7
0
13
0
13
0
10
0
16
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13561
0
13405
0
12240
0
12151
0
9593
0
دولة بيروكي*
مما لا شك فيه أن البحث في موضوع الشعر خصوصًا، يتطلب الخوض في ماهية الأدب تحديدًا، ثم ماهية النقد خصوصًا، الذي اهتم بالشعر والنثر، فتتبع مسالك المبدعين في الشعر على مستوى المعنى والمبنى والأساليب الفنية والجمالية، والإيقاع المرتبط بالضوابط العروضية لتتجمع لديهم من المعاني والأسس الذي يعمل به الناقد الادبي.
قد وظف النقاد قضية المعنى للتعبير عن الأغراض الشعرية، وعن المعاني الجزئية، وعن أفكار وصور شعرية، فتجمع لديهم من هذه المعايير ما راكم قيمًا متنوعة، كابن سلام الجمحي، الذي به برزت البدايات الأولى للحركة التوثيقية برواية الشعر العربي القديم، فالشعر لم يكن موثقًا أو مدونًا، بل كان شفويًا يتخذ الإنشاد وسيلة للوصول إلى الأسماع، ما عرضه لكثير من الضياع والنحل والتغيير، وبفعل أيضًا العصبيات والقبيلة والسياسة والمذهبية.
ففي العقد الأخير من القرن الرابع قامت طائفة من العلماء على جمع التراث الشعري، ومحاولة تخليصه من الشوائب وتدقيقه، إلى أن جاء ابن سلام الجمحي، والمفضل الضبي، وخلف الأحمر، وحماد الرواية، ومن ثم صار هؤلاء النقاد يحترزون من الأشعار التي يرون فيها شائبة، فالكوفي حماد الراوية الذي قال عنه ابن سلام الجمحي: “كان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها” غير أنه لم يكن مهمًا من طرف المعاصرين، فقال عنه المفضل الضبي: “قد سلط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده لا يصلح أبدِا، فقيل له: أكان يلحن أو يخطئ؟ قال: ليته كذلك فإن العرب تعيد الخطأ إلى صواب، لكنه رجل عالم بمذاهب الشعراء ومعانيها، فكان يقول الشعر ويشبه به مذهب رجل، ويدخله إلى شعره فتختلط أشعار القدماء، ولا يعلمه إلا عالم ناقد”.
ولقد عرف عهد النقاد الذين جاؤوا ليحققوا الشعر ويفصلنه، فخلف الأحمر أحد شيوخ البصرة قال عنه المبرد: “كان يضرب به المثل في عمل الشعر وكان يختم القرآن كل يوم وليلة”.
وقال عنه ابن سلام الجمحي: “اجتمع أصحابنا أنه كان أفرس الناس ببيت الشعر وأصدقه لسانًا”. وعلى الرغم من إعمال بعض الرواة على تشويه الثراث، فإن العلماء الذين اختصوا بخدمة التراث وتنقيته كإمام البصرة أبا عمرو بن العلاء، والمفضل الضبي، وعمرو الشيباني، إضافة لأبي عبيدة بن المثنى.
إلى أن جاء ابن سلام، وفصَّل الأمر تفصيلًا، وتصدى بمنهجه المرافق لفكر عصره لأغلب الشعّار، التي كان يراها موضوعة أو فيها نحل وتغيير، إلى أن وضع منهجًا علميًا يعتمد على الفطرة، والتفصيل والتحليل، فنجده يقول في كتابه “طبقات فحول الشعراء”: “في الشعر مصنوع مفتعل، موضوع كثير لا خير فيه، ولا حجة في عربية، ولا أدب يستفاد ولا معنى يستخرج، ولا مثل يضرب ولا مديح رائع، ولا هجاء مقذع ولا فخر معجب، ولا نسيب مستطرف، وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب، لم يأخذوه عن أهل البادية، ولم يعرضوه على العلماء، وليس لأحد إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة، على إبطال شيء منه إلا أن يقبل من صحيفة ولا يروى عن صحفي”.
لقد كان مفهوم الشعر وقضية الانتحال من أبرز القضايا التي حولته لأفكار نقدية، والذي شرحه قدامة بن جعفر في كتابه “نقد الشعر”. وليس غريبًا أن يحدد ابن سلام مجموعة من الخصائص التي تتواجد في الناقد، وأن يكون مصطلح المصنوع والحجة والبداوة من أهمها، فالمصنوع نقيض المطبوع، والذي تفيد عند النقاد القدامى ما أتى عفوا وصدر عن الشاعر دون تكلف أو تصنع، ثم تاتي مصطلح الحجة إذن أن الشعر كله حجة، فهو ما كان يستعمل في تفسير القرآن والحديث والنحو، أما البداوة فمقابل الحاضرة، فتشدد العلماء على أخذ الشعر من أهل البادية لغرابته، ومتانته ووحشيته، فقد ذكر عمر بن العلاء: “لم أرَ بدويًا أقام في الحضر إلا فسد لسانه”.
حمَّل ابن سلام الجمحي الرواة مسؤولية النحل في الشعر الجاهلي، فلم يتداولوه ولم يأخذوه من علماء، كما أن ضياع معظم الشعر في عدم تدوينه في كتب أو صحيفة، ما أدى إلى انقطاع العرب عن رواية الشعر، وتشاغلوا بالجهاد ضد فارس والروم، فلم يخلُ الدور، كذلك على العصبيات القبلية في وضع الشعر ونحله، إذ حاولت بعض القبائل أن تضفيه من الناحية التاريخية، كذلك على الخصومة بين البصرة والكوفة.
إن نقد الشعر الجاهلي عند ابن سلام الجمحي، نقد مهم أعطى تفصيلًا دقيقًا ومحكمًا حول آلية الناقد المتخصص، ولقد أسست بروز حركة هذا النقد إلى بروز رواة وكتاب ساهموا في خلق نواة أولى لنقد التوثيق، كابن قتيبة والعمدة لابن رشيق القيرواني، ومعاصرين أحدثوا ضجة في مجال نقد الشعر، كطه حسين، وشوقي وضيف، وغيرهم كثير.
*كاتبة وصحفية