الأكثر مشاهدة

الكاتب: حسين عبروس* تُعدّ العلوم والمعارف حصيلةَ تجاربَ إنسانيةٍ طويلة تمنح صاحب …

حين يلتقي العلم بالحكاية

منذ أسبوعين

42

0

الكاتب: حسين عبروس*

تُعدّ العلوم والمعارف حصيلةَ تجاربَ إنسانيةٍ طويلة تمنح صاحبها القدرة على الوصول إلى حقائق مدهشة، وهذه الحقائق لا تأتي بسهولة، بل بعد جهدٍ مضنٍ من البحث والكشف والاستقصاء. وإذا كان العلماء يخوضون غمار هذا المجال عبر تخصّصاتهم الدقيقة، فإن الأمر يختلف مع الكاتب الذي يتوجّه إلى الأطفال واليافعين؛ فالكتابة العلمية لهذه الفئة تتطلّب شروطًا فنية ومعرفية دقيقة تمكّن الكاتب من صياغة نصّ أدبي ممتع بلغة رشيقة سهلة، قادرة على الجمع بين البساطة والعمق.
والحقيقة التي قد تغيب عن أذهان الكثير من الكتّاب هي أن النصّ العلمي الموجّه للطفل ليس نصًا مخصّصًا للصغار وحدهم، بل هو نصّ صالح للكبار أيضًا، خاصة حين يُبنى بأسلوبٍ أدبي شيّق. من هنا يمكن القول إنّ تجربة الكتابة العلمية للأطفال واليافعين قائمة على أسس إبداعية دقيقة، لا غنى عنها لكلّ من يطرق هذا الباب.

أولًا: خصوصية الكتابة العلمية للطفل واليافع
تقوم الكتابة العلمية للأطفال واليافعين على تنويع الأساليب بحسب طبيعة النصّ والموضوع؛ فالطفل لا ينجذب عادةً إلى الطرح المعقّد أو السرد المباشر الجاف، بل يبحث عن الحكايات المشوّقة، والأحداث المتتابعة، والشخصيات الغرائبية، واللحظات التي تجمع بين المتعة والتأمّل.
أمّا بالنسبة لليافعين، فإن الاهتمام يكون أكبر بالقضايا العلمية المدمجة في النصوص القصصية والروائية، حيث يتقبّلونها كجزء من تنمية قدراتهم الفكرية والفنية.

ثانيًا: شروط أساسية للكاتب في هذا المجال
لكي ينجح الكاتب في تقديم نصّ علمي أدبي للأطفال واليافعين، لا بدّ أن تتوفّر فيه الشروط التالية:
الموهبة والقدرة الإبداعية التي تمكّنه من صياغة الأفكار بلغة مؤثّرة.
الإلمام بفنّيات الكتابة الأدبية، والتحكّم في الأدوات اللغوية والنحوية.
القدرة على تطويع المصطلح العلمي وتوظيفه داخل النصّ السردي دون أن يفقد النصّ سلاسته.
اختيار موضوعات علمية مناسبة تتلاءم مع مستوى المتلقّي، وبناؤها وفق متطلّبات معرفية واضحة.
الذكاء في توظيف المعلومات، بحيث يتجنّب الأخطاء العلمية ويقدّمها في إطار جمالي مشوّق.

ثالثًا: طبيعة الموضوعات والأساليب
تختلف الكتابة العلمية للأطفال باختلاف الموضوعات: شخصية علمية، حدث علمي، أو مبحث في الفيزياء أو الطب أو الكيمياء… ولكلّ موضوع أسلوبه الأنسب.
والهدف الأساس هو تبسيط المعرفة وتقريبها من عقل الطفل، مع تجنّب التعقيد الذي قد ينفّر القارئ الصغير.
والنصّ العلمي الجيّد يجعل الطفل قادرًا على «التأمّل والتدبّر»، ويحفّزه على مواصلة البحث الذاتي، مستفيدًا من حصيلة معرفية قابلة للتوظيف في دراسته وحياته اليومية.

رابعًا: خصائص الكتابة العلمية الناجحة للأطفال واليافعين
ربط العلم بالحياة اليومية، وبيان دوره في الوقاية والصحّة وحماية البيئة.
تكوين «معجم علمي ومعرفي» لدى الطفل، يصاحبه معجم لغوي سليم بعيد عن الأخطاء.
تعزيز «روح حبّ العلم والجمال معًا»، وإثارة الفضول الدائم تجاه أسرار الكون.

خامسًا: أبرز العيوب التي يجب تجنّبها
من أبرز ما يضعف النصّ العلمي الموجّه للأطفال واليافعين:
استخدام المصطلحات العلمية دون تدقيق أو تبسيط.
الإكثار من الجمل الطويلة المرهِقة للقراءة.
السرد المباشر الخالي من المتعة الفنية والجمالية.
غياب الحوار وعنصر التشويق داخل النصّ.

خاتمة:
إنّ الكتابة العلمية للأطفال واليافعين ليست مهمة سهلة؛ فهي تتطلّب مزيجًا من «الإبداع الأدبي»، و«المعرفة العلمية»، و«القدرة التربوية» على تبسيط المفاهيم. وإذا أحسن الكاتب الجمع بين هذه العناصر، استطاع أن يقدّم نصًا يجمع بين المتعة والمعرفة، فيحبّب الناشئة في القراءة والعلم معًا، ويفتح أمامهم آفاقًا جديدة للبحث والاكتشاف.

*كاتب وشاعر للأطفال من الجزائر

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود