنزاهة هجائه.
والنقائض فن قديم عرفه الشعراء منذ العصر الجاهلي، ويعتمد على توجه الشاعر بقصيدة يهجو بها شاعرًا آخر، ويسخر منه ومن قبيلته، ويفخر بنفسه وقومه، وبما لهم من أمجاد ومكانة، فیجیبه الشاعر الآخر بقصيدة أخرى، هي في الغالب على وزن القصيدة الأولى، وعلى القافية نفسها ناقضًا كثيرًا مما جاء به الشاعر الأول من معانٍ وصور، ومضيفًا إلى القصيدة فخرًًا وهجاءً.
كان جرير شاعرًا وجدانيًا جمعت أشعاره بين المعاني الواضحة، وفصاحة اللفظ، وقوة التراكيب، وحسن الديباجة وعذوبة النظم وسهولة تداول أشعاره على الألسن، حيث تعلق بسهولة في الذاكرة، ويُمكن غناؤها.
يُعدّ جرير من أغزر الناس شعرًا، كما تميز بالتطوّر وعدم الانسياق وراء العادات والمعتقدات، حيث تمكّن من كسر حواجز الاعتقاد في بيئته وعصره، والمتمثلة باعتبار بكاء الزوج على زوجته عيبًا، حيث قام برثاء زوجته أُم حزرة، كما مال إلى العفة في الحياة فلم يشرب الخمر، ولم يحضر مجالس القيان.
والإجماع واقع على أن جريرًا قد فاق أقرانه في الغزل والرثاء والهجاء، وأنه قد تغلّب على جميع الذين هجوه وأخمل ذكرهم، ما عدا الأخطل والفرزدق لأنهما اجتمعا عليه، ولو تفرّقا لغلبهما وأخمل ذكرهما أيضًا، وهجاء جرير حلو مرّ، فحلاوته بما يلبسه من حسن اللفظ والتقدّيم له بالغزل ليجعل السامع أكثر استعدادًا لسماعه، ومرارته بما يلحقه من أذى للمهجوّ.
وقد أورد العسكري في (ديوان المعاني) قصة دخول رجل من بني عُذرة على الخليفة عبد الملك بن مروان يمدحه بقصيدة وعنده جرير والفرزدق والأخطل، ولم يعرف الرجل أحدًا منهم، فسأله عبد الملك بن مروان عن أهجى بيت قالته العرب في الإسلام، فأجابه الرجل: نعم أعرفه، وهو قول جرير:
فغضِّ الطرفَ إنَّك من نُمير
فـلا كعـبًـا بلغـتَ ولا كـلابـا
فقال له: أحسنت، وهل تعرف ما هو أمدح بيت قالته العرب في الإسلام؟ فقال له الرجل: نعم، وهو قول جرير أيضًا:
ألستم خيرَ من ركب المطايا
وأندى العالمين بطونَ راح
فقال له الخليفة: أصبتَ وأحسنتَ، فهل تعرف ما هو أرقُّ بيت قالته العرب في الإسلام؟ فقال الرجل: نعم، هو قول جرير:
إنَّ العيون التي في طرفها حور
قتـلننـا ثـم لـم يحـيـيـن قـتـلانـا
فقال له الخليفة: أحسنت، ثمَّ سأله: هل تعرف جرير؟ فقال له: لا، والله لا أعرفه، وإنّي مشتاق لرؤيته، فقال له: هذا هو جرير، وهذا الفرزدق، وهذا هو الأخطل، فأنشأ الأعرابي يقول:
فحيَّـا الإلـه أبـا حـرزة
وأرغم أنفـك يا أخـطـلُ
وجدُّ الفرزدق أتعس به
ودق خياشيمه الجنـدلُ
عند ذلك هجا الفرزدق ذلكَ الرجل، ثمَّ هجاه الأخطل أيضًا غَضَبًا على ما بدرَ منه تجاههما، فانتفضَ جرير مُدافعًا عنه، وأنشدَ بيتين هجا فيهما الفرزدق والأخطل، وقال فيهما:
أتشتمانِ سفاهًا خيركـم حسبًـا؟
ففيكما -وإلهي- الزور والخطلُ
شتمتاهُ على رفعِي ووضعكمـا
لا زلتما في سفالٍ أيها السفـلُ
ثمَّ قام جرير إلى الرجل وقبَّل رأسه، وطلب من أمير المؤمنين أن يهبه جائزته من المال، فأعطاه عبد الملك إيّاها مُضاعفةً، فأخذ الأعرابي المال كلَّه وخرج فرحًا.
ومما يُروى أنَّ جرير التقى الفرزدق في أحد مواسم الحج في مِنى، فقال الفرزدق لجرير:
فإنك لاقٍ بِالمُحَصَّبِ من منى
فخارًا فخبِّرني بمن أنت فاخر
فأجابه جرير عند ذلك بقوله: لبيكَ اللهمَّ لبيك، وكان أبو عبيدة يقول في هذه القصة: “فكان أصحابنا يستحسنون هذا الجواب من جرير ويُعجبون به”.
وقد أورد المرزباني في كتابه (مآخذ العلماء على الشعراء) اعتراف جرير للفرزدق بالغَلبة، ولذلك أُطلق عليه لقب “العزيز”، فقد قال جرير يومًا: ما قال لي ابن القين -يقصد الفرزدق- بيتًا إلا قلبته عليه ورددته عليه، إلا بيتًا واحدًا وهو قوله:
ليس الكِرامُ بناحليك أباهـم
حتى تُردَّ إلى (عطية) تعتلُ
ثمَّ يقول جرير بعد البيت: فإنَّني والله لا أدري كيف أقول في هذه.
وقد ذكر الأصفهاني في كتابه (الأغاني) قصة الحرب بين جرير والراعي النميري، فقد كان للنميري مجلس مع الفرزدق في أعلى سوق المربد في البصرة، وكان كريم في قومه ومن أسياد قبيلته، لكنّه ذات يوم دخل في المعركة التي كانت بين جرير والفرزدق، وفضّل الفرزدق على جرير في بيت يقول فيه:
يا صاحِبَيَّ دَنا الرواح فَسـيـرا
غَلَبَ الفَرَزدَقُ بِالهِجاءِ جَريرا
وقد ذكر جورجي زيدان في كتابه (تاريخ آداب اللغة العربية) قصة المعركة الشهيرة بين الشاعرين، حيث خرج جرير ماشيًا ولم يركب لئلّا يراه أحد، ووقف في طريق يمرّ به الراعي عندما يعود من المربد، فاعترضه جرير وسلّم عليه، فعاتبه على تفضيل الفرزدق، وطلب منه أن يشهد للاثنين -أي الفرزدق وجرير- بالشاعرية وبذلك لا يكون طرفًا في الخصام، لكنّ ابنه تدخَّلَ وضرب دابّة جرير فأوقعَ جريرًا على الأرض وكادت الدابة تدوس قدم جرير.
ثمّ قال ابن الراعي مخاطبًا والده: “لا أراك واقفًا على كلب من بني كليب كأنّك تخشى منه شرًّا أو ترجو منه خيرًا”، فانتظر جرير من الراعي أن يعتذر عمّا بدر من ابنه لكنّه لم يفعل، فانصرف جرير غضبان ممّا كان من الراعي وابنه، فصلّى العشاء ولم يغمض له جفن حتى صار السَّحَر، فإذا هو بقصيدة تزيد على تسعين بيتًا، وضع فيها كلّ طاقته في الهجاء.
عند الصباح توجّه جرير على فرسه إلى سوق المربد حتى انتهى إلى مجلس الراعي النميري والفرزدق، فهجا الراعي النميري وقبيلته نُمير، وتوجه بشعره كذلك إلى الفرزدق فهجاه بعدد من أبيات القصيدة كونه كان سببًا من أسباب هذه القصيدة، وبعد هذه القصيدة لم يستطع الراعي الإقامة في قومه حياءً مما لحق بهم وتسببت هذه القصيدة في ضياع بني نمير بسبب الهجاء الذي كان فيها، خاصة قوله:
فَغُضَّ الطَرفَ إِنَّكَ مِن نُمَيرٍ
فَلا كَعبـاً بَلَـغـتَ وَلا كِـلابــا
ومن المتوارث قول العرب في المفاضلة بين جرير والفرزدق إن جرير يغرف من بحر والفرزدق ينحت في صخر، وذلك دلالة على أن شعر جرير ذو طابع رقيق منساب، بينما كان شعر الفرزدق يتميز بالفخامة وكثرة التنقيح والتدبيج.
وفي الختام لنا وقفة مع قصيدة جرير التي أطلق عليها اسم “الجوساء”، وذلك لأنّ أبياتها دارت بين البلاد، وتناقلها الرواة، وناح بها النائحون، بسبب مظاهر الأنين والشجن في كلماتها، حتى إنّ قوم الفرزدق بكوا بها على هوالكه:
لَولا الحَيـاءُ لَعـادَني اِستِعبـارُ
وَلَزُرتُ قَبرَكِ وَالحَبيـبُ يُـزارُ
وَلَقَد نَظَرتُ وَما تَمَتُّـعُ نَـظـرَةٍ
في اللَحدِ حَيثُ تَمَكَّنَ المِحفـارُ
فَجَزاكِ رَبُّكِ في عَشيرِكِ نَظرَةً
وَسَقى صَـداكِ مُجَلجِـلٌ مِـدرارُ