الأكثر مشاهدة

  إعداد- حصة بنت عبد العزيز يشكّل أدب الطفل ركيزة أساسية في بناء الإنسان منذ سنو …

أدب الطفل.. بين فرض التسويق ونبض التشويق

منذ 9 أشهر

1112

0

  إعداد- حصة بنت عبد العزيز

يشكّل أدب الطفل ركيزة أساسية في بناء الإنسان منذ سنواته الأولى، فهو الوسيلة التي يُعبّر من خلالها الطفل عن عالمه الداخلي، ويتلقى منها القيم، والمعرفة، والخيال، والمتعة. غير أن صناعة كتاب الطفل العربي تعيش اليوم حالة من التحدي المستمر بين الحفاظ على القيمة الفنية والمعنى الإنساني للنص، وبين متطلبات النشر والتسويق التي تحكمها اعتبارات السوق وتوجهات التكنولوجيا الحديثة. وفي ظلّ هذا التحوّل السريع في أدوات التلقي وأساليب النشر، بات لزامًا على الكاتب والناشر والمربي أن يعيدوا التفكير في الكيفية التي يُصاغ بها أدب الطفل، لضمان وصوله إلى عقل الطفل وقلبه في آنٍ واحد، دون التفريط بالهوية أو الرسالة.

ونسلّط الضوء على رؤى متنوّعة لعدد من الكتّاب والناشرين والخبراء التربويين في العالم العربي، حول محورين رئيسين:

– كيف يمكن تحقيق التوازن بين القيمة الفنية والمعنى الإنساني للنص في أدب الطفل، ومتطلبات النشر بما يضمن وصول الكتاب للطفل بجاذبية وجودة في آنٍ واحد؟

– ما أبرز التحديات التي تواجه الكاتب والناشر في صناعة كتاب للطفل يحقق التشويق والمعنى معًا؟ وكيف يمكن تطوير صناعة كتاب الطفل العربي لتحقيق هذا الهدف برؤية مستقبلية؟

في هذا التقرير، تفتح مجلة “فرقد الإبداعية” نافذة حوار مع كتّاب وناشرين ومختصين في أدب الطفل، لاستكشاف رؤاهم وتجاربهم حول تحدٍّ مستمر: التوازن بين ضرورات التسويق ونبض التشويق في صناعة كتاب الطفل.
وقد سلّطت “فرقد” الضوء على هذا الموضوع الحيوي، مستطلعة آراء عدد من الفاعلين في الحقل الثقافي و الأدبي، إيمانًا منها بأهمية فهم ملامح الواقع واستشراف سبل تطوير أدب الطفل العربي بما يحقق الجاذبية الفنية والمعرفية، ويراعي خصوصية الهوية الثقافية واحتياجات الطفل النفسية.

من أوائل المشاركين في هذا التقرير…

“التراث غُيّب والهوية مهدّدة”

أكد الأستاذ الدكتور خالد بن ربيع الشافعي، أن طفل اليوم يختلف كليًا عن طفل الأمس، وكذلك الأبوين اليوم يختلفان عن أبوي الأمس، فالزمن وحده هو المسؤول عن التغيير بين أجيال البشر. مع تقدم الإنسان في مجالات الحضارة والعلوم والفنون والمعارف، اكتسبت حياتنا طابعًا جديدًا يعكس صبغة العلم والعقل. حتى العواطف والمشاعر، التي كانت بريئة بالفطرة، أصبحت اليوم مشبعة بالصنعة والتقنيات الحديثة، ما زاد من سوء بعض الفلسفات النفعية التي تتبناها المجتمعات وتطبقها.

رغم أن الأسرة تظل الرباط المقدس الذي يقوم عليه المجتمع، فإن أفراد الأسرة، من الكبير إلى الصغير، شهدوا تحولات أخلاقية وسلوكية مواكبة للتحولات العلمية والحضارية والثقافية التي يعيشها العصر الحالي. بدأت ملامح التشابه بين المجتمعات تظهر بشكل أكبر، واختفت خصوصيات بعض الشعوب بفعل التقارب في أساليب العيش والحياة. ومع أن الأطفال يشكلون نحو ربع سكان العالم أو أكثر، فإن حياتهم في مرحلة الطفولة التي تؤثر بشكل كبير على تكوين شخصياتهم، تكاد تسير على نمط واحد من حيث البيئة التعليمية والسلوكية، حتى الألعاب والمشاهدات الإعلامية عبر الفضائيات، الأمر الذي يشير إلى محاكاة نمط الغرب وأدبياته، متجاهلين الماضي الثقافي والقيمي الخاص بكل أمة، حتى لو كان مستندًا إلى نصوص دينية منزلّة.

يركز الدكتور الشافعي على بيئة طفولة الأطفال في منطقة جازان بالمملكة العربية السعودية، حيث شهدت خلال ثلاثة عقود فقط تغيرات جذرية، خاصة في مجال الإعلام، أدت إلى فجوة واضحة بين الأجيال الناشئة وآبائهم. بينما يربط الوالدان جذورهما بماضيهما الثقافي، يفتقر الأطفال إلى مرجعيات ثقافية مشابهة، فاختفت الأواصر الثقافية التي كانت تربط الأجيال ببعضها البعض. فهل يعود السبب إلى الوالدين الذين عاشوا في ظل التعليم النظامي، أم إلى المجتمع الذي اتجه نحو الحضارة متأثرًا بصراعات تيارات دينية أبعدت التراث عن موقعه؟ أم أن المؤسسات التعليمية تجاهلت خصوصيات البيئات المحلية، وفرضت مناهج عامة لم تأخذ بعين الاعتبار الفروق الدقيقة؟

برز التعليم النظامي في النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري، وأصبح إلزاميًا بدعم الدولة وتشجيع الطلاب والطالبات، ما أدى إلى إقبال كبير على التعليم. مع مرور الزمن، تخلّى رجال اليوم، الذين كانوا أطفال الأمس، عن تراثهم، وكرّسوا معارفهم للمنهج التعليمي المعياري، مما أدى إلى اندثار الأناشيد والحكايات الشعبية التي كانت تشكل جزءًا أساسيًا من حياة الطفولة، حتى باتت تُروى اليوم فقط على سبيل المزاح أو التعصب الطفيف.

بينما عادت شعوب العالم لتربط حاضرها بماضيها وتعزز من تراثها وتعمل على دراسته وإحيائه، فإن التراث الشعبي في مجتمعاتنا يحمل عبر الحكايات والأناشيد قيمًا وسلوكيات تعبّر عن نفسية وثقافة المجتمع. وهو وسيلة تربط الفرد بالجماعة وتضبط السلوك الاجتماعي. والحنين إلى الماضي هو شعور فطري ينبع من ارتباط الإنسان بأرضه، وهو تعبير عن اشتياق لجمال اللحظات الأولى في الحياة التي لم تتلوث بخيبات الأمل.

اليوم، لا يمتلك الطفل في المجتمعات العربية مرجعيات تراثية عميقة، بل ينسحب إلى ماضٍ سطحي موحد، بسبب إهمال الموروث الشعبي وتفضيل ثقافات أخرى عليه.

تُعد مرحلة الطفولة من أخطر وأهم مراحل حياة الإنسان، إذ تنمو فيها المدارك والحواس، وتُشكل أرضًا خصبة لاستقبال كل ما يُلقى فيها. في هذه المرحلة تتكون الاستعدادات النفسية والفكرية لقبول المرغوب ورفض المكروه. لذا، فإن ثقافة الطفل تشكل جزءًا أساسيًا من احتياجاته المادية والنفسية والروحية، فكما يحتاج الطفل إلى الطعام والحنان، يحتاج أيضًا إلى غذاء فكري وروحي يغني فكره ويثري وجدانه. كانت الأم قديماً تقدّم هذا الغذاء بالفطرة عبر الأناشيد والحكايات الملائمة لطبيعة الطفل.

الثقافة والأدب بالنسبة للطفل مطلب ملح، فهي تروي وتسلّي، وتعرّفه على بيئته، وتنمي قدراته اللغوية والاجتماعية، وتُعزز وعيه الديني والعقدي. في عصرنا تنوّعت مصادر ثقافة الطفل، وكان للموروث الشعبي دور بارز، حيث يحمل معاني وأسلوب حياة لا تتوفرها مصادر أخرى. لكل أمة موروثها الشعبي الذي يتضمن الأناشيد والأساطير والعادات التي تعبر عن روح الأمة، وتساعدها في مواجهة تأثيرات الثقافة الخارجية.

الموروث الشعبي هو موازين اجتماعية تربط الماضي بالحاضر، وتقدم قيمًا إيجابية وتحفظ أصالة المجتمع. وهو منبع خصب للخيال، ومصدر لنماذج البطولة والشجاعة والدراما، ما يساهم في بناء شخصية الطفل وتشكيل وعيه. ومع ذلك، يعاني الموروث الشعبي من إهمال متزايد، ما يهدد بفقدان ثروة ثقافية هائلة.

من الضروري جمع الموروث الشعبي وتوثيقه ودراسته، وإخراجه للأجيال الجديدة بشكل منافس للقصص والبرامج الأجنبية، بعد غربلته وتنقيحه. ويجب أن تكون هذه من أولويات الجهات المعنية بثقافة الطفل، عبر تشكيل دوائر أو أندية أدبية تعنى بترسيخ شخصية الطفل العربي المسلم واعتزازه بتراثه، مع استثمار إمكانيات العصر وتقنياته الحديثة.

في المحور الثاني من ورشة العمل التي قدمها الدكتور خالد بن ربيع الشافعي، تم التطرق إلى عدد من النقاط المهمة المتعلقة بأدب الطفل، التي تضمنت:

تعريف أدب الطفل وأنواعه: هو الأدب المخصص للأطفال، مصمم وفق خصائصهم النفسية والعمرية والمعرفية، يشمل ما يُكتب أو يُنتج لهم بغرض الترفيه أو التعليم أو التثقيف. أنواعه: القصة بأنواعها (خيالية، واقعية، مصورة، شعبية)، الشعر المبسط والإيقاعي، المسرحيات الحوارية، الحكايات الشعبية والأساطير، الأغاني والأناشيد التعليمية.

خصائص اللغة والمحتوى: اللغة يجب أن تكون بسيطة، واضحة، مباشرة، وإيقاعية، مع صور تخيلية تناسب عالم الطفل. المحتوى يعكس اهتمامات الطفل، ويحتوي على قيم إيجابية بطرائق غير مباشرة، مع التوازن بين المتعة والفائدة، وملائمة للفئة العمرية.

دور أدب الطفل في تنمية القيم والخيال: غرس قيم مثل الصدق، التعاون، احترام الآخرين، وحب الوطن، عبر شخصيات أدبية نموذجية، وتوسيع مدارك الطفل وتحفيز خياله.

كيفية كتابة نصوص موجهة للأطفال: من خلال تحديد الفئة العمرية، اختيار أفكار مناسبة، بناء شخصيات جذابة، حبكة بسيطة، لغة مشوقة، مع نصائح مثل عدم الإلقاء المباشر، جعل الطفل بطل القصة، استخدام حوار واقعي قصير، وإنهاء النص برسالة ضمنية.

تحليل نماذج أدبية: دراسة قصص مثل “الأرنب والسلحفاة” من حيث الحبكة، الشخصيات، والقيم، إضافة إلى نصوص شعرية والتركيز على الوزن والقافية، مع مقارنة بين النصوص الورقية والرقمية التفاعلية.

التحديات التي تواجه كتاب أدب الطفل في العصر الرقمي: تشمل تغير أنماط التلقي من النصوص الورقية إلى الرقمية، المنافسة مع المحتوى المرئي مثل الفيديو والألعاب، ضعف الاهتمام بالنشر الورقي، صعوبة دمج المحتوى الجاذب مع القيمة، تعدد الثقافات، والحاجة إلى ضمان الأمان الرقمي للأطفال.

يؤكد الدكتور الشافعي على أن هذه المحاور تشكل خارطة طريق أساسية لتطوير أدب الطفل، بما يعيد للطفل العربي مكانته في ثقافته وتراثه، ويوازن بين نبض الرسالة وحتمية السوق، للحفاظ على هويته الثقافية وتعزيزها.

“التوازن يبدأ من فهم الطفل لا توجيهه”

وأفادت الدكتورة وفاء بنت محمد الطجل، المالك والرئيس التنفيذي لـ “التربويون للنشر الورقي والرقمي”، أن تحقيق التوازن بين القيمة الفنية والمعنى الإنساني في أدب الطفل يتطلب رؤية إبداعية تراعي خصائص الطفل كقارئ يتفاعل مع النص بعفوية وفضول.

وترى أن هذا التوازن يمكن الوصول إليه من خلال عدة عناصر أساسية:
-اللغة: تنصح باستخدام لغة سلسة وبسيطة، دون الإخلال بجمالياتها، بما في ذلك الإيقاع الشعري أو السردي الجاذب، إذ ينجذب الأطفال إلى الكلام الذي يحمل سجعًا أو نغمة محببة. كما تؤكد أهمية تناول الأسئلة الوجودية وفهم الذات والمشاعر بلغة تناسب عمر الطفل، دون تبسيط مفرط يفرغ المعنى.
-العمق النفسي: ترى أن العناية بالبعد النفسي والعاطفي ليست ترفًا بل ركيزة مهمة في أدب الطفل الحقيقي. الطفل لا يبحث عن المتعة فقط، بل عن قصة تلامس مشاعره، تعبر عنه أو عن طفل آخر يشبهه. يجب ألا نلجأ للمثالية، بل نعرض المشاعر كما هي: “انزعج”، “ارتبك”، “اشتهى أن يصرخ”، “أراد أن يختفي”، “فرح قلبه”. تؤكد على أهمية التعبير عن الحزن، والخوف، والوحدة، لأن الطفل يفهم هذه المشاعر ويحتاج إلى أن تُعبر عنها بطريقة تطمئن نفسه، لا أن تُخفى عنه.
– القيمة الأدبية والفنية: ترى الدكتورة أن تقديم القيم الإنسانية يجب أن يكون في إطار قصصي جذاب وضمن هوية ثقافية واضحة، بعيدًا عن المواعظ المباشرة. فالقصة يجب أن تحتوي مغامرة، أو شخصية ملهمة، تشبه الطفل، بلغة أدبية مبسطة، وسرد مشوق يحمل إيقاعًا بصريًا أو لغويًا داخليًا.
– الحبكة: تشدد على ضرورة تقديم قصة بحبكة متقنة تحمل عنصر التشويق، دون تعجل في الحل، وتمنح الطفل مساحة للتفكير والتفاعل مع البطل. تنبه إلى خطورة النهايات التقليدية أو الإنقاذ الخارجي من قبل شخصية كبيرة، وتشجع أن يأتي الحل من الطفل نفسه أو من صديق يشبهه. وتعدد أدوات الحبكة الجيدة كالحوار الداخلي، والحركة، والتعبير، والمشاعر.
– الرسام والناشر: تؤمن أن الرسام ليس مجرد مكمل بل “راوٍ موازٍ”، إذ تلعب الرسوم دورًا كبيرًا في إتمام القصة وتشكيل ذائقة الطفل البصرية والفنية. كما تعوّل على دور الناشر في الإخراج الفني والتوزيع الجيد، مؤكدة على أهمية الغلاف والعنوان، وقابلية النشر من حيث التكلفة والطلب في السوق.
– اختبار النصوص: تدعو إلى إشراك الأطفال في قراءة القصة قبل نشرها، من خلال مجموعات تجريبية؛ ذلك لأن للطفل زاوية نظر مختلفة عن الراشدين. الطفل يراها مغامرة، بينما يراها الكبير قيمة تربوية أو اجتماعية. وتشير إلى أهمية هذه التغذية الراجعة للكاتب، لتعديل التفاصيل بما يحقق الهدف الفني والتربوي.

وتختم الدكتورة وفاء هذا المحور بتأكيد عميق:
“عندما نكتب للطفل، علينا أن نعي أننا نكتب لروح تفهم كل شيء، لكن بلغته، وبأسلوب يضحكه أولًا، ويحرّك وجدانه، ويشبع فضوله. نبدأ بالقيمة، نغلفها بفن، ونقدّمها في قالب جاذب يقنع الطفل أولًا، ومن ثم الكبار. الطفل لا يتعلم من القصص فقط… بل يتشافى بها، ويتعرف على نفسه داخلها”. 

أما عن أبرز التحديات التي تواجه الكاتب والناشر في صناعة كتاب الطفل العربي، فقد عددتها الدكتورة وفاء كالتالي:
– نقص التوزيع الفعّال: محدودية الشبكات التوزيعية تجعل من الصعب وصول الكتب الجيدة إلى جمهورها، خاصة خارج العواصم أو في المناطق الريفية.
– ارتفاع تكاليف النشر: جودة الورق والرسومات والطباعة تتطلب ميزانيات مرتفعة، ما يجعل المنتج النهائي مكلفًا على الأسر أو المدارس.
– منافسة المحتوى الرقمي: ترى أن الطفل المعاصر ينجذب إلى الوسائط الرقمية مثل الألعاب والفيديوهات السريعة، ما يتطلب من صناع كتاب الطفل تقديم محتوى قصصي تفاعلي ومواكب لهذا الزخم.
– قلة الدراسات السوقية: عدم وجود بيانات واضحة حول اهتمامات الأطفال وميولهم يخلق تحديًا أمام الكاتب والناشر، ويجعل عملية النشر أشبه بالمغامرة.
– ضعف الفعاليات الثقافية المتخصصة: تؤكد على غياب مهرجانات مستدامة ومؤثرة لأدب الطفل، مما يحد من التفاعل بين الطفل والمحتوى الأدبي.
– هيمنة المناهج الأجنبية: ترى أن الاعتماد الكبير على الكتب الأجنبية في المدارس الخاصة يضعف علاقة الطفل بلغته وهويته الثقافية.

وقدّمت رؤيتها المستقبلية لتطوير صناعة كتاب الطفل العربي من خلال عدة محاور:
– تعزيز التجربة الرقمية: بدمج الكتب الورقية بتقنيات الواقع المعزز (AR) أو التطبيقات التفاعلية.
– الشراكة مع المؤسسات التعليمية: بإطلاق مبادرات مثل “الكتاب للجميع” لضمان وصول الكتب للأطفال عبر المدارس والمكتبات.
– تنظيم مهرجانات متخصصة: مثل “معرض الطفل القارئ”، وتشمل ورشًا، عروضًا، توقيعات، ومسابقات.
– تدريب المهنيين في صناعة الكتاب: لتطوير مهارات الكتّاب والمصممين بما يناسب الطفل العربي.
– الدعم المالي: عبر جوائز وصناديق تمويل من القطاعين الحكومي والخاص.
– تحسين شبكات التوزيع: ببناء شبكة تربط الناشرين بالمدارس والمكتبات والمنصات الرقمية.

واختتمت الدكتورة وفاء بنت محمد الطجل مشاركتها بالتأكيد على أن مستقبل كتاب الطفل العربي لا يُبنى فقط على جودة النص، بل على منظومة متكاملة تضم الكاتب، والناشر، والرسّام، والمربي، والتقني، والأهم من ذلك الطفل نفسه. التوازن بين الفن والمعنى والتوزيع هو المفتاح الذهبي لصناعة أدب يرتقي بالطفل، ويعكس هويته، ويصنع قارئًا عربيًا واثقًا ومتمكنًا.

“نكتب بقلب الإنسان وعين الطفل”

كما أضاف الكاتب عبد الله النصر، وهو قاص وروائي، أن تحقيق التوازن بين القيمة الفنية والمعنى الإنساني في أدب الطفل يتطلب أن يُكتب النص بعين الطفل وقلب الإنسان في آنٍ واحد، مؤكدًا على ضرورة نسج القيم مثل الصدق والرحمة والعدالة في قصة قصيرة تُروى بلغة بسيطة وإيقاع مشوق، بعيدًا عن المباشرة، مدعومة برسوم جذابة تعمّق المعنى.

وأوضح النصر أن الرسام المحترف شريك أساسي لا مكمّل، إذ يُترجم الروح إلى صورة مرئية، لأن الطفل يرى قبل أن يقرأ. وفي جانب النشر، يتطلب الأمر دراسة دقيقة للفئة العمرية المستهدفة وميولها البصرية، مع طباعة عالية الجودة، واختبار القصة مسبقًا على مجموعة من الأطفال لضمان الأثر.

وبيّن أن أبرز التحديات تتمثل في صعوبة تحقيق التوازن بين التشويق والمعنى العميق بلغة تناسب الطفل، وارتفاع تكلفة الإنتاج وجودة الرسوم، وضعف التدريب والتوزيع، مؤكّدًا على أن تطوير صناعة كتاب الطفل العربي ممكن من خلال دعم المؤلفين والرسامين، وإدماج التكنولوجيا بطرق مدروسة، وإشراك الأطفال في تقييم القصص، مع تبني رؤية مؤسسية تستثمر في أدب الطفل كأداة لبناء الإنسان، لا مجرد منتج تجاري خاضع لمعايير السوق وحدها.

“النص الجيّد يصنع الإنسان الكامل”

وتحدث الكاتب والأديب عبد القادر بن سليمان مكي، موضحًا أن النص في أدب الطفل يشمل كل ما يُكتب للأطفال سواء كان شعرًا أو نثرًا، بهدف التسلية والتعليم والتثقيف، على أن يكون ذا قيمة تُحقق أهداف أدب الطفل التي تبني شخصية الطفل بناءً متكاملًا من خلال القصص والأناشيد والمسرحيات وغيرها، مع مراعاة القيمة الفنية والخصائص التي تساعد في نمو الطفل وقدراته اللغوية والفكرية.

وأكد مكي أثناء حديثه، على أنه لصناعة كتاب للأطفال يجب أولًا تحديد الفكرة والمحتوى، ثم اختيار الشكل والحجم المناسبين للكتاب، بعد ذلك تتم كتابة القصة وتصميم الصفحات مع إضافة الصور والرسوم التوضيحية، وأخيرًا اختيار طريقة الطباعة والنشر المناسبة، مع ضرورة أن يكون كتاب الطفل كبيرًا بالعلم، محلّقًا بالفهم.

“التقنية بوابة الطفل للكتاب”

أما الكاتب إبراهيم مغفوري، فقد أشار إلى أن هذا المجال يحتاج إلى تكاتف بين الكاتب الجيد الذي يراعي حاجة الطفل حسب مراحله العمرية، وبين الناشر الذي يقدم مصلحة الطفل أولًا. وأكد أنه إذا وُجد الكاتب الجيد الحاذق الذي يعرف ماذا يكتب للطفل، والناشر الجيد الذي يذلل الصعاب من أجل وصول الكتاب للطفل كما يحب ويختار، فإن صناعة كتاب الطفل ستزدهر.

وأضاف مغفوري أن الطفل اليوم يحتاج إلى كتاب في أجهزته الذكية التي يحبها، يحمل مادة جيدة مشوقة تجذبه وتجعله يلعب ويقرأ في آن واحد، وبهذه الطريقة يتعلم ويستفيد.

– كيف يمكن تحقيق التوازن بين القيمة الفنية والمعنى الإنساني للنص في أدب الطفل ومتطلبات النشر، بما يضمن وصول الكتاب للطفل بجاذبية وجودة في آن واحد؟

“جذب الطفل يبدأ بالمحتوى لا الغلاف”

وأكّدت كاتبة قصص الأطفال والحكواتية الأستاذة نسرين النور، من مملكة البحرين، قائلة: ما يجذب الطفل للكتاب ليس الغلاف فقط، بل أيضًا ما يتضمنه من معلومات تثري ذائقته وتنمّي معلوماته وحصيلته اللغوية. فكما أن شكل الكتاب يجذب الطفل، فإن المحتوى هو الأساس في قبوله له؛ إذ لا يمكن للطفل أن يتقبّل كتابًا لم يقتنع بمضمونه. لا تزال بعض الكتب تصدر بأساليب تقليدية لا تواكب التطور، وبعضها يتسم بمحتوى ركيك أو لا يخدم احتياجات الطفل بشكل يتناسب مع مرحلته العمرية.

ومن هنا، فإن التعاون بين الكتّاب والناشرين والتربويين في الوطن العربي يُعد أمرًا ملحًا، من أجل الاتفاق على مضمون وشكل الكتاب وإخراجه بصورة جميلة وجذابة، وتبادل الخبرات فيما بينهم، بما يثمر عن إنتاج كتب ذات قيمة تضيف للمكتبات العربية وتُثري عقول الأطفال.

وفيما يخص التحديات التي تواجه صناعة كتاب الطفل العربي، ترى الأستاذة نسرين أن:

قلة الإقبال على شراء الكتب العربية، مقابل الإقبال على قراءة الكتب الأجنبية، تُعد من أبرز التحديات، ويُعزى ذلك – برأيها – إلى ضعف اللغة العربية لدى بعض أطفالنا. كما تؤكد على أهمية رفع وعي المجتمع العربي بضرورة تعزيز اللغة العربية لدى الأطفال، والاعتزاز بها، ودعم هذا التوجّه عبر شراء الكتب لهم وتشجيعهم على القراءة، بل واصطحابهم لاختيار كتبهم بأنفسهم.

وتقترح الأستاذة نسرين تنظيم فعاليات دورية ومعارض كتب خاصة بالطفل من قبل الناشرين، بين الحين والآخر، لتشجيع الأطفال على الحضور واقتناء الكتب التي يرغبون فيها. فالمعارض المخصصة للأطفال، إلى جانب الأنشطة المصاحبة لها، تُعد حافزًا مهمًا يدفعهم نحو القراءة، في حين أن موسم معارض الكتب العامة لا يُقام إلا مرة واحدة في السنة، وقد لا يكون توقيته مناسبًا دائمًا للأطفال.

“نكتب بأقلامنا لا بلغتهم”

فيما أوضحت كاتبة مسرح الأطفال الأستاذة حسناء أحمد الموسى: “قبل الحديث عن التوازن بين القيمة الفنية والمعنى في أدب الطفل، نحن بحاجة لطرح سؤال مهم:
هل نتعامل فعلًا مع عقلية وذكاء وذائقة الطفل الفنية والفكرية كما يجب؟
أو على الأقل، هل نتواصل معه بلغته ومفهومه الحقيقي؟”. 

وتُبدي الموسى أسفها حيال الواقع الحالي، مشيرة إلى أن غالبية النصوص المسرحية أو القصصية المنتشرة اليوم، تُكتب بصوت وعقلية الكاتب، وليس من منظور الطفل. ورغم أن هناك توجهًا تربويًا جميلًا في بعض الأعمال، إلا أنها تتساءل: “هل هذا التوجّه يناسب رؤية هذا الجيل؟”. 

وتضيف: “الجيل الجديد يفوقنا بمراحل من حيث المعرفة، والاطلاع، والفهم. طفل في السابعة من عمره يشاهد ويُحلّل وينتقد ما يشاهده، وهذا يعني أننا نعمل مع جيل يُفكر بعمق، ما يجعل مهمة الكتابة له عملاً بالغ الصعوبة”. 
وترى الموسى أن الخطوة الأولى لتحقيق التوازن المطلوب، تبدأ بـ”الاستماع لهذا الجيل، ومراقبة سلوكياته”، مؤكدة أن هذا الجيل “لا يشبهنا أبدًا”، لذا فإن على من يكتب له أن يسعى ليُشبهه، ويعبّر عنه.

وتُضيف: “من أكبر التحديات التي أواجهها ككاتبة، أن الطفل يمتلك لغة خاصة به، وأسلوبًا مختلفًا كليًا. لذا، قبل أن نكتب له، يجب أن نطرح على أنفسنا سؤالًا واضحًا:
هل قلمي قادر على أن ينقل لغة الطفل بصورة تجذبه؟
أم أن قلمي لا يزال تقليديًا، توجيهيًا، يعتمد على النصح المباشر؟”. 

وتختم الموسى حديثها بالتأكيد على أن القلم الموجّه للطفل يجب أن يكون مختلفًا، وأن يبتعد عن الإرشادات المباشرة، ويعتمد بدلًا من ذلك على عرض المشكلة بطريقة واقعية تُحل عمليًا داخل القصة، لا وعظيًا.
وتقول: “في اعتقادي، هذه الطريقة هي الأجمل والأكثر جذبًا للطفل”. 

“أدب الطفل في مواجهة الطوفان التقني”


وكان للأديب الأستاذ محمد الرياني رأيٌ بيّن، إذ قال: “قضية أدب الطفل قضية قديمة جدًّا، والدليل على ذلك أن قصص الأطفال كانت وما زالت حاضرة في المكتبات وعلى ألسن الرواة منذ القدم. وعندما كنّا صغارًا، كنا ننام على وقع حكايات الأمهات والجدّات، نستمع ونستمتع حتى يغشانا النوم”. 

ويُشير الرياني إلى الحضور التاريخي لأدب الطفل في الثقافة العربية، مشيرًا إلى أنه طالما تجلّى “على لسان الحيوانات والطير، وعبر الخيال الجامح الذي حلق في عوالم السحر والشعوذة والأساطير”.
ويضيف: “في مقابلة سابقة أُجريت معي حول أدب الطفل، علّق أحد المحاورين بأن هذا الأدب لم يحقق بعد ما يُشبع رغبات الأطفال، وكان ذلك قبل ظهور الإنترنت والهواتف والإيباد والذكاء الاصطناعي”. 

ويرى الرياني أننا اليوم في “مرحلة خطيرة تحيط بالأطفال”، ما يستوجب تحقيق توازن دقيق في الطرح الأدبي، بما يواكب هذا التحول العلمي المتسارع الذي نعيشه. ويؤكد أن الكاتب الذي يسعى للنجاح في أدب الطفل، “لا بد أن ينافس بقوة، ويجاري تيار المعرفة الحالية بقصص تناسب المرحلة”. فقصص الأطفال التي قرأها الكبار في الماضي “لم تعد تناسب أطفال اليوم، ولا الخيال العلمي والمعرفي الذي تشكّل بفعل هذا التقارب الكوني، الذي أصبح ظاهرة تثير الجدل والانتباه”.

ويُحمّل الرياني دور النشر مسؤولية ثقافية لا تقتصر على الجانب الربحي فقط، فيقول:
“إذا ما أرادت دور النشر خدمة البشرية، فعليها مسؤولية كبيرة في إثراء المشهد الثقافي. يجب ألا يكون تفكيرها منصبًّا فقط على العائد المادي، بل أن تُحقق توازنًا بين المردود المادي والقيمة العلمية، للوصول إلى رضا القارئ، خصوصًا في هذه المرحلة”. 

واختتم الرياني حديثه بالتأكيد على أن التحول الثقافي في المملكة وفق رؤيتها المستقبلية قد “وضع يده على أجندة التطوير الثقافي، بما يُناسب عالم الطفل، وبدأ بتقديم برامج إبداعية لطلاب وطالبات في فنون الأدب المختلفة”.
وفي ضوء ذلك، يُبرز أهمية “دور المتخصصين ودور النشر في تكوين شراكات أدبية حقيقية، تُثري الساحة بإصدارات تليق بالمرحلة، وتُلامس ذائقة أطفال اليوم الذين توسعت خرائط رؤوسهم في عالم يموج بكل جديد”.

الكتاب الورقي بين البيت والمدرسة

في سياق التحديات المتسارعة التي يشهدها عصرنا الرقمي، أوضحت الأستاذة بدرية بنت عيسى عمير، معلمة الطفولة المبكرة، أن التكدس المهول والمتجدد للوسائل التقنية والرقمية أتاح فرصًا متعددة لتعزيز المهارات اللغوية وغيرها من المهارات لدى الأطفال، سواء عبر المواقع التعليمية أو الكتب الإلكترونية التفاعلية أو الألعاب المصممة بعناية.

لكنها نبهت في المقابل إلى أن الاستخدام المفرط وغير المقنن للإنترنت خلق فجوة في العلاقة بين الطفل والقراءة الورقية التقليدية، ما يستدعي – بحسب رأيها – توفير بيئة خصبة تُعيد للكتاب مكانته، وتستعيد قيمة القراءة العميقة.

وترى الأستاذة بدرية أن البداية الحقيقية لاستعادة هذه العلاقة تبدأ من المنزل، حيث يمكن للأهل أن يمارسوا دورًا فاعلًا من خلال تبادل الأدوار القرائية مع الطفل، كأن يطلبوا منه قراءة كتاب أو مطوية بصوته. وتؤكد أن هذه الممارسة البسيطة تُعزز ثقة الطفل بنفسه، وتزيد من دافعيته لإنجاز مهام أكبر.

أما على مستوى المدرسة، فتشير إلى أن هناك دورًا ملموسًا تقوم به بعض المؤسسات التعليمية من خلال اعتماد الكتاب الورقي في المناهج، وتنظيم دورات ومهرجانات ومسابقات ثقافية تدعم الطفل القارئ وتحتفي بإبداعه.

وتختم الأستاذة بدرية رأيها بالتأكيد على أن الكُتّاب والمدوّنين يتحملون مسؤولية كبرى في تطوير إخراج كتاب الطفل بشكل جاذب، مبتكر، ومواكب لتطلعات الجيل الجديد، ليكون الكتاب نافذته المفضلة إلى المعرفة، لا مجرد بديل تقليدي في عالم طغت عليه الشاشات.

 

خاتمة التقرير:
إن ما اجتمعت عليه آراء الكتّاب والناشرين في هذا التقرير، يعكس بوضوح أن أدب الطفل العربي ليس ترفًا ثقافيًا، بل مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الكاتب، والرسّام، والناشر، وصانع القرار التربوي، بل والأسرة التي تضع أول بذرة للقراءة في يد طفلها.
لقد اتفقت الأصوات على ضرورة أن يُكتب للطفل بلغة تحاكي وعيه، وبأسلوب يحترم مشاعره، وبقيمة تُشبع روحه، لا أن تُسقط عليه من علٍ. كما أن التوازن بين جمال الفن وصدق الرسالة لا يمكن أن يتحقق دون رؤية إنتاجية ناضجة، ومؤسسات تؤمن أن الاستثمار في الطفل، هو استثمار في المستقبل.
ومع كل تحدٍّ يواجه صناعة كتاب الطفل العربي، يظهر أيضًا أملٌ جديد في كتّاب شباب، وناشرين طموحين، ومبادرات تزداد وعيًا بأهمية هذا اللون الأدبي. وما نرجوه، أن تكون هذه المساحة من الحوار مدخلًا لوعي جماعي يُعيد لأدب الطفل العربي مكانته، لا بوصفه أداة تعليم، بل بوصفه فنًا حيًّا، يُشكّل الوعي ويرتقي بالخيال.

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود