الأكثر مشاهدة

إعداد_أحلام شعبان استكمالًا لقضيتنا في العدد السابق (114) التي تحمل عنوان “ …

السرقات الثقافية التقنية.. جرائم أدبية وانتهاكات فكرية 2-2

منذ سنة واحدة

875

0

إعداد_أحلام شعبان

استكمالًا لقضيتنا في العدد السابق (114) التي تحمل عنوان “السرقات الثقافية التقنية.. جرائم أدبية وانتهاكات فكرية” نستعرض معكم بقية آراء المشاركين، بناءً على المحاور التالية:

أدى انتشار التقنية وساحات التواصل الاجتماعي المفتوحة إلى نشوء سرقات أدبية بشكل متجدد تحت رداء التقنية، وسط الاعتماد على تجاهل رقابة ومتابعة المؤلفين وأصحاب حقوق الملكية الفكرية لأفكارهم ونصوصهم وإنتاجهم الذي تعرض للسطو والسرقة وتم نسبه إلى آخرين؛ ما أسهم في ارتفاع تلك الحالات ووصولها إلى حد الظاهرة. 

فرقد سلطت الضوء على القضية من خلال طرح المحاور التالية، على نخبة من المثقفين وأصحاب الرأي :

– ما أبرز وجوه السطو الأدبي على أفكار ونصوص الآخرين وما في نظركم أسباب انتشار هذه الظاهرة؟

– كيف تتم مقاضاة لصوص الأدب وكيف يحمي المؤلف إنتاجه من السرقة؟

– ما المقترحات التي ترون أنها ستسهم في تخفيض معدل هذه السرقات ورفع مستوى التثقيف حول أضرارها؟

*حب الشهرة وسرعة الوصول  محفز للسرقات

تفتتح حوارنا حول القضية  الشاعرة زينب عقيل بقولها: أولًا: تُعرّف لجنة أخلاقيّات النّشر (COPE) السّرقة الأدبيّة على النّحو التّالي: “عندما يقدّم شخص ما عمل الآخرين (البيانات أو الكلمات أو النّظريّات) كما لو كانت خاصّة بهم ومن دون الاعتراف المناسب، وهناك انتحال مقصودٌ وعن وعي بما يفعله هذا الكاتب أو المنتحل صفة الكتابة، أو عن جهل وعن غير قصدٍ، وهنا نؤكّد أنّه من ضمن أسباب السّرقات الأدبيّة جهل الكاتب أو الباحث أو الشّاعر بالكتابة وأصولها، ولكي يتجنّب الأديب السّرقات الأدبيّة كان عليه معرفة أوجهها، منها:

– الانتحال المباشر مع الاقتباس/ المرجع. 

– الانتحال الذّاتي. 

– السّرقة الأدبيّة من مصدرٍ واحد.

– الانتحال متعدّد المصادر.

– الانتحال المخلوط. 

– الانتحال بالجملة أو الجزئيّ للأفكار.

– العمل غير الأصليّ كما الانتحال.

وقد أوردت قبل قليل سببًا من أسباب السّرقات الأدبيّة، وهنا أضيف لأقول أنّ عامل الرّغبة بالشّهرة والوصول من دون أي تعبٍ أو مجهود هو سبب آخر يدفع بشباب اليوم للسّرقات الأدبيّة، كذلك عامل الغيرة له الدور الكبير إلى جانب انتشار وسائل التواصل الاجتماعيّ وشيوعها بشكلٍ كبيرٍ يُشجّع البعض  إلى السّرقة وأحيانًا قد تكون عن غير قصد.

وأكرّر بأن هناك أسبابًا  أخرى ربّما لم نأت على ذكرها، لكن لا شكّ أنّها لعبت وتلعب دورًا بارزًا في التّأسيس للسّرقات الأدبيّة. 

ثانيًا: يُمكن للشّخص الّذي تعرّض للسّرقة الأدبيّة أن يلجأ إلى عدّة أساليب لمقاضاة الشخص الّذي ينسب إنجازه إليه، كأن يتوجّه أوّلًا لجمع الأدلّة الّتي تُثبت ملكيّته للعمل الأدبيّ، ويُمكنه قبل أن يتوجّه إلى القانون أن يتواصل مع السّارق، حيث يمكن أن يتوصّلا إلى اتّفاقٍ يحفظان من خلاله الحقوق للاثنين. وإن لم ينفع التّفاوض والتّشاور عندها يحقّ للشّخص الذي تعرّض للسّرقة أن يلجأ إلى القانون ليأخذه حقّه.

وأودّ أن أشير إلى الخطوات الّتي تساعد الأديب على حفظ أعماله ووقايتها من السّرقة، منها تطوير أسلوبه الخاصّ في الكتابة، وحين ينتهي من كتابةٍ ما، عليه أن يقوم بتشغيلها من خلال مدقق الانتحال عبر الإنترنت، كذلك كي لا نقع نحن بالسّرقات الأدبيّة علينا أن نضع المصادر الّتي استعنّا بها، ونستخدم الاقتباسات واللّجوء إلى الصّياغة الخاصّة بنا. 

ثالثًا: بشكلٍ عامٍ أنا أقترح أن يكوّن القارئ ذائقة لغويّة تساعده في تمييز الأسلوب الخاصّ بالكتّاب، وذلك يأتي من خلال القراءات الدّائمة، وكذلك متابعة كل ما هو جديد على صعيد الأدب والأبحاث… ويمكن أيضًا استخدام تطبيقات الكشف عن السّرقة الأدبيّة.

*التوعية والقوانين الردعية تحد من السرقة

تؤكد الروائية ريم محمد الجهني أن من أبرز وجوه السطو والسرقات الأدبية استخدام أفكار وأراء الآخرين وإبداعاتهم عن قصد أو عن غير قصد دون الإشارة إليهم. وهي بالطبع ممارسة غير أخلاقية وغير مقبولة.

– وتكون بعدة طرق منها النسخ المباشر:
أخذ نصوص أو أجزاء كاملة من أعمال الآخرين بدون تعديل أو إشارة إلى المصدر.

إعادة الصياغة دون الإشارة للمصدر: وتكون باستخدام فكرة أو نصوص معاد صياغتها، لكن دون إعطاء أي تقدير لصاحب العمل الأصلي.

الانتحال الجزئي: وهو عبارة عن خلط نصوص من مصادر متعددة دون الكشف عن المصادر الأصلية، ما يجعل النص يبدو وكأنه جديد.

النشر باسم آخر: عندما يُنشر نص لشخص معين تحت اسم شخص آخر بهدف تحقيق الشهرة أو الربح.

الاستحواذ على الأفكار: سرقة الأفكار من مقالات أو مشاريع بحثية واستخدامها في أعمال أخرى دون إذن.

ومن أسباب انتشار هذه الظاهرة عدم فهم وإلمام لحقيقة السرقات الأدبية، فيعتقد البعض أن ما تم نشره في العام يعتبر ملكية مشتركة وللجميع الحق فيه.

وهذه الفكرة المغلوطة تحتاج إلى تكثيف في التوعية بها والتعريف بما يمكن عمله للابتعاد عن الوقوع في فخ السرقات الأدبية، وحتى لا تحدث تداعيات غير جيدة بسبب هذا الفعل المشين من إضرار بالسمعة وتضييع الأمانة والتعرض للعقوبات القانونية. 

أيضًا تؤدي هذه السرقات الفكرية إلى الحد من تطوير مهارات الكتابة الأساسية والتفكير، فالشخص الذي يعتمد على مجهودات غيره لا يطور مهاراته الخاصة بل يُسيء لنفسه.

بالنسبة لمقاضاة لصوص الأدب يفيدك به المحامين وأهل القانون.

أما لحماية المؤلف إنتاجه من السرقة قبل نشرها يقوم  باستخراج  الفسح الخاص بها يحفظ به حقوقه الملكية والفكرية لما كتبه من نصوص، إذا كان ينشرها رقميًا يستطع حفظها عن طريق بعض المنصات التقنية، توجد كثير من المقترحات التي أرى أنها ستسهم في تخفيض معدل هذه السرقات ورفع مستوى التثقيف حول أضرارها. 

أولًا- أن يكون الفرد قدوة حسنة واقترح على الشخصيات العامة والمؤثرين تبني مواقف واضحة ضد السرقات الأدبية.

ثانيًا- تسليط الضوء على الأضرار والإشارة إليها، وذلك بتوضيح كيف تؤثر هذه السرقات سلبًا على مصداقية الفرد والإبداع المجتمعي.

ثالثًا- تقديم جوائز تحفيزية. وتقديم جوائز ومسابقات للأعمال الأصلية بهدف تشجيع الكتَّاب على الإبداع.

وأخيرًا- توفر منصات للنشر مجانية.

إنشاء منصات رقمية تسهل للكتاب والمبدعين نشر أعمالهم مع ضمان حقوقهم.

ولا بد أن تكون هناك توعية إعلامية من أجل التحذير بمخاطر هذه السرقات، وتوعية الكتّاب بتوثيق الملكية الفكرية لحفظ ما قام بتقديمه، وأن يسن قانون صارم لردع كل من تسول له نفسه القيام بالسرقة الأدبية عن عمد حتى لا تتفاقم هذه الظاهرة السلبية.

*انتهاك الحقوق طعنة في قلب القيم

وتجيب الفنانة التشكيلية سلوى الأنصاري سفيرة هيئة الأدب بتبوك على محاور القضية بقولها:

إن السطو الأدبي أشبه بسرقة ضوء شمعة أضاءت عتمة الليل، ليس فقط بحرمان صاحبها من نوره، بل بتقديمه كضوء زائف يخلو من دفء الإبداع الحقيقي. هذه الظاهرة لا تقتصر على انتهاك حقوق الملكية الفكرية، بل تمتد لتكون طعنة في قلب القيم الأخلاقية التي يقوم عليها الأدب، فمن أبرز وجوه السطو الأدبي على افكار ونصوص الآخرين:

نسخ النصوص الأدبية: وذلك باستغلال نصوص الكتّاب الناشئين المتميزين واقتباسها دون الإشارة إلى أصحابها.

التلاعب بالأفكار: ويظهر بوضوح في استغلال مقولات شائعة مثل “الأفكار ملقاة على قارعة الطريق”، حيث يتم نقل موضوع أو عمل أدبي وإعادة صياغته بأسلوب مختلف مع طمس المصدر الأصلي وإخفاء جذوره.

الاقتباس دون توثيق: باستخدام عبارات أو جمل مميزة دون الإشارة إلى الكاتب أو العمل الأصلي.

السرقة بدهاء: ويكون باستغلال أعمال غير معروفة من كتّاب مغمورين أو من دول أخرى، وتضمينها في أعمال جديدة دون الاعتراف بمصدرها.

ومن أسباب انتشار هذه الظاهرة:

١/ ضعف الوعي بأهمية حقوق الملكية الفكرية.

٢/ السعي وراء الشهرة السريعة على حساب النزاهة الأدبية.

٣/ غياب احترام حقوق الملكية الفكرية وعدم إدراك تبعات السطو.

٤/ تساهل الكتّاب في نشر نصوصهم عبر وسائل التواصل، دون اتخاذ إجراءات توثيقية لحمايتها.

٥/ التهاون في تقليد الآخرين تحت ستار المحاكاة أو الاقتباس.

٦/ قلة المتابعة القانونية، خاصة من الكتّاب المبتدئين، عند تعرضهم للسطو الأدبي.

٧/ التكنولوجيا الحديثة التي سهّلت الوصول إلى النصوص دون رقابة كافية.

 بخصوص مقاضاة لصوص الأدب؛ من وجهة نظري، يتوجب بدايةً التواصل المباشر مع من أقدم على نسب العمل الأدبي لنفسه بغير وجه حق، وذلك بطلب صريح للتوقف عن استخدام النص أو الفكرة المسروقة، وإعادة الحق إلى أصحابه. فإن لم تجد هذه المحاولة صدىً أو تجاوبًا، يصبح اللجوء إلى القضاء أمرًا لا بد منه، عبر رفع دعوى قضائية أمام المحاكم المختصة بتهمة انتهاك حقوق الملكية الفكرية، لضمان استرداد الحقوق وحماية الجهد الأدبي من العبث والاستهانة.

أما حماية المؤلف لإنتاجه الأدبي فتبدأ بخطوة أساسية تتمثل في توثيق العمل قانونيًا عبر تسجيل النصوص لدى الجهات الرسمية المختصة، ما يكفل صون حقوقه وحمايتها من أي اعتداء. ويُستحسن أن يُبادر المؤلف بنشر أعماله من خلال دور نشر معروفة أو منصات موثوقة، لضمان تثبيتها بتاريخ محدد يُثبت أحقيته بها.

كما ينبغي أن تُرفق إشعارات حقوق الطبع بالنصوص، مع استخدام عبارات مثل “جميع الحقوق محفوظة”. وإلى جانب ذلك، يُعد التعاون مع وكيل أدبي خطوة مهمة في المشورة والتوجيه، إضافة إلى الاستعانة بمحامٍ مختص لضمان اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة التي تحمي حقوقه الفكرية وتصون جهده الإبداعي من أي انتهاك.

من أهم المقترحات التي ستسهم في خفض هذه السرقات، أرى أن مواجهة السطو الأدبي تتطلب تنظيم ورش توعوية لتعريف الكتّاب بحقوقهم، ودورات تسلط الضوء على البعد الأخلاقي في الكتابة، مع تشديد العقوبات على التعدي الفكري. كما أقترح إنشاء منصات رقمية آمنة لتوثيق الأعمال، وتكثيف المسابقات الأدبية التي تشجع الإبداع الأصيل وتبرز الأفكار المبتكرة، بما يضمن حماية القيم الإبداعية والارتقاء بالأدب.

وفي ختام هذه القضية، أجد قلمي يتوقف لبرهة، كأنه يلتقط أنفاسه بعد أن ركض كثيرًا في طرقات الأدب.

إن الحديث عن الأدب وقضاياه يترك في الروح أثرًا يشبه قطرات من الندى على زهرة تنتظر انفاس الصباح، لتستقبل الابداع  حصنًا  منيعًا أمام كل محاولات السطو والاندثار.

أغادر هذه الأسطر  الحانية  التي احتفت بالأدب وأكرمت الفكر، تاركةً  صوت الامتنان يبقى حاضرًا، يتردد بين السطور.

*مقاضاة السارق حماية للأدب والأديب

ويبدي الأستاذ طارق المالكي عضو نادي وسم الثقافي رأيه حول القضية المطروحة، بقوله: 

سوف أتحدث عن أبرز جانب من جوانب السطو في نظري، وهو السطو على الأقاويل البليغة ونسبتها إلى غير قائليها في منصات التواصل الاجتماعي، أو حتى دون وضع المقولة بين علامتي تنصيص حتى تظهر أنها مقتبسة، فكأن ناقلها يلمّح، في هذه الحالة، بأنه قائلها!

وإذا الشيء بالشيء يُذكَر، فإني أجزم أن كثير من الأقاويل التي تنسب إلى غازي القصيبي هو بريءٌ منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب! لأنها لم ترد في أي مؤلف من مؤلفاته، ولا يثبت ناقلها متى قال القصيبي المقولة وأين، إضافة إلى أن فكر المقولة ونسجها ليست من بنات أفكار القصيبي، ويعرف ذلك جيدًا من غاص في بحر القصيبي. على سبيل المثال، قرأت مرة مقولة منسوبة إليه مفادها أن المملكة لو استثمرت أموالها في أرضها، لأصبحت أعمدة الإنارة من ذهب! ما هذا الهراء؟! وكيف يقول مثل هذا رائد من وراد التنمية الصناعية في بلادنا؟!

إن من يسطو على الأقاويل البليغة وينسبها إلى غير قائليها، يكون هدفه الأول جمع أكبر عدد ممكن من المتابعين في المنصة الافتراضية التي يحتويها حسابه. وبعد أن يحقق هدفه يبدأ في تحويل الحساب من حساب ثقافي إلى حساب إعلاني! لذا لا أندهش عندما أرى حساب لمحمود درويش يعلن عن حذاء، أو حساب لنجيب محفوظ يعلن عن بطاقة ائتمانية!

وإذا أتينا إلى حلول لمعالجة هذه الظاهرة، فإن أول خطوة لحماية أدب الأديب من العبث والسرقة، هو أن يقاضي الأديب بنفسه أو ورثته من بعده السارقين الذين أنشأوا حسابات باسمه ليقوّلوه ما لم يقل.

وثاني خطوة، هو نشر ثقافة الملكية الفكرية عبر المقاطع المرئية من الجهات الحكومية، فإن هذا يسهم في حفظ الحقوق لأصحابها، ويحذر من السطو عليها أو العبث بها حتى لو كانت حقوقًا معنوية.

*السرقات ظاهرة تؤرق المبدعين 

ويرى الكاتب المصري الأستاذ حجاج سلامة أن منصات التواصل داعمة للسطو الأدبي، بقوله:

باعتقادي أن سطوة مواقع التواصل الاجتماعي، وانتشار منصات النشر الرقمي، وغير ذلك من مظاهر التكنولوجيا، ساعد في ذيوع تلك السرقات التي باتت تقترب من أن تكون ظاهرة عامة تؤرق كل مُبدع أصيل.

إن السطو الأدبي يعود شيوعه إلى أسباب كثيرة، فبجانب سطوة مواقع التواصل الاجتماعي، وحرص المُبدعين على التواجد في هذا الفضاء الواسع، وكثرة المنصات المتخصصة في النشر الرقمي، وذهاب كثير من القراء إلى عالم الإنترنت لإشباع رغبة القراءة لديهم، هناك أسباب تتعلّق بالوسط الأدبي، منها عدم وجود آلية تحمي المُبدعين من المُبدعين المُزيفين الذين يقبلون على أنفسهم سرقة نصوص وأفكار غيرهم، وغياب الدور الرقابي للمؤسسات ذات الصلة بهذا الأمر.

والحاجة ملحة الآن لتكاتف الجميع من مؤسسات وأفراد لتصدي لمثل تلك الظواهر وكشف المتورطين فيها ونشر قوائم بأسمائهم كنوع من الردع لهم ولمن يفكرون في السير على نهجهم.. وفي الختام أُؤكد على أهمية تكاتف المبدعين فيما بينهم للتصدي لتلك الظاهرة، وحتمية فرض عقوبات على المواقع التي تنشر لهؤلاء المُبدعين المُزيفين ولو بنشر الدعوات لمقاطعتها من قبل المُبدعين وجُموع المُثقفين.

*السعودية أدرجت الملكية في مناهجها وجرمت الاعتداء عليها

ويعلق الأستاذ علي بن أحمد الزبيدي، عضو هيئة الإعلام المرئي والمسموع، واتحاد القيصر للآداب والفنون، على محاور القضية بقوله:

تعد ظاهرة السرقات الثقافية التقنية امتدادًا للسرقات الأدبية التي كانت تحدث في الماضي بين الأدباء والمثقفين وتتشارك معها في السبب والنتيجة، فالمتأمل لهذه الظاهرة يجد أنّها لم تختلف عن سابقتها سوى بالطريقة فسابقاً كانت السرقات تحدث من خلال النسخ والكتابة وأحياناً المشافهة كقصة ذلك الشاعر الذي قتل منافسه وجمع بين السرقة والقتل، وأما السرقة في عصرنا الحاضر فقد أصبحت الآن تحدث من خلال النسخ واللصق والنشر الإلكتروني .

وقبل الحديث عن هذه الظاهرة يجب التعريف بها وهي ( استخدام أفكار الآخرين وآرائهم وإبداعاتهم، عن قصد أو غير قصد، وعدم الإشارة إلى أصحابها الأصليين ونسبتها للشخص الذي استخدمها وعدم مراعاة الحقوق الفكرية والشروط الخاصة بالاقتباس )

إنّ السرقة الثقافية لم تعد محصورة في سرقة الفكرة بل تعدى ذلك لتصل إلى سرقة المفردات والألفاظ دون تغيير، أو سرقة الأسلوب حتى أنّ البعض يلبس ثوباً ليس ثوبه رغم قناعته بعدم مناسبته له، وهذا الأمر يضعف المحتوى العربي ويجعله مكروراً، كما أنّه يحبط المبدع وقد يشهر المقلد فترة من الزمن ثمّ ينكشف أمام الملأ متلبسا بفعلته الشنيعة ومما ساهم في انتشار السرقات الأدبية هذه الثورة المعلوماتية والتقنية مع وجود المتلقفين لكل جديد دون محاولة لمعرفة مصدر المعلومة وصاحب المعلومة، وقد يكون من أسباب السرقات الكسل الذي يقود الكاتب لنسخ المعلومات دون تغييرها ودون ذكر المصدر، وضعف الأمانة العلمية يعد سبباً من أسباب انتشار السرقات .

لقد فطن الأوائل لضرر هذه السرقات فانبرى الغيورون من الرواة والنسّاخون لحفظ الحقوق الفكرية والأدبية لصاحب الإبداع كما فعل ابن طيفور في كتاب ( سرقات الشعراء ) بين البحتري وأبي تمام وكذلك ( السرقات ) لابن المعتز وغيرها من الكتب التي كان لها الأثر العظيم في حفظ حقوق الأدباء والمثقفين قبل أن تظهر حماية الحقوق الفكرية، ولعل السرقات تنحصر في …

وحتى نتجنب السرقات الأدبية يجب علينا نشر التوعية في أبنائنا الطلاب وبناتنا الطالبات منذ الصغر على خطورة السرقات على صاحب الفكرة وعلى من سرقها كما يجب علينا أن نبيّن لهم الطرق التي تجعلهم يقعون في  السرقات الأدبية والحذر منها،  ويجب علينا أن ندرّبهم على أساليب كتابة البحث العلمي وقواعده ، وعلينا أنّ نوضّح لهم حقوق النشر، وكيفية استخدام الاقتباس وحدوده، ومتى نحتاج أن نسند إلى المصدر؟ كمّا أنّ تفعيل القوانين المجرّمة للسرقات سيحدّ منها،  كما أنّ هناك أدوات تستخدم لكشف السرقات الأدبية والثقافية من شأنها الحدّ من السرقات لعلّ أشهرها :  

1. بليجيارزما

2. بلاغتراكر

3. دوبليشاكر

4. كوبي سكايب

5. موقع فايبر

6. بعض مواقع البحث التي تساهم في كشف النصوص كموقع جوجل .

ومن نافلة القول أنّ للمملكة العربية السعودية تجرِبة فريدة من خلال تدريس حقوق الملكية الفكرية في مناهجها التعليمية، كما جرّمت التعدي على حقوق الملكية الفكرية ووضعت القوانين الصارمة لمثل هذه التصرفات، وأنشأت هيئة تعنى بالملكية الفكرية، وهذه الجهود تسهم في الحدّ من هذه الظاهرة .

وفي الختام يجب علينا كقراء ونقّاد أن نكون سداً منيعاً أمام بعض المحاولات الساعية إلى الشهرة عن طريق السرقات  والوقوف مع صاحب النصّ الأصلي ولنعلم أنّ هذا الأمر سيكون له مردود كبير في إيقاف هذه العبثيات كما فعل الأوائل حين كانوا يفضحون السارق ويعدونه كسارق المال وهو كذلك

*السطو الأدبي متزامن مع ظهور الإبداع 

وللشاعر والروائي الحسن الكامح من المغرب، وجهة نظره الخاصة حول القضية المطروحة، حيث قال:

منذ أن ظهر الإبداع بصفة عامة بداية من الحضارات القديمة، ظهر من بعد السرقات الإبداعية، عن قصد أو دون قصد، لكن مع تقنين الأدب من خلال نشر الإبداعات بصفة عامة أو النصوص الأدبية بصفة خاصة، من خلال الكتب والمجلات والجرائد، واللقاءات الأدبية، انتشرت عملية السرقات الأدبية، قد تكون دون قصد حين يقوم الكاتب باقتباس أفكار أو عبارات دون الوعي أو المعرفة بالمصدر الأساسي، وتكون عن قصد لما تكون له المعرفة التامة بالمصدر الأساسي، بنقل أعمال أو أفكار أو نصوص لشخص آخر وينسبها لنفسه، كأنه هو صاحب الفكرة أو العبارة، وهذا شيء خطير جدًا؛ لأنه يضرب في العمق الأدبي بصفة عامة ويدخلنا في شك مما نقرأ.

ومن أبرز وجوه السطو الأدبي:

أولًا: نسخ نصوص كاملة أو فقرة من مصدر معين بعملية نسخ ولصق دون إجراء أي تغيير خفيف على النص الأصلي مع عدم ذكره، وهذه الظاهرة انتشرت مؤخرًا في أوساط الطلبة الجامعيين، وبعض المبتدئين في كتابة النصوص الأولى. ولا يدركون أهمية الإشارة إلى المصادر رغبة منهم في تحقيق نتائج سريعة، كذلك لعدم القدرة على إعادة صياغة الأفكار أو كتابة نصوص جديدة.

ثانيًا: القيام بتغيير أو تعديل نص ما أو أخذ أفكار من مصدر ما، مع الاحتفاظ بالعمق الأساسي للمحتوى دون الإعلان عن المصدر، وهذه السرقة منتشرة بين الأدباء الذين يرفضون أن يشيروا إلى المصادر الأساسية.

ثالثًا: استغلال أفكار أو نصوص معروفة وإعادة صياغتها، لكن دون توضيح المصدر. وهذه السرقة منتشرة بدرجة كبيرة، لأن هناك من يعجب مثلًا بقصيدة ما أو نص ما أو فكرة ما، فتسكنه ولا يستطيع أن يتخلص منها، فيعيد صياغتها بطريقة أخرى، ظانًا أن الفكرة له، لكنها في الأصل لمبدع آخر.

مع الأسف لم ينج من السرقات الأدبية كبار الكتاب ولا المبتدئين، فكم من رواية سرقت أفكارها أو شخصياتها وأعيدت كتابتها بطريقة أخرى، وكم نصوص أو مقاطع شعرية استعملت في نصوص أخرى دون الإشارة إليها، وحتى القرآن الكريم لم يسلم من ذلك، فالكثير من الأدباء يكتبون آيات قرآنية دون الإشارة إلى أنها من القرآن.

وعالميًا لم ينج كبار الكتاب من هذا السطو الأدبي، ولا أحب أن أضرب أمثلة لكتاب ومبدعين وفنانين، لكن من الصعب ردع هذا العمل الشنيع الذي يمس الأدب والإبداع في عمقه. ومع انتشار البحث عبر الإنترنيت صار العمل عاديًا جدًا، وأكثر من ذلك يأخذ المقال بكامله لتغطية معينة وحذف اسم الكاتب وكتابة اسم آخر.

تتم مقاضاة لصوص الأدب بالإبلاغ عنهم في الأوساط الأدبية، كي يعرفوا أولًا ثم ليأخذ الحذر منهم، كنا من قبل نظن أننا حين ننشر كتابًا نأمنه، لكن مع الأسف اتضح لنا أن ذلك لا ينفع في شيء فيكفي كم من ديوان يحمل العنوان نفسه وكم من رواية كذلك، ففي المغرب مثلًا هناك ظهير شريف بتنفيذ القانون رقم (25.19) المتعلق بالمكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة. لكن عليك أن تسجل كل ما تكتب في هذا المكتب، ومع الأسف العملية ليست سهلة، فغياب العقوبات الرادعة بوجود آليات صارمة لمكافحة السرقات الأدبية، فمن الصعب الحد من السرقات الأدبية.

*التدوين والتوثيق حسب المعايير يحد من الظاهرة

وتشاركنا الرأي الفنانة التشكيلية الاستاذة فاطمة الشريف، مستشارة لقسم الفنون البصرية في مجلة فرقد الإبداعية:

علمنا في السابق أن الضلال والانحراف عن الحق كان وراءه أفراد احترفوا تزييف الحقائق  ونشر الافتراءات،  وبالأمس القريب نسمع عن السرقات الثقافية والأدبية من أرباب الشهرة والشغف غير الموجه والظهور الكاذب، ولنا اليوم نضيف كلمة السرقات التقنية وأدوات الذكاء الاصطناعي من أصحاب الهوس الفكري وأنصار الإبداع الزائف، وخلف ذلك نية واحدة إظهار أمر وإخفاء آخر وبينهما سلسلة من الإجراءات سُكت عنها؛ ليكن المشهد النهائي في هذه السيناريوهات المتعاقبة على مسرح الفعل الكتابي والتدوين أقوى وجودًا وتنوعًا في العصر الحديث، فنرى من مشاهد السطو التنوع والتعدد ما يجعلك تقف في حيرة بين صدق المحتوى، ونزاهة الصانع له، وباثولوجية المعرفة، وقيمة المعلومة، وأهمية النشر للتثقيف، وبث الإيجابية، انتقالًا إلى عمليات أكثر تعقيدًا من المخرجات لعملية الفعل الكتابي ذاتها من حيث دراسة دوافع كتابة النص، وتحليل شخصية الكاتب، وأهداف الجهة الراعية لقلمه، وقياس مخرجات ذلك الفعل على القارئ والمستفيد، بالفعل كأننا أمام دراما معقدة يختفي خلفها فريق كامل من الممثلين والمخرجين والمنتجين، بل يدخل في ضمنهم بعض المؤسسات والمنظمات الربحية وغير الربحية بوعي أو دون وعي؛ إنه سيناريو حديث معاصر يعكس روح العصر الذي نعيشه، ويوافق رغبات فئات المجتمع.

ولنتذكر أن المشهد الأنقى ذا الأثر هو الذي يفرض نفسه معلنًا ضعف بعض المشاهد أو سقوط أخرى، فالمشهد الصحيح حتى ينتشر ويذيع فكره يحتاج لجهد ووقت ومثابرة وتحرٍ وتدقيق وتوثيق مستمر.

إن جودة  التعامل مع أدوات المعرفة، والتوظيف الأمثل لمواردها، من حيث الوعي والحضور الذهني لفعل الكتابة ذاتها، ووضوح أفكار الكاتب وما تم اقتباسه بنزاهة وأمانة، مع مناسبة الأسلوب الذي يُكتب به المنتج الكتابي بغض النظر عن نوعه؛ هو الموجه الحقيقي لما هو جيد ومفيد وموثوق بين يدي القراء.

هنا يكمن الحل والحد من الظاهرة إذا ما تم التوجيه إلى مبدأين هما: التدوين والتوثيق وفق أخلاقيات ومعايير كل جنس أدبي وثقافي، والتفاهم المشترك بين المدوّن أو صانع المحتوى وجميع الجهات التي يكتب لها، باعتبار المبدأ الأول الأداة الحقيقية للتغيير والتطور المستمر لفعل الكتابة بشكل عام، والمبدأ الثاني أحد أهم الحلول لمشكلة ما، أما عن ردة الفعل حيال هذه المشاهد المتعددة المتنوعة؛ الدعوة المتجددة نحو كتابة وتدوين نزيه، وصولًا إلى إنتاج إبداعي رصين يقوم على التصنيف لفعل الكتابة ذاتها، وذلك  بتعزيز نشر المصادر الصحيحة، والدوريات الموثوقة، والنشر لمنصات ومواقع أرباب الفكر والأقلام الجادة، والدعم والإشارة للإنتاج  الأدبي المميز، مع أهمية فتح أبواب المعرفة الموجه والمباشرة؛ مثل مراكز البحث والتدريب، وتفعيل دور المكتبات والمراكز الثقافية، وجمعيات رعاية الفكر والسلوك؛ لاحتضان الفكر والأقلام الشابة واليانعة، ورعايتها وفق منهجية علمية.

وفي اعتقادي أن ذلك ممكن ميسر في وقتنا الراهن ومع تطلعات رؤية 2030، ومع حرص الجهات المختصة في وزارة الثقافة لإقامة المسابقات والإقامات الفنية والدورات المتخصصة، والنشر والتثقيف الدائم لتعليمات وضوابط الكتابة الموثوقة والرصينة؛ مايساعد في التوعية والتثقيف للأقلام الشغوفة وصناع المحتوى المفيد، بل إنه فتح أبوابًا وفرصًا جديدة للعمل والإبداع في ضوء الانفتاح العالمي على الفنون بأنواعها الأدبية والفنية والأدائية، التي تحتاج حقًا لبعث جديد ممنهج، وأقلام منتعشة جادة تقود دفة التجديد والتدوين والاستثمار لهذه الفنون، والأخذ بها وإنتاجها الإنساني إلى مصاف العالمية.

*السرقات تحد من تطوير المهارات  الكتابية

ونختتم حوارنا في قضيتنا المطروحة مع الأستاذة أمل عيسى مؤلفة سعودية، بقولها:

إن من أبرز وجوه السطو والسرقات الأدبية هي؛ استخدام أفكار وآراء الآخرين وإبداعاتهم عن قصد أو عن غير قصد دون الإشارة إليهم. وهي بالطبع ممارسة غير أخلاقية وغير مقبولة.

ومن أسباب انتشار هذه الظاهرة عدم فهم وإلمام لحقيقة السرقات الأدبية، فيعتقد البعض أن ما تم نشره في العام يعتبر ملكية مشتركة وللجميع الحق فيه.

وهذه الفكرة المغلوطة تحتاج إلى تكثيف في التوعية بها والتعريف، بما يمكن عمله للابتعاد عن الوقوع في فخ السرقات الأدبية، وحتى لا تحدث تداعيات غير جيدة بسبب هذا الفعل المشين من إضرار بالسمعة وتضييع الأمانة والتعرض للعقوبات القانونية.

أيضًا تؤدي هذه السرقات الفكرية إلى الحد من تطوير مهارات الكتابة الأساسية والتفكير، فالشخص الذي يعتمد على مجهودات غيره لا يطور مهاراته الخاصة بل يسيء لنفسه.

لذلك إتقان فن تجنب السرقات الأدبية هو أمر ضروري وواجب على كل شخص من باب الأمانة الأدبية والأخلاقية.

وهناك استراتيجيات تساعد في ذلك؛ على سبيل المثال (فهم المصادر والإلمام بها – الاستشهاد بشكل واضح وصحيح – إعادة الصياغة بحرفية وأمانة وتكون بكلماته وآرائه الخاصة – وضع علامات اقتباس والإشارة إلى المصدر، وغيرها من الأمور التي تجنب الشخص الوقوع في ظاهرة السرقات الأدبية.

ولا بد أن تكون هناك توعية إعلامية من أجل التحذير بمخاطر هذه السرقات، وتوعية الكتّاب بتوثيق الملكية الفكرية؛ لحفظ ما قام بتقديمه، وأن يسن قانون صارم لردع كل من تسول له نفسه القيام بالسرقة الأدبية عن عمد، حتى لا تتفاقم هذه الظاهرة السلبية.

 

الكلمات المفتاحية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود