مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

ماجدة الشريف*  يُبنى كيان الإنسان بتجاربه هو، لا بتجارب الآخرين. والحكيم من يتّع …

تأملات حول محاكاة تجربة فان جوخ

منذ 5 أشهر

222

0

ماجدة الشريف* 

يُبنى كيان الإنسان بتجاربه هو، لا بتجارب الآخرين.

والحكيم من يتّعظ بغيره ويتجنّب ما آذاهم، ترفعًا وسموًا لشخصه الفريد؛ ليعيش تجربته الخاصة، ويتذوّق طعم نجاحه وإخفاقه بنفسه، حتى يصل إلى جوهر ذاته الفريدة، ويترك بصمة لا تُشبه أحدًا… كبصمة إصبعه.

هذه مجرد تأملات فنانة، متأملة، لديها تساؤلات متعجبة، من حالة التناقض الغريبة التي تراها في ساحة الفن اليوم: كيف يسعى كثير من الفنانين لتقليد تجربة رسام عاش معاناة نفسية شديدة، فقط لأن لوحته اشتهرت!

أتحدث هنا عن لوحة “ليلة النجوم” للفنان الهولندي فنسنت فان جوخ، تلك اللوحة التي لا أرى فيها جمالية تستحق التقليد أو المحاكاة؛ لأنها ليست تجربة جمالية بقدر ما هي صرخة إنسانٍ مريضٍ يحاول النجاة من اضطرابه الداخلي.. عافانا الله واياكم جميعًا.

فإن كانت فيها جماليات فريدة، ففرادتها في خصوصيتها، في صدقها النابع من الألم، لهذا يجب أن تبقى له وحده، لا تُقلّد ولا تُدرَّس إلا من منظورٍ إنساني، بتسليط ضوء ومضة فنية تُحكى لا تُحاكى.

كيف لإنسانٍ سويّ أن يخوض تجربة فنية لِمَن رسم لوحته وهو داخل مصحة عقلية؟!

كيف يُغفل عن سياقها الحقيقي، ويركض خلف الأسلوب والضربات اللولبية للفرشاة التي كانت انعكاسًا للدوار الناتج عن المرض والعلاج؟!

بالله عليكم، لا تأخذكم العزة بالإثم، أو حتى تعتريكم نعرة الفن وكِبر الاعتراف بحقيقة ربما هي ظاهرة لكم، وربما لم تظهر كما يجب.

أليس في هذا نوعٌ من الاستخفاف بالمعاناة الإنسانية؟

ثم يُبرر ذلك باسم الفن، ويُنسى أن الفن لا يكون فنًا إلا إن انطلق من صدق تجربة صاحبه، لا من تقليد محاكاة معاناة غيره!

إنه أشبه بالغراب الذي حاول تقليد الحمامة في مشيتها، فلم يعد قادرًا على المشي كما كان، ولا على الطيران كما يجب.

لستُ ضد فان جوخ، فهو فنان عالمي ترك بصمة خالدة، لكنني أتحدث من منطلق الوعي الإنساني: ليس من الصواب أن نجعل الأصحاء يخوضون تجارب من عانوا اضطرابات عقلية، كأننا نُعيد تمثيل الألم دون وعي بتبعاته.

ألا تعلمون أن العقول تختلف؟

والطبائع تتأثر والنفس البشرية تعتل؟

وأن بعض الاضطرابات قد تنشأ من التقليد والمحاكاة دون إدراك؟

كم من شخصٍ سليمٍ تأثر نفسيًا حين حاول أن يعيش مشاعر لم تُخلق له!

لسنا ملزمين أن نجرب ما لا يستحق التجربة.

بعض التجارب يجب أن نتركها لأصحابها، احترامًا لهم ولأنفسنا، وحفاظًا على سلامنا الداخلي.

الفن الحقيقي ليس في تقليد الألم، بل في الصدق، والممارسة، والتفرّد.

المدرسة الانطباعية ليست حكرًا على لوحة شهيرة تُحاكى بلا وعي؛ فهناك من لا يعلم قصتها مطلقًا.

لا بد أن يكون لدى الجميع ثقافة فنية حتى يعرف الفنان ماذا يرسم وماذا يريد وما الذي يناسبه؛ فالفن انعكاس حقيقي عن شخصية الفنان.

وهو قصة من قصصه الخيالية والواقعية، وفكر ينثره بلونه الخاص.

فاحذروا “تقليد الأعمى يضر”.

“إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم… إلخ”، فإن الجنون لا يُكتسب، ولا يُحاكى، بل يُفهم ويُحاط بالرحمة.

فان جوخ وهو يتألم بلونه في المصحة النفسية (ليلة النجوم) في النهار. 

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود