مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

   نجود حسن* في السنوات الأخيرة شهدنا ظاهرة لافتة، وهي تزايد المقاهي الأدبية في …

المقاهي الأدبية.. بين وفرة الأماكن وغياب الحضور

منذ 7 أشهر

901

0

   نجود حسن*

في السنوات الأخيرة شهدنا ظاهرة لافتة، وهي تزايد المقاهي الأدبية في مختلف المدن، حتى كاد عددها يفوق عدد المهتمين فعليًا بالأدب والثقافة ظاهريًا، قد يبدو هذا الأمر مؤشرًا إيجابيًا على اتساع دائرة الاهتمام بالقراءة والفكر والحوارات، لكن التمعن في المشهد يكشف عن مشكلة مقلقة ضعف الإقبال الجماهيري. 
فكثير من هذه اللقاءات الأدبية لا يحضرها إلا القليل، وبعضها يمرّ كأنّه لم يكن إلا من مقاعد فارغة تولّد إحراجًا للضيف الذي جاء ليشارك تجربته أمام جمهور شبه غائب.

هذه الفجوة بين وفرة الأماكن وندرة الحضور ليست مشكلة شكلية فحسب، بل تمس جوهر الفعل الثقافي ذاته، فالثقافة لا تزدهر بمجرد إنشاء أماكن تحمل لافتة “مقهى أدبي”، بل بازدهار الجمهور المتفاعل وبنشوء بيئة حيّة للتبادل الفكري. إن كثرة المقاهي بلا تنسيق قد تؤدي إلى تشتت المهتمين فيتوزع الحضور القليل على أماكن كثيرة، فيخسر الجميع المهتم الذي لا يجد أجواء ثرية والضيف الذي يفتقد التفاعل والمقهى نفسه الذي لا يحقق الغاية التجارية والثقافية.

من هنا تبرز الحاجة إلى وضع ضوابط وتنسيق مدروس، فليس من الحكمة أن تتجاوز المقاهي الأدبية في منطقة واحدة عددًا معقولًا، ولعل خمسة مقاهٍ كحد أقصى كافية لتوزيع الجمهور وتكثيف الحضور، بدلًا من تشتيت الطاقات والمهتمين بين عشرات المواقع. 

الكيف هنا أهم من الكم، فمقهى واحد ممتلئ بالحوار أفضل بكثير من عشرة مقاهٍ خاوية إلا من المقاعد.

إلى جانب ذلك من المهم أن تتكامل المقاهي الأدبية مع المساحات والأندية الثقافية الأخرى، فوجود الأندية الأدبية والجمعيات والمراكز الثقافية يعزز دورها ولا ينافسها، بل يفتح أفقًا أوسع للتعاون.
بهذه الطريقة يصبح المشهد الثقافي أكثر حيوية وتوازنًا وتستفيد جميع الأطراف الكتّاب، القرّاء، والفضاءات الثقافية.

خاتمة:
إن المقاهي المهتمة بالثقافة والأدب، بلا شك مبادرة جميلة تستحق الدعم لكنها تحتاج إلى إدارة رشيدة وتوزيع عادل يضمن فعاليتها.

فإذا أحسنّا تنظيمها وقللنا من تشتتها وأعطينا لكل مقهى فرصة حقيقية لينمو جمهوره، حينها فقط ستتحول هذه الفكرة من مجرد ديكور ثقافي إلى رافد حقيقي يثري الوعي ويجعل من لقاءات الأدب مساحة للجدل العميق والمتعة الفكرية التي تليق بالكلمة.

 

*كاتبة سعودية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود