عبدالعظيم الضامن*
قال بيكاسو ما معناه: (أنا لا أبحث عن عن شيء بعينه على أنه مخبوء، بل أجد ما أحتفظ به، بعد أن أتوصل إليه أثناء العمل نفسه).
الفن هو المشي في الاتجاه المعاكس، وهو القراءة بالمقلوب.
نبيلة البسام..
تطرز العمارة بخيوط الفضة..
مساحات البيضاء مطرزة بالأقمشة الملونة والفضيات الدالة على شاعرية بصرية رمزية، اتخذت من الجدران وعوالمها مساحة للتعبير عن هويتها، ففاضت بشاعريتها تجاه اللون والعمارة والملابس الشعبية التي هي جزء مهم من الهوية الوطنية.
كل هذه المكونات المعمارية في وطننا المملكة العربية السعودية المليئة بالجمال وكل تلك الألوان في الأقمشة والسجاد والأبنية، ما هي إلا انعكاسات طبيعية تولدت لدى الفنانة نبيلة البسام منذ طفولتها حينما كانت في الهند حيث ولدت هناك وتلقت تعليمها حتى الثانوية، وهي في هذه الفترة تعيش وسط الألوان المتعددة البراقة التي تخطف العين.
كبرت وباتت تتنقل من مكان إلى آخر وما زالت تلك الأقمشة الملونة تحملها في ذاكرتها، وتنتعش بجمالها وحيويتها، وحينما عادت لأرض الوطن افتتنت بطبيعتها ومبانيها التراثية وحدائقها، فبدأت قصتها مع اللوحة بشغف الألوان، بدأت تطرز المباني بحس تجريدي، وهي التي شاهدت أعمال كبار الفنانين في العالم في طفولتها وشبابها، حينما تنقلت من الهند إلى لبنان وإلى الولايات المتحدة الأمريكية، وبهذا أصبحت تعي جيدًا أصول الفن وأسراره، حيث إن (أحد الدوافع الأساسية في الفنون جميعًا هو التعبير عن النفس)، والفنانة نبيلة البسام كانت زاهدة في اللون تعبيرًا عن شغفها وحبها للمكان، بتجريدية وابتكار يحسب لها في ذلك الوقت مع بدايات الستينيات الميلادية في توظيفها للأقمشة الملونة والفضيات التي لها قيمة تراثية في مفهوم الرمزية المكانية، وهي ترتبط بتراث المملكة بكل تفاصيله المعمارية، خصوصًا العمارة في جنوب المملكة الملونة والمزخرفة.
لقد (أوجدت الطبيعة أشكال أفضيتها المعمارية في نسيج متآلف من التمثلات والتقاطات، تبعًا لنواميسها وقوانينها المرافقة للزمن، وجد الإنسان نفسه إزاءها تلك الأفضية، تبناها بالعمل عليها، فأنتج فضاءاته تبعًا للحاجة وإملاءات الطبيعة، وتبعًا لما يبني معهما من علاقات تبادلية، فاستنتج أرضية شكلت ملامح إبداعاته، بناءات احترمت تفاصيل الحياة، راعت تقلب الفصول واستوعبت دورات التاريخ، ما زلنا نصغي فيها إلى نبض الأولين.
أفضية أدركت بفطرتها وطيد علاقتها بالأرض والبيئة، عمارة محلية علها الاسم الآخر لهذا التوافق الفطري بين الموجود مواد، والمنشود عمائر، لتكتب عنوان رسوخها على محمل بناءاتها، وتوثق في السجل الحضاري العالمي حضورها تفردًا وفرادة مبنى ومجتمعًا).
د. زينب قندوز غربال.
في مثل هذا المسار الفني يتوجب علينا البحث في هذه التجربة وتلك، عن أسباب التجريب التشكيلي في صيغه المختلفة، وتجربة الفنانة نبيلة ثرية وغنية بما يحرضنا على البحث في أسباب العلاقة بين المادي والفكري والجمالي في صياغة العمل التشكيلي، ولعلي هنا أعول على الفترة الأولى من حياتها في الهند، التي القت بظلالك على المفهوم الفلسفي للفن، والتأمل هو جزء من الحياة العامة في الهند، لذا لم يكن الفن لديها ممكنًا دون تجريب في عدد من الخامات، وباستخدام الأقمشة الملونة، وتطريزها بالفضيات كان فضاءً خصبًا للإبداع، فاستطاعت أن توجد لنفسها مساحة للتعبير عن ذاتها وشخصيتها الساكنة الهادئة، التي استطاعت عبر سنين أن تترجم حبها للعمارة من خلال هذا الأسلوب التجريدي التي تنتمي إليه حتى تجعل من معالجة الموضوعات ذات طابع خاص بها دون غيرها.
والحديث عن العمارة واللون هواجس كثيرة ألهمت الفنانين والمعماريين، (إن العمارة بشكل عام تحقق أغراضًا نفعية لاحتوائها الفضاء اللازم لمأوانا لأنها توجد أطرًا تحيط بحياتنا الخاصة والعامة.
وهذا لا يخرجنا من نطاق الفن وأسس الجمال، فهي تحقق الجانب الجمالي إلى جوار الجانب النفيعي، تمامًا كما في ملابسنا التي نرتديها كي تستر أجسادنا وتحافظ عليها، وفي الوقت نفسه تمتاز بجمال اللون وحسن الإخراج الفني، فالعمارة عمل فني شأنه شأن الشعر والتصوير الموسيقى والنحت، ولقد صنفت العمارة ضمن الفنون التشكيلية منذ أزمنة بعيدة لاهتمامها بالجمال.
ولكي تتصنف العمارة بالجمال لا بد أن تكون مرآة صادقة تعبر عن الغرض الذي أنشئت من أجله).
د. علي عبدالله مرزوق
فن زخرفة العمارة التقليدية بعسير.