الدكتورة رانية العرضاوي: المدارس النقدية اليوم شبيهة بحلقات الفواكه والخضار 

 

 

*تدوير النقد لا يضيف شيئًا للمعرفة الإنسانية

*من يحارب التراث مسكين ومتخبط 

*يمارس الناس الفلسفة، وهم لا يدرون

*الموضوعات الأكاديمية بعيدة عن سماء المتلقي

*عائق الكلاسيكية يحول بين الباحث والواقع البسيط

*سيبقى الكتاب الورقي حاضرًا رغمًا عن التقنية

 

حوار_عبد العزيز طياش

عندما نأتي على سيرة كما في سيرة ضيفة شخصية هذا العدد، نشعر بفخر عارم، واعتزاز كبير بهذه المرحلة، التي تعيشها مملكتنا الحبيبة تزامنًا مع رؤية المملكة 2030، التي نتحدث فيها عن ركيزة من أهم ركائزها، وهدف من أسمى أهدافها، الذي هو دور المرأة السعودية، وتمكينها للنهوض بعجلة التنمية.
ولا شك أن ضيفة هذا العدد تُعد النموذج الأرقى لذلك التمكين، والمثال الأسمى للمرأة السعودية الباذلة فكرًا، وتوعية، وإصلاحًا، وتنميةً… وإننا هنا نتحدث عن الدكتورة رانية بنت محمد شريف العرضاوي.. أستاذ مساعد النقد، والأدب بقسم اللغة العربية وآدابها، جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، وهي التي تهتم بـالبحث في قضايا الفكر والفلسفة والإبداع، وإلهام المواهب الشابة، وتحقيق القيادة القدوة، ونشر الوعي، وإحياء التراث العربي، ونشر منهج الاعتدال، وغرس الأخلاق، وترفيه الطفل بالمعرفة، ودعم القراءة والكتابة والطباعة والنشر، كل ذلك وأكثر نجده في مسيرتها، وعلى كافة الأصعدة حضوريًا وإلكترونيًا ونشرًا وتأليفًا ..
ضيفتنا حاصلةً على ماجستير النقد الأدبي القديم/جامعة الملك عبد العزيز بجدّة ودكتوراه فلسفة الأدب/فرع النقد الأدبي، جامعة دَرَم، المملكة المتحدة.

 

فرقد: للأسرة دور كبير في التنشئة فكرًا وعقلًا وطموحًا، حدثينا عن تأثير الأسرة في تحديد المسار التعليمي لرانية العرضاوي، مَن الداعم ومَن المعارض ؟

رانيا العرضاوي:

سؤال يجعلني دوما أبتسم، نعم لقيت من أسرتي دعمًا كبيرًا، لطلب العِلم، والسعي في ركابه، وخاصة من السيد الوالد -رحمه الله- والوالدة -حفظها الله- فبيتنا بيت يحب العلم، والعلماء، ويتسابق في طريقه وكم سمعنا من قصص عن جدَّيّ محمد صالح ومحمد علي في طلب العلم والسعي له، لكن كان هنالك الخلاف بيني وبين أسرتي في اختيار التخصص، فتقريبًا كلّ أفراد الأسرة عدا أبي رحمه الله عارض بقوة تخصصي اللغة العربية ولم يروا فيه مستقبلا، ولكني تمسكت بهذا الاختيار ولم أندم عليه يومًا، وحتى في قرار الابتعاث لبريطانيا لاحقًا لاستكمال الدراسة كان هنالك من عارض، ولكن الدعم القوي من أخي الشيخ أحمد من أول الفكرة وحتى يوم التخرج عاضدني كثيرًا وتشجيع أختي إنعام حفظها الله حين اتخاذي القرار، وحقيقة.. بعد مرور سنتين من الابتعاث صار كل فرد من أسرتي داعمًا ومؤيدًا بفضل الله.

 

*كنت أعجب بوالدي وثقافته

فرقد: الوالد محمد شريف العرضاوي حدثينا عنه وعن تأثيره على نشأتك، وثقافتك، وشغفك۔۔۔

رانيا العرضاوي:

رحمه الله، أبي رجل لا شبيه له في حب الحياة والخير، وصورته منكفيا على كتاب، أو ورق فوق مكتبه، وفنجال القهوة في يده لساعات طويلة۔۔۔ هي الصورة الأولى التي حركت داخلي حلم الكتابة، والقراءة، وعالم الثقافة، فأبي على بساطته، ودماثة خلقه، كان مؤمنًا بمشروع المثقف، وأمضى فيه عمرًا طويلًا، كنت ولازلت أرى فيه الرجل العصامي، الذي ابتسم دوما للعقبات وحاول حتى وصل. وقربي منه كان منذ الطفولة الأولى، ولعل كل فتاة بأبيها معجبة هي حالتي تمامًا، فأنا أراه كالجبل الشامخ بوقار التواضع، ووالدي كان يشركنا في يومياته وشغفه، أذكر مثلًا كيف كان يجمعنا على سريره مع والدتي ويقرأ لنا مسودة الحلقات الإذاعية التي يكتبها، ولا أنسى كلمة (مزيكا) التي كان يقولها فاصلًا بين كل مشهد وآخر، وكم كان يأخذ بمشورة الوالدة في تغيير حدث ما أو حوار في الحلقة، فكنا نعيش حالة من الكتابة الجماعية معه، وعندما يذاع المسلسل أوالحلقة كنت أشعر بانتشاء المشاركة ولو سماعًا في هذا العمل. لقد نقش أبي في روحي شغف الكتابة والقراءة والمعرفة عبر مجالسه التي كان ما يترأسها دوما بحلو حديثه، وكم كنت أتأمل سكوت الصحب في حضرته مصغين لحديثه الذي لا يمل، وفي قلبي إعجاب وتعجب من قدرته على قيادة العقول. رحمه الله۔

 

*يمارس الناس الفلسفة، وهم لا يدرون

فرقد: يقول الفيلسوف هيجل: رجل واحد فقط فهمني، و حتى هذا الرجل لم يفهمني !!كيف لنا أن نُقنع البسيط الذي يقرأ هذه المقولة، بجدوى ومنطقية وأهمية الفلسفة؟ ولماذا علينا أن نقنع كل الناس بجدوى وأهمية الفلسفة؟

رانية العرضاوي:

الناس تمارس الفلسفة في يومياتها، وهي لا تدري، وهذا المهم الآن، وربما بدلا من إقناعهم بأهميتها علينا أن نريهم أهميتها، وأثرها على سلوكنا نحن، أو لنقل من يؤمن بالفلسفة، ودورها في تطوير العقول، وتهذيب الأخلاق، وتعميق الفكر. الفلسفة ليست نظريات أو أقوال فقط، الفلسفة التي لا تظهر على السلوك بالخير، ولا تقود البسيط إلى الحق، واحترام الحريات والاختلاف لا جدوى منها، كيف أقنعك بالفلسفة وأنا أرفض رفضك وأسخر منه! المسألة هنا تحتاج إلى إعادة تفكير!

 

فرقد: يقول ابن حزم (القول بأفضلية لغةٍ على لغة وهم) ..
هل تؤيدين هذه المقولة، وما المعيار الأدق للتفضيل بين اللغات، وهل اللغة العربية أفضل اللغات؟

رانية العرضاوي:

هل تريد مني جوابًا علميًا أم وجدانيًا؟ علميًا لا تتفاضل اللغات إلا بمعايير دقيقة، ذكر منها شيخنا سعد مصلوح قدرة اللغة على ترجمة الكلمات من لغات أخرى، وهو ما تتفوق فيه العربية بقوة، أما وجدانيًا فأنا أرى في العربية سيدة اللغات بلا منازع، إنها العشق.

 

*مدارس النقد تشبه حلقة الخضار

فرقد: اقتبست جزئية من تغريدة لك عبر منصة تويتر تقولين فيها (المناهج النقدية دوما تبرع في البناء النظري) ..
عن مدارس النقد ومذاهبه ومناهجه !!
ماهي رؤيتك الخاصة تجاه تلك المدارس والمناهج النقدية الحديثة منها والقديمة، وهل لوجودها أثر في تطوّر حركة النقد أم عرقلتها ؟

رانية العرضاوي:

لا أريد أن أخيب ظنك بجوابي هذا، المدارس النقدية اليوم تشبه حلقة الفواكه والخضار، بعضها عفن وبعضها طيب وبعضها يمكن الاحتفاظ به وبعضها لا يبقى أكثر من سويعات، وللأسف الشديد ينقلب بعض النقاد إلى مهرجين ومُحرّجين على البضاعة وقليل منهم زرّاع يحملون حصادًا طيبًا مستوي الساق! ربما حركة النقد اليوم تلقى ارتجاجًا كبيرًا لقوتها، لكن هذا الارتجاج لا تثبت عليه كل الأقدام، النقد الحديث بدون جذور قديمة ثابتة وعلم باللغة يصبح وبالًا وانتهاكًا للإبداع، ويتحول إلى موضة في مضغ المصطلحات وعَلك الأسماء الأجنبية الغربية، وقد يبوء بإثم نقل المناهج نقلًا مشوهًا خلّف أجنة مشوّهة لا تقدم صورة مستوية الخَلق للإبداع. التنظير مهم ولكن لا تبرز قيمة النظرية النقدية إلا في التطبيق، وهنا الفيصل الذي لا ينجح في عبور صراطه الكثير. ويبقى الخير مأمولا.

 

*الموضوعات الأكاديمية بعيدة عن سماء المتلقي

فرقد: (أطروحة الدكتوراة ليست سوى نقل العظام من مقبرة إلى أخرى)
الكاتب الأمريكي “جيمس فرانك دوبيه”
برأيك هل استفاد الوسط الفكري والثقافي من رسائل الماجستير، والدكتوراة في جامعاتنا السعودية، والعربية، ووجد فيها ضالته، ومتعته، التي ينشُد ويتمنى ؟

رانية العرضاوي:

لا أظن ذلك، الموضوعات الأكاديمية لازالت تحلق في سرب بعيد عن سماء المتلقي، وتحفّ نتاجها بسياج متين، ولا تقبل الانفتاح بسهولة على المتلقي البسيط، تبقى الأكاديمية سمة ونخبوية، وهو ما يحرم الباحث من فرصة الوصول بفكره إلى الناس والمساهمة في صناعة وعيهم، حتى في اختيار موضوعات الرسائل العلمية تجد هنالك دومًا صفّا منيعًا كلاسيكيًا لا يريد من الباحث ملامسة الواقع البسيط، وقد نجت بعض المشاريع البحثية من ذلك ولكن لازالت معدودة. ولا أدري إن كانت هنالك إحصائيات بعدد الرسائل المركونة على الرفوف، تلك التي لم يقرأها أحد أبدًا سوى لجنة المناقشة والفاحص الداخلي.

 

فرقد: لديك مقولة تقولين فيها (الناقد بلا فلسفة كالبحار بلا بوصلة) عن أي فلسفة تتحدثين هنا ؟ وما المعيار الدقيق لتصنيف الناقد الحقيقي عن غيره ؟

رانية العرضاوي:

أقصد بذلك الفلسفة المؤسِّسة للمذهب النقدي خاصة، ثم الفلسفة بمفهومها العام، فهي مادّة متصلة بقوة في جذور النقد الأولى تكوينا وتوجيها، وتجاهل القراءة الفلسفية يشبه تجاهل معرفة خصائص مكونات المواد الأولية للكون لتفسير ظواهره. من جهة أخرى، الناقد الحقيقي عندي هو القادر على تطبيق أدوات النظرية في استجلاب جمالية النص، وتقريبه من المتلقي ليعيد للنص حياته دومًا.

 

*حكايات التعليم عن بعد

فرقد: تزامنًا مع أزمة كورونا وتقنية
(التعليم عن بعد) والسلبيات والإيجابيات والفرص والعقبات…
حدثينا عن مواقف لامستها الدكتورة رانية وعايشتها ما بين محزن، ومبهج، ومضحك

راية العرضاوي:

الحكايات كثيرة، خاصة مع التعليم عن بعد، أذكر من المواقف المضحكة أنّني كنت مستغرقة في الشرح في محاضرة ما، وفجأة فتحت طالبة مكبر الصوت، وتحدثت بصوت مرتفع أصابني بالهلع، والشهقة، وكأنها عفريت خرج من قمقم لسليمان يصيح! أذكر يومها أني وطالباتي ضحكن طويلا، ولعل من أقسى المواقف، التي مرت بي في الفصل السابق، تلقي خبر وفاة العزيزة خالة حواء، وهي موظفة في كلية الأداب من سنين طويلة مذ كنت في مرحلة البكالوريوس، وفقدها بسبب كورونا كان فاجعة، جعلتني لا أقوى على إتمام محاضرتي يوم سمعت الخبر، وبكت معي الطالبات عليها. رحمها الله.

 

*من يحارب التراث مسكين ومتخبط 

فرقد: رأيك فيمن يحارب التراث، ويدعو لنبذ القديم، بحجة التبعية، والرغبة في التجديد، بينما نجده في ذات الوقت، ينساق خلف فكر وثقافة الغرب، بتقليدٍ ساذج، وتبعية عمياء ؟

رانية العرضاوي:

هذا مسكين! فقوم بلا تراث، كحال ريح هبوب، تحمل كل أتربة في طريقها، وإن حملت خيرًا. التراث يا سيدي كنز، وهُوية، وأرض صلبة، وبحر عميق لا يضرّه من يتنكّر له، أو يتخلّى عنه، ومن يفخر بتتبع الآخر بلا عقل لا تستبعد منه أن يتنكّر لتراثه، ويتوه بين ذلك وهذا متخبطًا بلا ميناء للنجاة.

 

فرقد: هل وصل الفكر العربي لمرحلة التكوين الخاص والمستقل عن الفكر الغربي ؟

رانية العرضاوي:

الفكر العربي حقق خطوات واسعة تجاه الاستقلال عن الفكر الغربي، وصنع لوجوده قيمة عظيمة، وتخلص في كثير من مواقفه من التبعية غير الناقدة، ولكن لماذا هذا الهاجس في التخلص من الآخر؟ نحن نعيش حالة مثاقفة مع الآخر مذ أن كنا! والآخر يعيش معنا كذلك حالة مثاقفة قوية معنا ومع غيرنا، والتأثر والتأثير سنة لا يمكن إنكارها، والأهم هو أن تنبني على قاعدة التفكير الناقد والاختيار الواعي لما ننقل وما نتأثر به.

 

فرقد: في رؤيتك للشعر قديمًا وحديثًا !!
كيف تقيمين حال الشعر في هذا العصر، خصوصًا شعر النساء ؟

رانية العرضاوي:

تقهقر الشعر حتما عن عصور العرب الأولى، لكن هذا لا يعيب في الشعر بقدر ما يقدّم لنا صورة عن حاجة المتلقي الأدبية المتغيرة وفق تغيرات الحياة الاجتماعية والمادية والمعرفية، والشعر العربي لازال ناهضًا تنتابه انتفاضة عنقاء بين حين وآخر، وربما في مقارنتنا شعرنا المعاصر بشعر العباسيين مثلا ظلم كبير، فلكل زمن أدبه ورجاله وأحلامه وهمومه، ومعايير العصور مختلفة ولا يمكن أن تتطابق وهو ما جرى على الشعر كذلك. أما سؤالك حول شعر النساء، فماذا تقصد بذلك؟ هل تعني من حيث العدد؟ نعم، الشاعرات عبر العصور أقل عددًا من الشعراء وكذلك الكاتبات والناقدات، ولعل هذا موضوع بحثي يمكن لباحث ما أن يخرج لنا بأسبابه بعيدا عن الأحكام الجاهزة حول ادعاء ذكورية التاريخ والكون. أما من حيث الجودة، فأنا لا أفرق في نقدي، أو تذوقي للنص بين الجنسين، فما ينطلي على الشعراء يجري على الشاعرات على السواء.

 

*تدوير النقد لا يضيف شيئًا للمعرفة الإنسانية

فرقد: للنقد أسئلة يستوجب معها المضي فيه، أو صرف النظر عنه حول قضية أو ماهية.. كيف تقيّمين هذه الأسئلة ومدى تطابقها مع القضايا من عدمه..؟

رانية العرضاوي:

أسئلة النقد واقعة لا محالة بطبيعة البناء النقدي فكريا، ولكن تدوير هذه الأسئلة ومجّها بما لا يضيف إلى المعرفة الإنسانية هو ما ينبغي أن يتخلص منه النقد والنقاد وذلك طلبا للتطوير وتجديد دماء البحث والسؤال، فطبيعة الحياة تستلزم هذا التطوير وتتيح أدواته، والغفلة عنها ستحول النقد إلى مدونة عاجزة عن الخروج بالجديد واللهاث وراء المكرور جدلا واتفاقا.

 

*سيبقى الكتاب الورقي حاضرًا رغمًا عن التقنية

فرقد: في زمن التطور والتسارع والثورة التقنية .. هل لازال للكتاب الورقي ذاك البريق وتلك الرائحة وذلك الإحساس المتبادل بينه وبين القارئ ؟

رانية العرضاوي:

نعم، سيبقى للكتاب الورقي حضوره، وبهاؤه مهما تغيرت التقنية وزاحمته، فالشعور الذي يبثه في قارئه لا يمكن أن يقوم مقامه المنتج التقني، إنها علاقة وجودية بدأت بنقش الإنسان على جدران الكهف وغصن الشجر معلنا تدوينه الحرف الملموس بكافة الحواس، وهو ما لا يوفره الكتاب التقني حتى الآن.

 

فرقد: قلت في أحد اللقاءات معك بأن الأمير الشاعر خالد الفيصل قال عنك (أنت كنت مختلفة) حدثينا عن سر هذه المقولة وعن مدى تأثيرها عليك ؟

رانية العرضاوي:

كانت عبارة سموه بالنسبة لي توقيعًا بالتفوق، ولازلت كلما تذكرتها شعرت بسرور عميق، فالفيصل قدوة في خلقه ومبادئه وخدمته للغة العربية، وهو حفظه الله الأديب الشاعر الأريب، والكلمة منه تعني الكثير.

 

كلمة لقراء فرقد:

في آخر الحوار، أتقدم بجزيل الشكر لفرقد على إتاحة هذه الفرصة لي، وجدية طرحها وعمقه، وفي تشوّف دائم لمزيد من إنجازاتها ومساهمتها في المشهد الثقافي السعودي والعربي..