مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

أحمد فلمبان* إن الشكل في الفن يتألف من صياغة جملة عناصر متعددة، كالألوان والسطوح …

الشكل في الفن

منذ 9 أشهر

207

0

أحمد فلمبان*

إن الشكل في الفن يتألف من صياغة جملة عناصر متعددة، كالألوان والسطوح والخطوط، وتنظيمها بتراكيب معينة، إلا أن الفنان بصفته كائنًا اجتماعيًا، يستخدم كل ملكاته العقلية والحسية لدى صياغته لهذه التراكيب، فالعملية إذًا، لا تتم بمعزل عن المجتمع، بل على العكس بارتباطه به، لأن الفنان عندما يعكس مشاعره وإحساساته وأفكاره في هذه التراكيب، إنما يعكس مشاعر وإحساسات وأفكار تلك الفئة الاجتماعية التي يرتبط وإياها بنوع من المشاركة في هذه الإحساسات والمشاعر، ففي الوقت الذي يصوغ فيه الفنان (شكلًا) معينًا، فإنه يعرض (مضمونًا) معينًا، أي أن هناك ارتباطا بين الشكل والمضمون، يشتق خلاله كل منهما كيانه من الآخر بشكل لا يمكن الفصل بينهما، ومن المهم ألا نخلط بين الموضوع والمضمون، لأن هناك خلطًا في هذا الجانب، حيث إن لكل صورة (موضوعًا) إلا أنها تحوي في الوقت ذاته شكلًا ومضمونًا مشتقين من هذا الموضوع.                                                                                 

ويتضح ذلك تمامًا عند قيام عدد من الفنانين برسم موضوع واحد، فينتجون مضامين مختلفة بل متضادة أحيانًا، إذ إن لكل منهم مفاهيمه وفلسفته وموقفه ووجهة نظره الخاصة، إضافة إلى إمكانياته الثقافية وحرفته ومفهومه التقنية، والعوامل المؤثرة في ذلك بظروفها المختلفة، خاصة مع التغيرات في الحياة والتطور الاقتصادي والاجتماعي والفكري، وسهولة وسائل الاتصال الحديثة، إذ تحرضه على خلق مواضيع جديدة، كما يؤدي إلى انبعاث مفاهيم وفلسفات ومواقف جديدة لدى الناس، ومنهم الفنانون، وبديهي، تنبعث منهم في أوضاع مختلفة لضرورة التغيير في الأشكال الفنية القديمة، التي لم تعد ملائمة أو مقبولة لهذا العصر، وعن التناقضات الجديدة والاستعاضة عنها بأشكال للتعبير أكثر ملائمة، ومن هنا نرى الكثير من الفنانين يتجهون الى التعبيرية والتجريدية والسريالية والتكعيبية، وفي تجارب شكلية متنوعة لأنهم -على حد قولهم- يرغبون في التوصل إلى شي (ما) لأن هذا الشعور في الواقع، ليس إلا وجهًا آخر لحقيقة مادية واقعية جديدة، التي أخذ الفنانون في وضعها لأنفسهم والتي تنعكس على التطورات الاقتصادية والفكرية والاجتماعية، التي أخذت شكلًا آخر للتعبير يناسبها، إلا أن التناقض يكمن في وجود علاقات اجتماعية سائدة تتصادم والأوضاع المادية الجديدة التي أوجدتها هذه التطورات، فهناك تخبط وتشتت في هذا المحيط، يؤديان إلى التذبذب في الطرح، والتأرجح من أسلوب لآخر، وللخروج من هذه الضائقة، اتجهوا إلى الفنون العالمية الجاهزة والمعروفة والمحققة لمطالبهم وتوجهاتهم وإمكاناتهم وطموحهم، أعتقد أن هذا ليس بتقليد للغرب، بل هو نتاج للظروف التي ذكرناها كمصادر غنية لعلاج مشاكلهم الفنية الآنية، وكنتيجة حتمية لذلك، لكن هناك بعض المغامرين الذين يؤمنون بأن الفن شغف وليس دراسة، قد يكون ذلك ممكنًا، لكن لنعلم أن هناك فرقًا بين الإبداع وصناعة التصوير، ومن هذا المنحى، وللخروج من ضائقة الفروقات المنهجية والتفاصيل في المستويات، يتجهون إلى الأساليب الرائجة والمعروفة والمستهلكة والسهلة من آثار الفن الإسلامي بنقوشها وريازتها -دون علم أو معرفة- أو التصويرات القليلة المتوارثة في المخطوطات، أو الاقتباس من الكتب والكتالوجات، أو اللجوء إلى المفردات الشعبية التقليدية والبيئة والعادات والزخارف المتنوعة والعمارة القديمة والرواشين، والإبل والفرس والخيمة والدلة، هي في الواقع، ليست تعريفا كافيًا لواقعنا، فواقعنا الفني الآن صعب التحديد، في غياب المعالم الفنية وفقدان التجارب البصرية القديمة، وما أصابها من كبوات وعثرات، وتدمير التصاوير والتماثيل، ما جعل من إنتاجنا الفني الحديث ضعيف الشخصية لدرجة مؤثرة، لأن الفنان المعاصر، تفتحت عيناه ولم يجد أي أثر من الفنون القديمة، ولم يره للتأمل والاقتداء، فكما هو معروف في الفن، أن لكل دولة تقوم على خطوط ضخمة متوارثة من الفنون، (مثلًا) الأعمال المصرية، تشعر من الوهلة الأولى دون عنونتها، أنها مصرية، المستقاة من الأثار الفرعونية، أيضًا اليابانية والصينية والهندية والسودانية، والعراقية، تجد فيها الحس المجتمعي ونكهة الأرض وعبق البيئة المرتبطة بها، لكن في أعمال الفنانين، نجد كرنفالا ما هب ودب، ومن كل بحر قطرة، مجرد تقليد واقتباس من أعمال السابقين اللاحقين، ومن المؤسف أن حياتنا التشكيلية، ابتليت بالمغامرين، بما يمكن أن نسميه (الفوضى الممنهجة) اهتزت فيها المعايير ودخلنا في حالة من شعوذة المصطلحات وجهل في المفاهيم، وتقليد من اللوحات الجاهزة، فليس هناك أسلوب شخصي للرسام أو مضامين أو قضية يبحث فيها، مجرد الاستعارة والنسخ والاقتباس واختيار المواضيع والأساليب الجاهزة والاستقراءات من الاتجاهات والأنماط السائدة، لا يتصل بشيء من واقعنا وحياتنا وهمومنا، ولا يستمد من البيئة وتاريخها، أو من الشعور الشخصي والاجتماعي للفنان، فمعظم الأعمال الفنية متشابهة، بما فيها التقنيات والصيغ متقاربة مع بعض التعديلات الساذجة، والتغيير في مواقع المفردات، وتكبير وتصغير الأشكال الهندسية وإقحام الزخارف والنقوش المقلدة من أفريقيا وآسيا، وتسميتها بعناوين محلية، لمنحها البعد العالمي، وهذا الوضع يساهم في تدني التشكيل السعودي، ولا يرتقي أبدًا إلى مستوى التطلعات والطموحات، وتجسيد المشهد المعرفي في مجتمعنا للآخرين ومواكبة العالم في هذا المجال، وكنتيجة حتمية لذلك، انعكس هذا التخبط في الفن، إلى مبدأ “الأخذ”.. لكن يظل تقليدنا وتمثيلنا لمختلف التيارات الفكرية والفنية التي اقتبسناها من الغرب، ليس عميقًا وصادقًا، وذلك لاختلاف واقعنا عن واقع الغرب الطبيعي المتقدم، فكل الأساليب والاتجاهات والمدارس الفنية ظهرت في العالم الغربي بما يبررها، لأنها نتاج لأساليب ومدارس فنية سابقة، فمن البديهي، أن هذه الأساليب والاتجاهات، وإن ظهرت، ويمارسها الكثيرون في بلادنا، هي ظاهرة غير طبيعية، لأنها مقلدة وليست من واقعنا الثقافي والاجتماعي، وستستمر هذه الحال مائة عام، وستكتسب مع مرور الوقت بعض الصفات المعينة والشخصية الواضحة في الشكل والمضمون، خاصة أننا والعالم مقبلون على تحولات وتقدم كبير في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية، ولا بد أن يترك هذا التقدم طابعه التأثيري في إنتاج الفنانين، وتحرض الفنان العمل على نوعية متوافقة من الإنتاج الفني وعلى ذوق الجمهور معًا، فيؤثر أحدهما على الآخر، حتى يأخذ الفن شكلًا، أو أشكالًا أصيلة معبرة عن حاجة ذلك الجمهور ومفاهيمه، للوصول إلى طرق تطبيقية وعملية ونتائج رصينة ورؤى متوافقة، تتعلق بصلته بالجمهور، وغير مألوف وغير عادي وغير معروف وغير نمطي، المهم أن يكون فنًا أصيلًا، وليس مقتبسًا أو مرسومًا من (double) أو الاستعانة بــ”معاوض”.

من روائع الفن العالمي. 

الكلمات المفتاحية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود